قامشلو/دعاء يوسف – إعداد خبز التنور مهنة توارثها “محمد علي” من أجداه في دير الزور لينقلها معه إلى قامشلو، حيث يعمل في هذه المهنة منذ 13 عاماً داخل فرنه الذي أصبح مقصداً لأهالي المنطقة، لجودة عجينته وخبزه، فلم يتخلَ عن هذه المهنة بالرغم من كبر سنه ليورثه لأحفاده.
فخبز التنور، هو خبز شهير، ممزوج بلمسات الأمهات في سوريا، فيجهز لتتلقفه أفواه بطلعة كل فجر، ففي السابق كنا نجد في العديد من قرى سوريا التنور الطيني، الذي تفوح منه رائحة تدغدغ الأنوف، فلا تخلُ قرية من التنور الطيني بأشكالها المختلفة.
ومع مرور الأيام قل ذلك، حيث لم توقد النار أسفل التنور، ولم تنتشر عبق تلك الرائحة الزكية، فقد حلت أفران الخبز محلها، ولكنها بقيت في الذاكرة، فقد افتتحت العديد من المحلات والأفران التي تخبز على التنور، سواء كان التنور طينياً أو غيره الذي يعمل على الغاز، حيث انتشرت هذه الأفران في أسواق دير الزور بسبب كثرة الطعام الشعبي الذي يحتاج إلى خبز التنور كالبامية الديرية والثريد وغيرها.
وقد اشتهر فرن افتتح في التسعينات، وسط سوق دير الزور بإدارة رجل ديري أحب إعداد خبز التنور فتعلمه من والدته فأصبح مصدر رزقه، ومع الأيام ورث أولاده هذا الكار، فتناقلوه، إلا أن ظروف الحرب التي مرت بها سوريا حالت دون بقائهم في دير الزور، فقد هجروا المدن والقرى بسبب الحرب إلى قامشلو عام 2013، حاملين على أكتافهم مهنتهم، فافتتح قسم منهم فرناً جديداً في سوق المدينة الجديدة، حيث عمل الخمسيني “محمد علي” مع شقيقه في إعداد خبز التنور وبيعه للمارة، والذي وصف تنوره خلال لقاء مع صحيفتنا روناهي: “إن تنوري ليس كالتنور القديم الذي تشم منه رائحة الحطب المشتعل، ولكنه يفي بالغرض شيئاً ما، فلخبز التنور حب خاص في قلب كل من ذاقه”.
وبين علي، أن أغلبية رواد فرنه هم ممن سكنوا القرى واستيقظوا كل صباح على رائحة الخبز: “يعيد رغيف الخبز الذي نعده، الكثير من الأجداد والأحفاد إلى قدم المنطقة وتراثها”.
ويفتتح علي فرنه منذ ساعات الصباح الباكر، بعد أن يرتاح العجين الذي يعده بحرفية في مساء اليوم الذي يسبقه، ثم يبدأ بتقطيعه، ويساعده أولاد أخوته في رق العجين ووضعه في الفرن، وبعد أن يبرد الخبز، يجلس علي أمامها ليبيعها للمارة بما يتيسر لرزقه وقوت لعائلته.
وتابع علي حديثه: “في السابق كانت أناملي تشارك في كل خطوة من العجن إلى الخبز والبيع، أما اليوم لم يعد بمقدوري العمل كالسابق، لذلك أشرف على العمل فقط واستلم قسم البيع”.
وعلى الرغم من مرضه وكبر سنه، لا يزال “محمد علي” محافظاً على تواجده داخل الفرن، ويعلم الكار لأولاده ولكل من يرغب بالعمل في هذا المجال، أما عن المبيعات فيرى أنها مقبولة، حيث قال في ختام حديثه: “لم يعد بمقدور الكثيرين شراء خبز الصاج أو التنور، حيث أصبح سعر الرغيف الواحد منه ألفي ليرة سورية، فسعر الرغيفين من هذا الخبز يعادل سعر سبع أرغفة من الخبز العادي”، مضيفاً، “الأوضاع المادية للشعب لم يعد يسمح له بشراء خبزنا، فيما لا زال عملنا مستمراً”.





