No Result
View All Result
ليلى خالد (الرئيسة المشتركة لمنتدى حلب الثقافي)_
لم يكن عبثاً تركيز المفكر والفيلسوف عبد الله أوجلان في مرافعاته على الحالة الكونية ونشأته وتحليل التاريخ والحالة الاجتماعية وفق المنهج التاريخي وما آلت إليه في ظل لوياثان الحداثة الرأسمالية ومفرزاتها التي ولدتها السلطة وبدورها ولدت الدولة.
ركز المفكر والقائد أوجلان في مرافعته الأولى بعنوان “المدنية ” والثانية بعنوان “المدنية الرأسمالية” على كيفية تطور وتراكم الرأسمال خلال الحقب الزمنية منذ بروز الحضارة المدنية قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وناقش في مرافعته الثالثة “سوسيولوجية الحرية” تفاصيل القضايا الاجتماعية وكيفية تشكّل خيوط السلطة والدولة ومدى تأثيرها على المجتمع والمجتمعية وحلل فيها كل القضايا المفرزة منذ ظهور المدنية بمعنى واستفاضة، وطرح فيها البديل حتى وصل إلى مرافعته الرابعة ليغوص في بحر تاريخ منطقة الشرق الأوسط تاريخياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً ووصل إلى شاطئ الخلاص، ورأى فيها البوابة الرئيسية نحو بر الأمان من خلال طرحه لمانفيستو الحضارة الديمقراطية، حيث أنه اعتمد في هذا المشروع الحضاري والعصراني على الاختلاف والتنوع والتعددية وهو قانون كوني وطبيعي ومن أهم مقومات استمرارية الحياة.
أدرك المفكر عبد الله أوجلان من خلال دراساته وأبحاثه مدى خطورة الثقافة الأحادية والفردانية سواءً على مستوى الفرد أو الأمة، فالليبرالية السائدة أفرزت فرداً هشاً ضعيفاً في بنيته العقلية والجسدية لا يتحرك ولا يستخدم عقله ولا يُفعّل فكره إلا وفق أُطر محدودة لا تخدم سوى أجهزة السلطة والدولة والنرجسية المفرطة. الحقيقة الكونية والطبيعية تؤكد أنّ كل شيء حين يكبر ويتضخم بشكلٍ مستمر لابد له أن يصل إلى الذروة وينفجر آجلاً أو عاجلاً بعد خروجها عن طاقة التحمّل الطبيعية، ووصل القائد أوجلان من خلال هذه الحقيقة إلى تقييم الحداثة الرأسمالية التي تنبهنا كل المؤشرات إلى وصولها إلى أوج احتكاراتها وإمكانية انفجارها بات قاب قوسين أو أدنى، ومن هنا تأتي أهمية الأطروحة “المضادة” للقائد عبد الله أوجلان المرتكزة في بنائه على المرأة والفئات المهمشة في المجتمع ليشكلوا وحدات وعناصر أطروحته وتكون القوة الحقيقية في مواجهة أخطبوط الرأسمالية التي دخلت في جميع مفاصل الحياة، تلك القوة الدفينة التي اعتمدت عليها السلطة والدولة وكان ضمان بقاءها واستمراريتها مرهون بكدح هذه الوحدات، لذا كان لابد من تنظيم المجتمع ليكون القوة الديناميكية في مناهضة احتكارات السلطة والدولة، من خلال فهم هذه المعادلة جيداً هناك سؤال يطرح نفسه، تُرى كيف أحكمت الحداثة الرأسمالية المولودة حديثاً بقبضة من حديد على التاريخ الذي له باعٍ طويل عبر عصور وقرون في الحياة المجتمعية والطبيعية واستطاعت إقناع الإنسان العاقل الذي عاش لآلاف السنين وحافظ على وجوده واستمراريته بأنه لا معنى له ولوجوده بدون السلطة والدولة؟!
وكيف قَبِل هذا الإنسان الذي بنى الأهرامات والقصور والقلاع وأبدع في الزراعة وترويض الحيوان وخاض أعتى الصراعات واقتنع في ربط كل حواسه وتسخير كل طاقاته بإشارةٍ من السلطة والدولة!؟
الإنسان الذي يعيش في حلقة الحداثوية إنسان فارغ وهش وكأنه جهاز روبوت لا يتحرك إلا بأوامر مالكه (السلطة والدولة) لا يدرك وجوده وكينونته.
