حمزة حرب
تتفاقم سنويّاً ارتدادات انتهاكات دولة الاحتلال التركيّ جراء حبسها لمياه نهري دجلة والفرات لتعاني دول المصب العراق وسوريا من انعكاساتٍ سلبيّة جسيمة خصوصاً مع حلول فصل الصيف وازدياد الحاجة لكمياتٍ أكبر من المياه لري الأراضي الزراعيّة لتوليد الكهرباء أو تلبية الاحتياجات البيئيّة والإنسانيّة.
هذه الانتهاكات؛ أدت إلى تعطّل معظم مناحي الحياة في سوريا وبخاصةٍ في المدن والبلدات والقرى المتموضعة على السرير النهري للفرات والتي تعتمد على الزراعة كموردٍ رئيسي للحياة، إذ جفّت المسطحات المائيّة الطبيعيّة والصناعيّة وانخفضت إنتاجيّة المحاصيل وتدهورت جودتها، وقطعت موارد رزق المزارعين، والحال نفسه في العراق بزيادة نسبة ملوحة مياه الشرب ما تسبب بانتشار الأمراض والأوبئة، وكلّ ذلك دون التوصّل لأيّ صيغةٍ للتفاهم تحدّ من المعاناة.
المياه وسلاح السدود
أطفال ونساء وشيوخ وطبيعة عطاش، وآبارٌ استنزفت المياه الجوفيّة وتكاد تنهار تحت وطأة الاستهلاك الجائر والجفاف الخانق؛ هكذا حولت دولة الاحتلال التركيّ المشهد اليومي في سوريا والعراق بعد أن عمدت جاهدةً لإخضاع دول الجوار لسياساتها وأهدافها التوسعيّة من خلال التحكم بتدفق المياه لتحقيق مكاسب سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة.
لم تكن قصة التعطيش وليدة لحظة بل نتاج سنوات من بناء السدود وحسابات الجغرافيا والسلطة التي حولتها دولة الاحتلال لورقة مساومة وضغط لا كمورد مشترك كما تنص عليه الشرعية الدولية والأخلاق الإنسانية، حيث أطلت مشروع جنوب شرق الأناضول والذي يُعرف باسم مشروع غابGAP، والذي لم يكن مجرد خطة تنمويّة، بل تحول إلى شبكة قبضت على شرايين النهرين، دجلة والفرات، وتحكمت بنبض الحياة الذي يصل إلى سوريا والعراق.
وبهذا السياق؛ يبيّن الحقوقيّ والباحث في القانون الدوليّ الدكتور خالد جبر خلال تصريحاتٍ خاصة لصحيفتنا “روناهي” بأنّ “دولة الاحتلال التركيّ تنتهج سياسة مجحفة منذ سنوات وذلك من خلال حجز مياه نهري دجلة والفرات ما يمثّل خرقاً واضحاً للاتفاقيات الدوليّة، وعلى وجه الخصوص اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائيّة الدوليّة في الأغراض غير الملاحيّة، إلى جانب الاتفاقيات الثنائيّة بين تركيا وسوريا لعام 1987 المتعلقة بحصص دول المصب من مياه النهرين”.
دولة الاحتلال التركيّ تبرر لنفسها ما تفعله بأنَّ المياه تنبع من أراضيها لكنها تنسى أنّها تجري منذ آلاف السنين نحو حضارات تشكّلت حولها، وتستند إلى اتفاقات وأعراف إنسانيّة قبل أن تكون سياسيّة ليكون عام 1990 أولى الخطوات الرامية لتطبيق أجندات دولة الاحتلال في استخدام المياه كسلاحٍ ضد دول المصب لنهري دجلة والفرات حينها أنهت أنقرة بناء سد أتاتورك على نهر الفرات، وليكون أولى حلقات مسلسل بناء السدود.
لتبدأ بعدها التخطيط لبناء مشروع ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائيّة على نهر دجلة ويهدف إلى توليد 1200 ميغاوات من الكهرباء لجنوب شرق تركيا – في السنوات الأخيرة، حيث شرعت ببناء سد إيليسو في عام 2006 الذي بدأ يعمل بكامل طاقته أواخر عام 2020.
