سوزدار وقاص (إعلامية)
وطننا.. كلمة تبعث في أعماقنا سيّر البطولات والتضحيات، كلمة تبعث في عمقها الحب، العشق هذا قدم في سبيله آلاف الأرواح، ودافعوا عنه بكل بسالة والنضال والمقاومة اليوم بنيا عنواناً في نفس كل فرد.
البيئة والجغرافية التي نعيشها اليوم وقبل 13 عاماً بالتحديد؛ كان لا بد لنا من المقاومة بشكل أو بآخر، أي التكيف مع الحرب ومواجهة شتى ظروفها، وبهذه المقاومة كافح الشعب وأوصل أسماء أبنائه وصمودهم إلى جميع بقاع العالم، وكل منهم اختار طريق المقاومة حسبما طلب وأراد، منهم اختاروا الكفاح ضد العدو بالسلاح، ومنهم بسياستهم وأفكارهم، ومنهم بأداء أغنية وطنية وقومية تحكي قصة النضال والصمود.
ومنهم من اختار تسمية مولودهم بأسماء المدن أو بأسماء الشهداء والمناضلين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الدفاع عن الأرض والكرامة، تخليداً لذكراهم وتمجيداً لبطولاتهم وثناءً لكفاحهم، وذلك يدل على حبهم لأبنائهم المقاتلين والمقاتلات وحب مدنهم.
فأسماء الشهداء باتت أسطورة يتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل وتوثقها كافة الروايات لوصف الشهداء ومكانتهم العظيمة، ولمواصلة مسيرتهم التي رسموها في سبيل العيش بكرامة وحرية، ولتخلد الذاكرة أسماءهم بحروف من نور.
“كاركر، بارين، آرين، زيلان، شيلان، بريتان، أفيستا، روكسان، سوسن، هفرين، جيان، بيريفان، سلافا، عكيد، روجهات، سِنان، شيروان، رزكار، أوجلان، مظلوم والآلاف من الأسماء الأخرى”، لم تكن مجرد أسماء لا معنى لها ورحلت عن الحياة، بل تركت وراءها بصمة في التاريخ لن تنسى، وخلّد كل واحد منهم تحت اسمه طموحاته وبطولاته ومقاومته وحبه في الدفاع عن أرضه وأهله.
أسماء اشتقّت من رحم المقاومة كان يحملها الأبطال لتسمى بها اليوم أجيال جديدة ستكون شاهدة على مقاومة روج أفا وكردستان وغيرهم المئات من المناضلات والمناضلين الذين شيدّوا عهداً جديداً وقدموا ملاحم بطولية زاخرة بالفداء والمقاومة وبتضحيات جسيمة ضد جميع أشكال الهجمات التي شنها المحتلون على مختلف المناطق.
الأطفال يولدون بهذه الأسماء ويحملون أسماء شهدائهم حتى قبل معرفتهم بهم، يولدون بأسماء المقاومين التي تحمل في طياتها معاني أو دلالات تميزهم أو تجعلهم مرتبطين بالشجاعة والقوة، حتى يمكن القول: لأنهم يولدون مصنفين كأبطال أو يتميزون بصفات الأبطال كصاحب الاسم نفسه.
الأم والأب لا يطلقان الأسماء لمجرد مُنادات أطفالهم بها، وليست مجرد أسماء يمسحها الزمن وتبقى آثارها عالقة فقط على حافة الوثائق الرسمية والأسرية بعدما غادرها أصحابها، بل هي إحياء للشهيد لتخلد ذكراه في الأعماق، كما يُقال لكل امرئ من اسمه نصيب وهم أخذوا من أسماء الشهداء البطولة والفداء والتضحية والمقاومة.
هذه الأسماء ستروي يوماً ما قصة كل شهيد ونضاله ومقاومته في الدفاع عن أرضه، هذه الأسماء ستكون دليلاً على فداء كل مقاتل ومقاتلة اختاروا التضحية بأنفسهم، وجابهوا المحتل والعدو لحمايتهم ولينعم الجيل بعدهم بالحرية والكرامة على تراب الوطن.
