No Result
View All Result
د. علي أبو الخير_
تعيش منطقتنا العربية أو بالأحرى منطقة الشرق الأوسط حالة حروب لا تنتهي؛ على الأقل في المستقبل المنظور؛ وإذا انتهت الحرب؛ ستنتهي عسكرياً فقط؛ ولكنها ستحمل في طياتها بذور حروب مستقبلية لا تنتهي؛ لأنّ حروب المنطقة لها أيديولوجيتها الدينية؛ نرى ذلك بوضوح في استدلال رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ “سفر اشعباء” من العهد القديم لإثبات مشروعية العدوان وسفك الدماء وتدمير الأرض؛ مع العلم أن أخطر حروب البشرية؛ هي التي يشعلها أو يقودها رجال دين أو سياسيون بعقائد فاسدة؛ أشار إليها المؤرخ
الأمريكي (ويل ديورانت) في قوله “إن العقائد الفاسدة؛ هي التي يموت فيها البعض أشرف ميتة”؛ ورغم مبالغة ديورانت لكن تبقى الحقيقة أن العوام هم من يموتون نيابةً عن السلطان ونيابةً عن حراس أبواب السماء؛ وهو أمر يتكرر كثيراً في تاريخ البشرية.
وقد أشار الدكتور جمال حمدان في كتابه عن شخصية مصر؛ بأن دول مصبات الأنهار؛ شهدت الحضارة والعمران والطغيان وعبادة الحاكم؛ جميعهم مع بعضهم البعض؛ لأنّ ملوك دول مصبات الأنهار تحكموا في المياه فظهر والطغيان واستغلال الشعوب لبناء المعابد والقصور.
ومن ثم جاءت دعوات رسالات الأنبياء ورؤى المصلحين لتمنع الحروب؛ وتقوم الرؤى الإصلاحية على نبع الإيمان القلبي عند البشر؛ وتكون الحروب دفاعية؛ تصد العدوان ولا تتجاوز لقتل البشر لتحقيق بطولات زائفة للمنتصر؛ الذي يكتب التاريخ من وجهة نظره؛ وويل المهزوم؛ قديماً وحديثا.
ولا تشذ منطقة الشرق الأوسط عن هذه النظرة؛ طالما بقيت النظرة ضيقة متقوقعة داخل شرنقة الدولة القومية؛ والتي هي من أهم أسباب الحروب؛ وذلك يقودنا للكتابة عن رؤية مختلفة؛ وهي رؤية الأمة الديمقراطية.
الأمة الديمقراطية ورؤية القائد عبد الله أوجلان للحرب والسلام
أطلق القائد المفكر عبد الله أوجلان رؤيته لمنع الحروب وإشاعة السلام؛ وهي رؤية تقوم على التعددية الدينية والسياسية والعرقية؛ الكل يعيش داخل أمة واحدة ديمقراطية متنوعة الأعراق والأديان؛ وقائد الأمة يحرس التمايز بين البشر؛ الذين يمثلون كل الناس في إطار الأمة.
ويرى القائد أوجلان في كل كتبه ومقالاته المتنوعة؛ بأن الحرب والسلام ضدان لا يجتمعان؛ ويرى إنه من الضروري اعتماد الدين وسيلة إيمانية تمنع سبب أي حرب؛ خاصةً وإن حروب الأنبياء لم تكن هجومية؛ ولكنها للدفاع عن النفس والأرض.
ويرى القائد أوجلان أن توصيل الدعوة الإيمانية لها أسسها الروحية؛ وبينما تحاكي مسألة “الإيصال” سيدَنا موسى من خلال الوصايا العشر، فإن “عمليات الحرب” المقدسة تذكِّرنا بمثيلاتها التي قام بها سيدنا محمد (ص) في المدينة المنورة… لقد كان جوٌّ كهذا من الإيمان والعقيدة الروحانية مهيمناً، أما إعداد الذات لتلك العقيدة، فهو على نحو إيمانيّ كلياً.
وطرح القائد أوجلان فكرة إن الأفكار الأرضية المثالية لا تشذ عن الإيمان الروحي؛ ومثلاً؛ فإن الاشتراكية العلمية تطبَّق بعد اكتسابها قوة الإيمان، والحرب عملية مقدسة بكل معنى الكلمة.. وبينما يتهمش الإنسان الفرد تدريجياً، يصبح الهدف كل شيء، بل حتى أن الانتباه إلى إصابة التاريخ بمرض السلطة المثالي، أمر عصيب للغاية، والمرض المثالي كما نفهمه هو ادعاء الحاكم بأنه معصوم أو ملهم؛ وهو ما يقود للحروب الدموية؛ خاصةً وإن الشخصية البشرية تتأثر بالنظريات، التي يروجها أي حاكم.
ويرى القائد أوجلان أن هذه الشخصية التي جردتها الرأسمالية من كل شيء، وتركتها وحيدة؛ عندما تبلغ بما تملكه إلى مستوى منظَّم، تعيش هذه المرة المثالية المجتمعية بشكلٍ مذهل ومناقض لما هو موجود… وإيمان بأن هذه المزية المثلى هي الأقدس على الإطلاق، فاقتنعنا بوجوب التضحية بكل شيء، ونكران الذات… وبدلاً من القول “الحياة هي أقدس قيمة”، ساد الاعتقاد بأنها “الهدف لكل شيء، والحياة لا شيء”، ليبرز في الشخصية بدرجة متزمتة، فالميول الرأسمالية تتكاثف بأبسط مستوياتها عبر التعميمات الاشتراكية المشيدة والوطنية.
إن منظور الأمة الديمقراطية كما نفهمه من القائد عبد الله أوجلان؛ يحمل في طياته روح الإيمان ونغمة الاشتراكية؛ لأن التعميمات الاشتراكية المفترضة تمنع أيضاً الشكل الغاشم الاستغلال للرأسمالية الإمبريالية؛ ويمكن وجود رأسمالية غير أممية؛ كما نفهم من سياق رؤية القائد عبد الله أوجلان؛ وهو أمر نراه يحقق نوعاً من السلام النفسي البشري؛ لا نملك القول إنه يمنع الحروب؛ ولكنه على الأقل يُخفف من دمويتها.
No Result
View All Result