ليصبح السدان جزءاً أساسيّاً من مشروع جنوب شرق الأناضول في تركيا، وهو خطة ضخمة على مدى عدة عقود لتوفير المياه اللازمة للري وتوليد الكهرباء داخل تركيا، وينقسم مشروع غاب إلى 13 مشروعاً كبيراً: ستة منها في حوض دجلة وسبعة في حوض الفرات. علاوة على خطة ممنهجة تهدف لبناء 22 سداً اكتمل منها حتى الآن 17 سداً و19 محطة لتوليد الطاقة على نهري دجلة والفرات.
ارتداداتٌ مباشرة وغير مباشرة
ففي صيف 2021 وصل منسوب نهري دجلة والفرات الى أدنى مستوى لهما ليتحول مجرى الفرات في بعض المواقع على خط جريانه في سوريا إلى مستنقع ساكن مياهه آسنة غير قابلة للاستخدام البشريّ فضلاً عن جفاف مسطحاتٍ مائيّة وبحيراتٍ طبيعيّة وصناعيّة في سوريا كانت تلبي احتياجات السكان من الثروة السمكيّة أو توليد الطاقة وغيرها.
وتفاقمت معاناة المزارعين في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في الرقة ودير الزور، نتيجة الانخفاض الحاد في منسوب مياه نهر الفرات، وسط استمرار تركيا في خفض كميات المياه المتدفقة إلى الأراضي السوريّة، في انتهاك للاتفاقيات الدوليّة المتعلقة بتقاسم الموارد المائيّة.
ويواجه القطاع الزراعيّ تحديات تهدد استمراريته، حيث تقلصت مساحات الأراضي المزروعة بسبب نقص المياه، وأصبحت المحاصيل الصيفيّة مثل القطن والذرة والخضروات في مهب الريح. وتعتمد عشرات آلاف العائلات في المنطقة على الزراعة كمصدر أساسيّ للعيش، ما يجعل أزمة المياه خطراً مباشراً على الأمن الغذائيّ المحليّ.
بالإضافة إلى الأضرار الزراعيّة، انعكس انخفاض منسوب النهر على محطات توليد الكهرباء الكهرومائيّة في المنطقة، التي باتت تعمل بطاقة محدودة أو توقفت جزئياً، ما أدّى إلى تراجع ساعات التغذية الكهربائيّة عن المدن والبلدات، وعرّض الخدمات العامة مثل مياه الشرب والمشافي والتعليم لمزيد من التدهور.
الدكتور خالد جبر أضاف خلال تصريحاته أنّ “ممارسات الاحتلال التركيّ تتسبب بكوارث طبيعيّة جمة أبرزها جفاف بحيرات ومستنقعات طبيعيّة، وأبرزها بحيرة الأسد في سوريا، ما أدّى إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك وتراجع الحياة المائيّة إلى جانب تدهور الغطاء النباتيّ بسبب التصحر الناتج عن انحسار النهر، ما ساهم في زيادة درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة يفاقمها التلوث المتزايد في مجرى النهر، نتيجة توقف جريان الماء الطبيعيّ وتراكم النفايات والمياه الآسنة، ما أدى إلى تحويل بعض المناطق إلى بؤر بيئيّة ملوثة وغير صالحة للسكن أو الزراعة”.
وفي العراق لا يختلف المشهد عما هو عليه في سوريا من مأساوية خصوصاً البصرة التي لم تعد المياه فيها صالحة للشرب والمدنيون أصيبوا بالأمراض بعد أن أصبح النهران اشبه بساقيتين متواضعتين واستفحل التصحر الذي بات ينهش الأراضي الزراعيّة رويداً رويدا ما سبب انعكاسات خطيرة من تهجّير للسكان نحو المدن المكتظة ما حول الأرياف الى صحاري تأخذ في الاتساع والتمدد.
