روناهي/ قامشلو ـ أُنشِئت الملاعب على هذا الكوكب كي تكون مكاناً للتنافس وحصد الألقاب والفوز بالمباريات، ويحضرها الآلاف ويُزيّنوها بأعلام فِرقهم ودولهم ويرفعون ويشجعون بالصيحات والهُتافات، بينما لدينا الأمر بات مختلفاً تماماً، لأنها أصبحت ملاذاً لاحتضان عشرات الآلاف من الأشخاص، وفي داخل كل منهم قصص تهجير جديدة مع مقاومة ممتدة منذ سنوات.
في العام 2018 بدأ التهجير القسري لأبناء عفرين مدينة الزيتون والسلام، بعد مقاومة 58 يوماً في وجه جيش الاحتلال ومرتزقته بأحداث أنواع الأسلحة والعتاد، وانتشر أبناء عفرين بعد رحلة تهجير شاقة إلى مختلف المدن بالبلاد، واستقر عدد كبير منهم في الشهباء بمنازل بتل رفعت ومناطق أخرى ومخيمات، كانت الحياة قاسية لأنهم كانوا يتعرضون للحصار باستمرار من قوات حكومة دمشق، حيث لا ماء ولا طحين ومحروقات، الشعب لم يستسلم ونظم نفسه حتى دخل الخيم، وكانت لهم أحلام بالعودة لمدينتهم عفرين مهد الأجداد، ولكن المساومات القذرة بين الدول الكبرى والإقليمية والاتفاقيات، جددت تعرض المهجرين قسراً للخطر وبالفعل حصل ذلك، فتم قطع الرؤوس وحصلت إعدامات، وهي حوادث تتكرر في عفرين الآن على يد مرتزقة ما يُسمى الجيش الوطني التابع للاحتلال التركي الذي كان ومازال يُغذي الإرهاب.
وهكذا هُجِّر من جديد أهالي عفرين ومعهم أبناء مناطق أخرى إلى ملاعب كرة قدم في مدينتي الرقة والطبقة وأماكن أخرى في المدن والبلدات.
ملاعب كانت تتجهز لكي تستضيف الدوري التصنيفي للشباب بإقليم شمال وشرق سوريا قبل أيام، ولكن هجوم المرتزقة على الشهباء ومناطق أخرى، جعل من هذه الملاعب اليوم مراكز إيواء مؤقتة للمهجرين من الشهباء، إن كانوا من أبناء عفرين من الكرد وآخرين من مختلف الأديان والقوميات.
الملاعب تحمل رسالة السلام في العالم، ولكن في سوريا تحمل رسائل الدم بسبب الصفقات والمساومات، وتكالب المرتزقة من كلِّ صوبٍ على البلاد، فتعنّت حكومة منذ سنوات، وبعض الأشخاص باعوا أنفسهم لتركيا، ونسوا المواطنة ويقومون فعلياً بتقسيم البلاد، ولم يتوقفوا عند ذلك فقط، بل يرتكبون باليوم في عفرين عشرات الانتهاكات، وفي هذه الأيام كبرت الانتهاكات بسبب بقاء الأمم المتحدة قلقةً ولا رصيد لها غير بعض الشعارات والتصريحات، وآخر إجرام مرتزقة أردوغان عندما أصبح قطع رأس امرأة بمنزلها بتل رفعت، فجر حريتهم ونصراً مكللاً بالإنجازات، شعب عفرين المقاوم كان وسيبقى قوياً وذو إرادة وتصميم على الرجوع يوماً ما لعفرين مدينة الزيتون والسلام، ويغادرها المجرمون والمحتلون وحاملو الأحقاد، وبكل تأكيد لن ننسى الآن أن هناك برداً قارساً يعانق جسداً رقيقاً لطفل عفريني مُهجر، ولكن لم يُنسيه رفع شارة النصر والابتسامة التي ستهزم كل محتل ومرتزق، ومهما طال الزمن لن يفلتوا من العقاب.




