الحسكة/ محمد حمود ـ تحت خيام بالية تشكو مرارة التشرد وخلف جدران مراكز إيواء صامتة، يقضي مهجرون من “سري كانيه وعفرين” عيد الفطر بعيداً عن ديارهم المغتصبة، بين ذكريات الماضي المؤلمة وواقع الحاضر القاسي، يحاولون صنع فرحة من بين ركام المعاناة، ويرصد هذا التقرير قصصهم بألمٍ وحنين، ويكشف عن جراحٍ لا تلتئم.
فيما كانت مدن إقليم شمال وشرق سوريا تلبس حُلَل الفرح، وتتزين شوارعها بأضواء العيد الساطعة، وتغص أسواقها بزحام المشترين الذين يتسابقون لجلب أفضل الحلوى والهدايا، كان مشهد مخيم “واشو كاني” للاجئين قرب الحسكة يشبه جرحاً نازفاً في جسد الإنسانية.
هنا، حيث الخيام البالية التي أنهكها الزمن وأذابتها شمس القيظ، تحاول العائلات المهجرة أن تسرق من القدر لحظات فرح هزيلة، في ظروف تقشعر لها الأبدان.
هذا التقرير ليس مجرد كلمات على ورق، بل هو صرخة ألم تخرج من أعماق النازحين، دموع متحجرة على خدود محروقة، وقصص معاناة كتبتها أيادي التهجير القسري بحروف من نار، إنه شهادة حية على جراح لم تندمل رغم مرور السنوات، وآلام تتجدد مع كل عيد يمر بهم بعيداً عن الديار.
ذكريات العيد الضائعة.. عندما كان الفرح اسماً من أسماء الوطن
ويجلس المهجر “صادق تمو“، متربعاً أمام خيمته المهترئة، بين يديه ألبوم صور بالٍ، كأنه قطعة من قلبه الممزق، تتوقف أصابعه المرتعشة عند صورة بيته ذي الطابقين في سري كانيه، فيغوص في بحر من الذكريات المؤلمة.
وقال بصوت مكسور: “كنت أقضي العام كله أدخر قرشاً قرشاً لأبني هذا البيت حجراً حجراً، وأجعل منه ملاذاً آمناً لعائلتي، في العيد، كنا نخرج كالفراشات إلى سوق المدينة، نشتري أجمل الملابس وألذ الحلويات، تملأ البيت ضحكات الأطفال وعبق الحلوى، اليوم صار بيتي وكراً للغرباء، مسخوه إلى ثكنة عسكرية، دنّسوا ذكرياتي ببصماتهم الدامية.”
وبعينين فاضتا بالدموع، حدثنا عن واقعه المرير: “أفواه جائعة، أرواح تتدفّق حياةً في عروقي، أعجز عن إشباعها، المساعدات؟ مجرد فتات يذروه العالم علينا كالصدقة! الأقسى أنني كنت أخرج زكاة فطري بكل فخر، واليوم… اليوم أمد يدي كالسائل لأتلقاها، أي كرامة هذه؟ أي إنسانية تلك؟”.
أما المهجر “صبحي عباس“، الأربعيني، الذي كان يملأ بيته في سري كانيه عبق الأطباق التقليدية في العيد، فقد تحولت حياته إلى كابوس لا ينتهي. حيث قال وهو يعبث بالأرض: “كنا نعد موائد العيد كالولائم، الكبة
والمحاشي والملوخية، أطباق تفيض حباً وكرماً، أما اليوم نجوع لنطعم أطفالنا حفنة من الأرز الأصفر الذي لا يشبع حتى العصافير!”.
ونظر إلى ابنته الصغيرة بعينين حزينتين: “تسألني كل عام: بابا لماذا لا نزين البيت؟ لماذا لا نلعب كما كنا نفعل؟ ماذا أقول لها؟ كيف أشرح لها أن الطغاة سرقوا حتى أحلامها الطفولية؟”.
وبصوت يختنق بالبكاء، يهمس: “أي مستقبل ينتظر أبنائي؟”.
نساء في مواجهة النسيان.. جراح لا تُضمّد
وفي زاوية منعزلة من مركز الإيواء بأطراف المدينة، تجلس “هاجر المحو” كأنها شجرة يابسة، اقتُلعت من جذورها، بعينين تحكيان قصة ألم لا
يُحتمل: “كنت أعد موائد الحلويات كالتحف الفنية، البقلاوة والكنافة بالقشطة، أملأ البيت برائحة السكر والهيل، واليوم… اليوم أنظر إلى أطفالي الجائعين وأنا عاجزة عن توفير بسكوتة واحدة لهم”.
يداها كانتا ترتجفان وهي تمسك بصورة أبنائها الذين فقدتهم في عفرين: “سرقوا مني أولادي، ثم أرادوا أن يسرقوا حتى ذاكرتي! لكني أقسمت أن أبقى صامدة، سأربي من بقي من أطفالي على حب هذه الأرض، حتى لو عشنا هنا مائة عام.”
خرجت من جيبها مفاتيح بيتها في عفرين، لتقبّلها بحنان الأم التي تحتضن رضيعها: “هذه المفاتيح هي وطني، هي كرامتي، هي أمل عودتي، أعلم أن بيتي قد دُنس، لكن حجارته ما زالت تناديني”.
خاتمة.. صرخة في وجه العالم الصامت
ومع غروب شمس آخر أيام العيد، يعلو صوت “صادق تمو” محمّلاً بكل آلام المظلومين: “أين حقوق الإنسان التي يتغنون بها؟ أين الضمير العالمي؟ أم أننا لسنا بشراً مثلهم؟” سؤالٌ يعلق في هواء المخيم كرائحة الموت، بينما الأطفال ينامون على أصوات بطونهم الخاوية.
فهذه ليست مجرد كلمات، بل هي دمعة كل أم ثكلى، وزفرة كل أب أعزل، وصرخة كل طفل حُرِم طفولته، إنها شهادة للتاريخ على زمنٍ خان فيه العالم إنسانيته.