ونتيجة لذلك بات العراق لتوقيع اتفاقية الإطاريّة مع دولة الاحتلال التركيّ التي تتضمن قيام الجانب التركيّ بتنفيذ مشاريع البنى التحتيّة في قطاع الري وضمان استمرار الإطلاقات المائيّة من الأراضي التركيّة وهذا ما لم تلتزم به دولة الاحتلال التركيّ بعد، وليبقى العراق يئن تحت وطأة العطش يتسول قطراتِ الماء مقابل النفط والمشاريع والسيادة.
وبينما لجأت دول مثل تركيا إلى أنشطة بناء السدود على نطاق واسع لتأمين المياه للزراعة والطاقة الكهرومائيّة، تحملت البلدان المجاورة تبعات هذا النقص، وأدّى بناء السدود إلى تفاقم التحديات الحالية التي يفرضها تغيّر المناخ فخلال صيف 2018، تسبب مزيج من تضاؤل موارد المياه والتلوث في وفيات جماعيّة بين تجمعات الأسماك في نهر الفرات.
معضلة دون حل
وتستمر هذه المعضلة في وقتٍ يصمت فيه المجتمع الدوليّ عن مثل هذه الانتهاكات الجسيمة رغم كلّ الجهود المبذولة للضغط على النظام في أنقرة لم يكن لها تأثير يذكر، بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إيليسو قليلاً، وهو الأمر الذي أدى فعلياً إلى تأخير المشكلة بدلاً من معالجتها.
فالحكومة العراقيّة لم تستخدم أدواتها في الضغط على النظام في تركيا بحسب مراقبين، رغم كلّ الضغوط التي لا تعد ولا تحصى على السلطات العراقيّة بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائيّ عن مناطق كبيرة والجفاف والتصحر إلا أنّه كان بإمكانها تدويل الملف والتلويح بالورقة الاقتصاديّة تجاه تركيا عوضاً عن التوسل للحصول على الحصة المائيّة.
فتدويل القضية هو ما يُطالب به العراقيون والسوريون على السواء من حكوماتهم إلا أنّ النظام السوريّ السابق لم يكن يهتم أصلاً بهذا الملف والحكومة العراقيّة لم تتخذ الإجراءات الفعليّة في الضغط على دولة الاحتلال لاحترام الاتفاقيات الدوليّة، وضمان تدفق عادل ومستدام للمياه، في ظل كارثة بيئيّة وإنسانيّة تهدد حياة ملايين السوريين على ضفاف الفرات.
وقعت دولة الاحتلال التركيّ في 17 تموز 1987 اتفاقاً نصَّ على التعهد بتوفير معدل يزيد عن 500 م3/ثا عند الحدود التركيّة السوريّة، إلى حين التوصل لاتفاق التوزيع النهائيّ لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاثة الواقعة على ضفتيه، وهذه الكمية هي ذاتها التي يحاول العراق اليوم الحصول عليها مقابل تنازلات اقتصاديّة وسياسيّة وعسكريّة يقدمها للنظام في تركيا، إلا أنّ دولة الاحتلال ضربت عرض الحائط كل تلك العهود والاتفاقيات التي تهدد أمن وسلامة دولة المصب وتقطع سبل الحياة فيها وتنذر بكارثة كبيرة تلوح بالأفق.
يبلغ حجم التبادل التجاريّ الحالي بين العراق وتركيا نحو 18 مليار دولار سنويًا، بحسب تقديرات غير رسمية، فيما لا تتجاوز صادرات العراق إلى أنقرة 2 ــ 3 مليارات دولار سنويًا، وتعدّ المواد الغذائيّة والملابس والأدوية والمعدات الكهربائيّة أبرز السلع التي تغرق بها تركيا السوق العراقيّة. ويمثل ذلك قفزة هائلة مقارنة بحوالي 100 مليون دولار فقط عام 1995، إلا أنّ العراق لم يستخدم هذه ورقة التبادل التجاريّ ولم يستثمرها في وجه الاحتلال التركيّ. وفشلت الحكومة العراقيّة في بناء قاعدة إنتاجيّة تحصّن السوق المحليّة، زراعيًا وصناعيًا؛ ما جعل البلد رهينة الاستيراد من الجوار عاجزاً عن المطالبة بحقوقه المائيّة.
