روديا عبدو
في عالمٍ صاخبٍ تمتلئ فيه المساحاتُ بالأصواتِ العالية، والآراء المتضاربة، والحقائق المشوّهة، نركضُ خلف ما يُقال، ما يُراد لنا أن نُصدّق، وما يُفرَض علينا أن نكون. ننسى أنفسنا في زحمةِ الترند، ونُطفئ نورنا الداخلي في سبيل الاندماج مع ما لا يُشبهنا. لكن؛ السؤال الأهم الذي يتسلّل إلينا همساً: متى كانت آخر مرة أصغينا فيها إلى أنفسنا؟
كلّ يوم، تهاجمنا الشاشات بإشعاعاتها، والأخبار بمبالغاتها، والتطبيقات بمطالبها اللانهائية. ننقر على صورة، ونبتسم لصورة، ونحزن لأخرى، ثم نُقفل الهاتف ولا نعرف من نحن. هل نحن من نشرَ تلك الضحكة؟ أم من كتب ذلك التعليق؟ أم نحن من جلس في الظلّ يراقب كل شيءٍ دون أن يشعر بأنه ينتمي؟
لقد أصبحنا نعيش خارج أنفسنا. نحاول إرضاء الجميع فنخسر أرواحنا في الطريق. نحشو جداولنا بالمهام كي لا نُضطر لمواجهة ذلك الفراغ المخيف بداخلنا. لكن؛ الحقيقة هي أن الصمت ليس عدواً، بل بوابة. بوابة نحو الذات، نحو السؤال الذي نخافه: من أكون؟ وما الذي أريده حقًا؟
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد الإعجابات، والنجاح بعدد المتابعين، نحتاج أن نعيد تعريف الكرامة، أن نُعيد بناءنا من الداخل، بعيدًا عن مقاييس السوق وأمزجة الآخرين. أن نخلع الضجيج كما نخلع ثوبًا ضيقًا لا يُناسبنا، ونلبس السكينة كأنها بيت.
الثقافة، الفن، القراءة، التأمل، الكتابة، والمشي الطويل… كلها ليست ترفاً. إنها أدوات النجاة. أن نقرأ كتابًا يجعلنا نبكي أو يوقظ فينا حلماً، أن نستمع إلى قطعة موسيقية فنشعر أننا عدنا إلى الوطن، أو أن نكتب لأنفسنا رسائل غفران وصدق… هذا هو ما يجعل الإنسان حيًّا.
الناس من حولك قد يطالبونك بأن تكون نسخة عنهم، أن تعيش كما عاشوا، وتختار كما اختاروا. لكن أعظم انتصارٍ في هذا الزمن هو أن تكون ذاتك.
الذات ليست شيئًا يُشترى، ولا تُصنَع خلال لحظة. إنها تراكم اختيارات صغيرة، تمضي فيها بشجاعة. لحظة تقول فيها: لا، ولحظة تغفر فيها، ولحظة تقف فيها رغم التعب، وتقول: أنا أستحق فرصة جديدة.
في زمن الضجيج، كن صمتك المقدّس.
في زمن التقليد، كن بصمتك المختلف.
في زمن الخوف، كن شجاعتك.
وفي زمن الإنكار، لا تنسَ أن تُصغي إلى نفسك… فربّما كان صوتك الداخلي هو الشيء الوحيد الصادق في عالمٍ مليء بالزيف.