حنان عثمان
وسط صرخات الألم والمآسي، التي حملها التاريخ الكردي في طياته، كانت “ساكينة آرات” صوتاً لا ينكسر في وجه الظلم، وأماً لم تكلّ يوماً من الأيام عن المطالبة بالسلام. فلعقود طويلةٍ كرّست حياتها للنضال من أجل العدالة، تحمل في قلبها جراحاً لا تُدمل. لكنها، رغم ذلك، لم تطلب سوى السلام.
“رغم كل هذا الألم، نحن الأمهات لا نريد سوى السلام”؛ بهذه الكلمات لخصت ساكينة رحلتها، التي امتدت لعقود من النضال. إذ كانت تؤمن أن القتال والدماء لا يجب أن يكونا مصير أبناء الأرض الواحدة. كانت كلماتها تنبع من قلب أمّ احترق مراراً عند تلقيها أخبار استشهاد فدائي أو جندي، فلم ترَ فيهم إلا أبناء هذا الوطن، إخوةً فرضت عليهم الأقدار أن يقفوا على طرفي السلاح. كانت تسأل دائماً: لماذا يُحرَمون من العيش المشترك؟ لماذا تستمر المعاناة، بينما يمكن للحب والعدالة أن يسودا؟
لكن الألم الذي حملته الأم ساكينة لم يكن فقط ألم الحرب، بل كان ألم السجون والقمع أيضاً. ففي إحدى اجتماعاتها الأخيرة، قبل رحيلها في 12 آذار 2025، صرخت بصوت مختنق: “لن أسامح مَن أوصلونا إلى هذه الحالة”. كان ذلك الصوتُ صدىً لمعاناةٍ امتدت لعقود، منذ أن كانت في الثلاثين من عمرها وحتى بلوغها السادسة والسبعين، وهي ترى الظلم يتكرر، والاضطهاد يزداد. لم يكن ألمها متعلقاً بها كأم، بل كان يمثل وجعَ أمة بأسرها.
لم تستسلم ساكينة، بل وقفت في وجه السلطة، مطالِبةً بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وبوقف التعذيب في السجون. سعت مراراً للقاء رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان. لكن؛ أبواب السلطة كانت موصَدة في وجهها. وعندما لم تجد مَن يصغي، رفعت صوتها عالياً، لتُحاكَم بالسجن ثلاثة أشهر، لا لشيءٍ سوى لمجرد أنها طالبت بالعفو للمعتقلين وبالسلام للبلاد. كانت تدرك أن الوعود التي قُدِّمَت لها لم تكن سوى سراب. مع ذلك، لم تفقد الأمل ولو لثانية في خوض النضال المستمر لتتويجه بالنصر.
في سنواتها الأخيرة، ومع تصاعد القمع والاعتقالات، كانت الأم ساكينة تقول: “إذا كان الموت سيُنهي هذه المعاناة، فنحن الأمهات مستعدات للموت”. لم تكن كلماتها دعوةً للموت، بل كانت صرخةَ حياة، بل نداءً أخيراً إلى العالم بأن هناك شعباً يُقتَل ببطء، وأن هناك أمّهات تحترق أفئدتهنّ بصمت، وأن هناك سجناء يُترَكون للموت جوعاً خلف القضبان وبصمت.
رحلت ساكينة آرات، لكن صوتها لم يَمُت. بل بقي صداه يتردد في شخصِ كل أمٍّ كرديةٍ فقدت ابنها أو ابنتها أو عزيزاً عليها، وفي كل معتقل ينتظر الحرية بعزم صارم وبإرادة لا تلين، وفي كل قلبٍ يؤمن أن السلام ليس خياراً مستحيلاً، بل هو حقٌّ يجب أن يُنتزع. رحلَت ساكينة قبل أن تحقق هدفها في إطلاق سراح المعتقلين واستتباب الأمان، لكنّ قلبها ظل ينبض بأمل الرسالة الموجَّهة مؤخراً من القائد عبد الله أوجلان لأجل السلام وبناء المجتمع الديمقراطي… رحلَت وهي واثقةٌ بأن هذه الرسالة ستجد صداها، شاءَ مَن شاء، وأبى مَن أبى؛ وبأن هذه المبادرة المبارَكة سوف تخطّ مسارها لتتحقق على أرض الواقع، عاجلاً كان أم آجلاً.