وكشف رئيس غرفة تجارة أنقرة مؤخراً عن وجود “هدف مشترك” بين العراق وتركيا لبلوغ حجم تبادل تجاري يتجاوز 30 مليار دولار، على أن تشكّل الصادرات التركية أكثر من 90% من هذا الرقم. وبحسب مؤسسة “عراق المستقبل” الاقتصادية، فالتحول الجديد في العلاقة التجاريّة بين بغداد وأنقرة يعيد صياغة المعادلة القديمة التي عُرفت بـ(النفط مقابل الماء) إلى صيغة أخطر، وهي (الاستيراد مقابل الماء)”.
د. خالد جبر؛ يبين أنّ “تركيا تخالف عدة مبادئ قانونيّة دوليّة من خلال حبسها لمياه نهري دجلة والفرات، أبرزها مبدأ الاستخدام العادل والمعقول للمياه الدوليّة المشتركة، وتعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 إطاراً قانونياً مهماً لتطبيق مبدأ الاستخدام العادل والمعقول للمياه الدولية المشتركة وتشير الاتفاقية إلى ضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المتشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة (المادة 6 من الاتفاقية)”.
ومبدأ عدم التسبب بضرر ذي شأن لدول المصب كما أنّ ممارساتها تعد انتهاك للعهد الدوليّ الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة (المواد 11 و12) والإضرار المتعمد بالبيئة وحق الشعوب في بيئة نظيفة وصالحة للحياة، كما نصّ عليه “إعلان ستوكهولم 1972” الخاص بالبيئة البشريّة. وتناول قضايا النمو الاقتصاديّ وتلوث الهواء والماء والمحيطات والآبار ورفاه الناس في جميع أنحاء العالم. وتضمن استغلال الدول مواردها كما تشاء ولكن دون أن تعرض الآخرين للخطر.
وتؤكد التقارير الأمميّة أنّ النهرين وللمرة الأولى في تاريخهما، أصبحا معرضين لخطر جسيم بسبب تناقص منسوب المياه وهو تراجع بلغت نسبته 40% خلال العقود الأربعة الماضية، وهو ما يفاقم شبح جفاف الفرات بحلول العام 2040 بسبب التغيير المناخيّ وسوء إدارة المياه، وصنّفت هذه التقارير العراق على أنّه خامس أكبر دولة تعرضاً للتأثر بالتغييرات المناخيّة في العالم لكن هذه التقارير والأرقام لم تحل المشكلة ولم تثنِ النظام في تركيا على تغيير سلوكه.
ورغم الإشارة الدوليّة إلا أنّ السياسة المتبعة على المستويين الوطنيّ الداخليّ والعابر للحدود في العراق، يعتبر في أساس مجموعة الأسباب التي قادت إلى الحالة الكارثيّة لنهري دجلة والفرات، حيث أنّ نحو 90% من تدفق نهر الفرات و 46% من تدفق نهر دجلة، ينشأ من تركيا، لكن السدود الـ22 التي شيّدتها تركيا أو تخطط لإنشاء المزيد منها كجزء من مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) المخطط له منذ ستينات القرن الماضي، هو السبب وراء ذلك لأنّ موقف تركيا “الإشكاليّ” بنظرتها القانونيّة الى النهرين هو من يقف عائقاً أمام حل المعضلة.
يبقى مصير سوريا والعراق وحصتيهما من مياه النهرين حبيس إرادة الاحتلال التركيّ مخلفاً أثراً كبيراً على الحياة في كلا بلدي المصب، فيما يشعر المدنيون بالرعب من أنّ مثل هذه السيناريوهات قد تزداد وتيرتها وحدتها مع تفاقم نقص المياه، وهي أزمة تهدد مستقبل الحياة في المنطقة الممتدة على طول المجرى للنهرين.