عبد الرحمن محمد
مناضل من الرعيل الأول، مقاتل سلاحه الفن الهادف والكلمة الحق، عرف معنى النضال وقدسية الثورة، ورأى في الكلمة الصادقة سلاحا لا تنفذ ذخيرته، وفي حب الناس رأس مال لا يشح ولا ينقص، فأمضى سنوات عمره في سبيل إعلاء شأن الفن الهادف والكلمة الصادقة، والأهداف النبيلة.
جمعة خليل “بافي طيار” اسم سمعنا به في ساحات كثيرة، في البيوت والاحتفالات وفعاليات الحصاد الشعبية، وتردد مرارا وتكرارا في وقت كان الفن فيه مجرد لهو ومضيعة للوقت بنظر الكثيرين، لكن بافي طيار بأسلوبه الفريد الذي تجلى بالموازنة بين الجد والهزل، والنقد والتوجيه، والكوميدي والتراجيدي، والمضحك والمبكي، جعل الفن مدرسة والقيام به وفي المجالات كافة، وخاصة في مجال التمثيل، رسالة سامية تنير العقول وتوجه الأجيال نحو رفض واقع مرير والعمل على صنع غد جميل، وتزرع الآمال في نفوس أتعبتها ظروف شتى من القهر والاستبداد والإنكار والفقر.
“بافي طيار” كان القريب والمحبب إلى قلب كل من عمل وسلك طريق الفن، وكان صديق الغالبية منهم، والمقرب لأكثرهم، والناصح والمرشد للعديد من الفنانين ممن خالطهم وعمل معهم، ولعقود متتالية كانت أعماله الهادفة تضحك الكرد وترشدهم، وتضع الإصبع على الوجع كما يقال، فوقف في وجه العادات البالية وحاربها بأسلوب ممتع، ودعا دوما لتوحيد الصف الكردي والتسلح بالعلم والمعرفة، وكان شوكة دوما في حلق المتخلفين ومتحجري العقول.
كردياً كان الفنان القدير بافي طيار من الداعين دوما لنبذ الخلافات البينية الكردية، وداعيا إلى وحدة الصف والكلمة والهدف، ورافضا الذل والرضوخ لأعداء الكرد من الطورانيين والشوفونيين، وإلى جانب مواقفه النبيلة في سنوات الثورة عموما، كانت مواقفه مشرفة في مقاومة سد تشرين، إبان الاعتصامات والمقاومة الشعبية التي وقفت في وجه المحتل التركي ومرتزقته.
قبل يوم واحد من استشهاده وقف على السد وخاطب الجماهير بعدة جمل، كانت وستبقى محفورة في وجدان وضمير كل إنسان سمعها وأدرك معنى كلماته قال بالحرف: الوطنية بالفعل لا بالقول، بالتطبيق الحقيقي لما يراد ويتطلب منا، من يدافعون عن هذه المناطق هم أولادنا ونحن أحق بالوقوف معهم، ولا نخاف ولا خوف عليهم، لقد مزقنا أكفان الموت ولم يعد الموت يخيفنا”.
وفي اليوم الذي تلا كلماته تلك، كان هدفا لمسيرات تركية، رمت بقذائف حقدها على جماهير المعتصمين، واستشهد مع كوكبة من المواطنين.
كان خبر إصابته صادما، ودعت له سائر القلوب بالشفاء العاجل، لكن خبر الاستشهاد كان مفجعا وأكثر فتكا من الوجع ذاته. لم يبق قلب إلا وبكاه ولم تبق عين إلا وسكب دمعها مدرارا، ولا قلما إلا وكتب عنه ورثاه.
ولعل من أبلغ ما كتب عنه، ما كتبه الشاعر والفنان التشكيلي علي مراد: “بالدموع ودّعنا من كان يرتق الأحزان بابتسامة، برحيله خمدتْ ضحكةٌ كانت تشبه الأغنيات في أرضٍ سئمتْ صوت المدافع والطائرات، ترك وراءه نفوساً ممتنّة، رحل من كان ملاذاً للقلوب المتعبة، ومرآةً تعكس قدرة الإنسان على مقاومة الألم بالسخرية ودحر القسوة بالأمل، رحل صانع البهجة في أقسى الظّروف”.
وماذا عسانا أن نقول في حضرة مقامك، يا أيها الشهيد، أن تنعيك أمة بأكملها، أن تبكيك القلوب قبل العيون، أن تكون في الأمس مصدر قوة وفخر، أن تكون حتى قبيل ساعات جريحا ينبض قلبك بالحب والثورة، أن تكون الآن شهيدا حبيبا مناضلا وفنانا، أن تكون إنسانا…كل هذا يعني إنك عظيم ولن تموت، يموت أعداؤك.. وتُخلد أنت في قلوبنا..
وداعا يامن أضحكتنا كثيرا وأبكيتنا أكثر..