إذاً من هنا يمكننا تفسير الغايةُ من ترديدنا الدائم للشعار “Şehîd Namrin” فنحن لا نختصر مجرد شعارات تنطقها ألستنا وشفاهنا، ولا ننطق مجرد شعارات رنانة على أسماعنا، مع كل تشيع شهيد إلى مسكنه الأخير بل هو النداء والرمز الحقيقي الذي نقتدي به اليوم وسنقتدي به مستقبلاً.
“الشهداء لا يموتون”، هم بالفعل لا يموتون، بل يخلقون من جديد، يخلقون بجسد صغير، بأعين وأيدي وأرجل صغيرة.
“الشهداء لا يموتون” بل يعيشون مجدداً بأسمائهم لكنها بملامح أخرى، أطفال يولدون يحملون أسماء مناضليهم الشهداء والمقاومين.
كاركر
“كاركر تولهدان” واحد من القادة الذين قدموا من جبال “أمانوس” إلى عفرين وانضمّوا بكلّ عزم وإصرار إلى حملات تحريرها من رجس العدو، قاد الكفاح خلال عشر سنوات سواء ضد مرتزقة “جبهة النصرة” أو “داعش” أو ضد جيش الاحتلال التركي وأبدى مقاومة ضارية وحمل على عاتقه إدارة الحرب وقيادتها، وأصبح واحداً من مؤسسي قوات تحرير عفرين HRE، ونتيجة لهجومٍ غادرٍ انضمَّ “كاركر تولهلدان” إلى قافلة الشهداء في العاشر من حزيران عام 2023.
في ذكرى استشهاده الثانية الذي صادف قبل أيام ولد طفلاً يحمل اسمه، ومن منطلق هذا الإيمان الذي يؤكد الله لنا يرحل واحداً ويخلق لنا باسمه العشرات أمثاله.
تيمناً بما أبداه الشهيد كاركر تولهلدان في مدينة عفرين وما قدمهُ في المدينة واحتل مكانةً مرموقة في قلوب جميع مقاتلي وأهالي عفرين بإصراره وشجاعته وبطولته أسمت العائلة العفرينية عائلة الأب إبراهيم من قرية “بعرافوا” التابعة لناحية شرا بمقاطعة عفرين المحتلة والأم كوله من قرية قردقلاق المُهجرة مرتين قسراً من مقاطعتي عفرين والشهباء اسم “كاركر” الذي ترك وراءه إرثاً عظيماً وقيماً من المقاومة لجميع الشعب روج آفا، على طفلهم الثالث.
إبراهيم والد المولود “كاركر” قال: “حب عفرين وشهدائها سيبقى ويولد في نفس أطفالها وكلهم آمال كما الجميع في العودة مرة أخرى إلى أرضهم وبيتهم”.
عفرين
لاسم “عفرين أو أفرين” مكانة كبيرة بين الأسر العفرينية نسبة لمدينة عفرين الزيتونية المحتلة اليوم، امتناناً لمدينتهم خصوصاً إبان سريان أحداث مقاومة العصر ليثبتوا بأن عفرين كانت أقوى من جميع الأسلحة وقاوموا لـ 58 يوماً ويروون بها للجيل القادم، ويزرعون في عقولهم معنى الحب الحقيقي لحب الأرض والتضحية من أجلهم.
هذه الأحاسيس ليست مجرد مشاعر فضفاضة تنبع من الداخل لثوانٍ وتُنسى بل هي إيمان ومعتقد بالعودة القريبة إلى عفرين، وهي كتلة من الحنين الذي يطفئ نار الشوق والحسرة المنتشرة بداخلهم لرؤية مدينتهم أرض الآباء والأجداد التي طال الغياب عنها رغماً عنهم وأيضاً هي قوة يستلهمونها من اسمها.
إذاً، هذا ما أود قوله، يرحل عنا واحد، ويخلقون العشرات بعده بأسماء الشهداء، وحتماً سيكبرون وهم آخذون نبذة من كفاحهم وبطولاتهم التي تليق بهم، فالشعب الذي يختار المقاومة في كل مرة حتماً نهايته ستكلل بالنصر.




