No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ في أحد الأزقة الهادئة لحي المسحر بمدينة الطبقة، لا لافتة ولا إعلان ولا إضاءة توحي بوجود مركز علاجي، لكن من يدخل إلى منزل عائلة “رشو” سرعان ما يكتشف أنه أمام عيادة تقليدية، لا تشبه المشافي الحديثة، لكنها تحتفظ بحرارة اليد وثقة الناس.
يجلس “بكر عبدو رشو”، ذوالـ52 عامًا، على كرسي خشبي بجانب مدخنة صغيرة ينبعث منها بخار عطري، يفتح دفتر المواعيد، يتصفح صور الأشعة، ثم يهمس لمريض جديد: “لا تقلق… الأمر بسيط”، فيرتخي وجه الرجل بعد ساعات من التوتر، ويبدأ رحلته مع العلاج البديل.
مهنة متوارثة
منذ أكثر من مئة عام، ورثت عائلة “رشو” مهنة التداوي بالأعشاب من أجدادهم في ريف عفرين، وواصلوا العمل بها في منفاهم القسري بالطبقة بعد النزوح، المهنة لم تنقطع، والبيت لم يُغلق يومًا أمام المحتاجين للعلاج. حيث تحدث “بكر عبدو رشو” خلال لقاءٍ مع صحيفتنا “روناهي”، بصوت متماسك يليق بثقة المعالجين التقليديين: “عملت مع والدي ثلاثين سنة، واليوم أُعلم أحد أبنائي ليكمل المسيرة، هذه المهنة ليست وظيفة، بل رسالة”.
وأضاف: “نحن لا نبيع وهمًا ولا نقدم أحلامًا بعيدة عن الواقع، بل نعمل بإخلاص على ملامسة الجرح الحقيقي، والتخفيف من ألمٍ يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، بقدر ما تسمح لنا الإمكانات والظروف”.
العلاج بخبرة بعيداً عن الجامعات
ويعتمد العلاج الذي تقدمه العائلة على تشخيص أولي من خلال الصور الشعاعية، ثم يتم استخدام خلطات طبيعية من الأعشاب والتمور توضع على مواضع الألم، يليها جلسة بخار موجه ومساج يدوي تقليدي. فالأمراض التي تُعالج تتراوح بين فتق النواة اللبية، والديسك، والمناقير العظمية، وانقراص الفقرات، ويتلقى المرضى تعليمات صارمة بعد العلاج حول الجلوس والنوم والحركة لتجنب أي انتكاسات.
الأعشاب سرُّ الشفاء
وشرح “رشو” بعض مكونات الخلطات: “نزرع في حديقة المنزل كل ما نحتاجه تقريبًا: إكليل الجبل، والشيح، والغار، والسدر، والكينا، والتمر. الأعشاب تُجفف وتُخلط بنسب دقيقة، بعضها يهدئ الالتهاب، وبعضها يحفّز الدورة الدموية، وبعضها يُستخدم موضعيًا فقط”.
وتابع: “المريض لا يأخذ شيئًا عن طريق الفم، كل ما نقدمه خارجي، لأننا نرفض العبث بأعضاء الجسم الداخلية دون علم كافٍ”.
“ثقة لا تحتاج إعلان”
ويتوافد المرضى من “دير الزور، الرقة، حماة، حلب، وحتى دمشق” ما يدفعهم؟ ليس إعلانًا، بل كلمات قالها أحد المتعافين، أكثر من 50% من المرضى الذين يطرقون باب منزل “رشو” سبق أن خضعوا لعلاجات طبية تقليدية دون فائدة تُذكر.
“ثقة الناس أغلى من الترخيص الرسمي”، قالها رشو، قبل أن يستذكر واحدة من أبرز محطات حياته: “عام 1998 عالج والدي خبيرًا روسيًا كان يعمل في سد الفرات. بعدها، عالجنا القنصل الروسي في حلب. كانت لحظة فارقة، أثبتت لنا أننا على الطريق الصحيح”.
بين التراث والطب الحديث
ورغم ذلك، لا يتحدث “رشو” بلغة منافسة مع الطب الحديث: “الطب العلمي هو الأساس، نحن فقط نقدم بديلاً طبيعيًا لمن لا يستطيعون تحمل الجراحة أو من فشلت معهم الوسائل التقليدية، لا نبدأ أي علاج دون تقارير طبية، وإذا شعرنا أن الحالة خارجة عن طاقتنا، نحيلها فورًا إلى المشفى”.
ولفت: “هذا المجال مفتوح لدخلاء كثيرين، وبعضهم يضر الناس، ونحن نحاول أن نثبت أن من يملك الضمير والمعرفة يمكنه أن يعالج دون أن يجرح جسدًا أو يُرهق مالًا”.
بيت صغير… واسم كبير في الطبقة
وفي منزل متواضع، ومن دون أي دعم رسمي أو ترخيص حكومي، حافظت عائلة “رشو” على اسمها كواحدة من أقدم العائلات العاملة في مجال الطب البديل بالمنطقة. قرن كامل من الممارسة، تراكمت خلاله الخبرة وتناقلتها الألسن من قرية إلى مدينة، ومن جيل إلى آخر.
من الجد إلى الحفيد، تُثبت هذه العائلة أن التراث حين يقترن بالممارسة الدقيقة والنية الصادقة، يمكن أن يصبح مؤسسة شعبية حقيقية. وربما، حيث اختتم “بكر عبدو رشو” ضاحكًا: “لا نملك مبنى ولا يافطة… لكننا نملك ما هو أثمن: وجع يُشفى، ودعاء يُقال”.
بين الماضي والمستقبل
وما تزال يد “بكر عبدو رشو” تدلّك الأجساد الموجوعة، وتضع على الألم خليطًا من الأعشاب، لا كود ولا روبوت، فقط خِبرة وحسّ ومعرفة موروثة، وربما سيأتي اليوم الذي يُدرَّس فيه هذا النوع من الطب في المعاهد كجزء من الهوية الصحية لشعوب الشرق الأوسط.
No Result
View All Result