لذا أول ما عمل عليه المفكر عبد الله أوجلان هو وضع الأسس العلمية لإدراك الفرد لكينونته وتحديداً المرأة، ومن ثم تهيئة الفئات المهمَّشة ضمن المجتمع بتنوعه واختلافه لينطلق بمشروعه العصراني بهندسة موضوعية نحو تحقيق العدالة والمساواة وفق مفاهيم أخلاقية سياسية إيكولوجية، وربط كل قيم وتفاصيل الحياة بالأخلاق والسياسة لإعادة صياغة الإنسانية ليؤسس للمجتمعية ويفعّلها وفق العقل الجمعي، وهنا تكمن المعضلة وعلى كل المتطلعين نحو الحرية فهمه، بالرغم من كل ما جمعه المفكر والقائد عبد الله أوجلان في مرافعاته حول الكون والإنسان والفرد والمجتمع والاختلاف والتنوع والطبقات والأنظمة السائدة عبر العصور وقام بتحليله بعناية فائقة ورغم سعيه الدؤوب في تعريف نسق الحقيقة وتحليل الفرد والمجتمع وإبراز كل ما يعيق بناء الإنسان السوي والقويم وتقديمه كمقومات أساسية لحل القضايا المجتمعية من خلال إيجاد الحلول البديلة والانعتاق من قيود الرأسمالية التي حوّلت المجتمع إلى سجن كبير وبات ذلك جلياً في بحثه لكل عثرة أمام مخاض الثورات وولادة إدارات تمثل إرادة الشعوب بكل شفافية، بعد كل ما قدمه القائد أوجلان لنا من تحليل مُفصل بأرفع خيوطه إلا إننا لازلنا نواجه أشخاص سيكوباتيين مرضى بعقول دوغمائية لا يقبلون الاختلاف ولا يسعون للإبداع ،هؤلاء يشكلون أكبر عائق في طريق تصحيح المسارات وتحقيق التقدم والتطور ،هذه الفئة أشدُّ خطراً من الحداثة الرأسمالية نفسها في المجتمع أو ضمن أي حركة تنظيمية أو ثورة شعبية أو مؤسسة من المؤسسات المدنية تحت عنوان الاستقلالية والتي لا يشملها مشروع الأمة الديمقراطية ولا بأي بُعد من أبعادها ولا شيء في الحياة مستقل لا بالكون ولا بالطبيعة الأولى ولا الثانية هناك حالة تكاملية بخصوصيات مختلفة ومتعددة أي شبه استقلال سياسي واقتصادي بتفاصيله.
هل يُمكِننا أن نكون جواباً للمرحلة؟
خلال فترة تطبيق مشروع الأمة الديمقراطية وإلى الآن لازلنا نواجه عقبات الشخصيات الفردانية، والذهنية العشائرية، التي جعلت الشعب الكردي ضحية لمعاهدات واتفاقيات، وإلى الآن ندفع ثمنها بدماء شهدائنا الأبرار، هنا التغيير يفرض نفسه كحاجة مُلحة وإلا سنكون ضحايا على مدى عقود أخرى والثمن سيكون مضاعفاً أضعافاً.
حالة عدم التغيير تؤدي للجمود والمشروع الديمقراطي العصراني لشعوب المنطقة لن يكون بالمستوى المطلوب، وسيهوي نحو الفناء إن بقيت محاصرة في قوقعة الدوغمائية والفردانية، الخروج من هذه الأجواء يحتاج إلى تعدد سمات المجتمع للتوجه نحو التطور والنجاح وفق العقل والمنطق وبالسمات النوعية وهذا الشكل الوحيد الذي سيضمن لنا الامتداد والاستمرار وربما يتحول إلى نظام عالمي جديد ديمقراطي بمقاييس مجتمعية، إذاً المطلوب هنا تغيير الأسلوب والنضال داخلياً بشكلٍ رصين وبناء كونفدرالية ديمقراطية تحتضن كل فئات ومكونات المجتمع باختلاف ثقافتهم و فكرهم وانتماءهم مع عدم إقصاء أو تهميش أي جهة تختلف بالفكر معنا أي تحالف شعوب ـ تحالف أحزاب) وتعتمد في استراتيجيتها على مهمات فكرية سياسية و أخلاقية.
ما المطلوب في هذه المرحلة؟
أولاً علينا ترقية نضالنا أينما تواجدنا إلى المستوى المطلوب في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، وإلا لن نصل إلى النتيجة المرجوة ولن نحقق أهدافنا ولو بنسبة قليلة إن لم نتخطى المحدودية والسطحية الدوغمائية ولن نتمكن من ملئ الثغرات والفجوات الحاصلة التي تعطي للعدو فرصاً لاستغلالها وتلعب الدول المهيمنة لعبتها على هذه التناقضات، براديغما المفكر والقائد عبد الله أوجلان هو مُلك لكل الشعوب ويوافق نسبياً كل الأفكار باختلافها وليس بخلافها. لذا؛ الجدير بالذكر هو ضرورة التمحور حول أقوى وأرقى نظام يتبنى الفكر الإيكولوجي والديمقراطي والتحرري للمرأة بمعنى أنه بمثابة رحم الأم الذي يحتضن الجميع ويحمل بين أحشائه الذكر والأنثى والخنثى.
نحتاج لتقوية وتوعية الجبهة الداخلية وإحياء الذات الفاعلة والعقل الجمعي، قبل كل شيء علينا الحفاظ على التنوع والاختلاف في بناء قوتنا كحقيقة كونية وطبيعية ومن ثم تشكيل سقفٍ يحتضننا باختلاف انتماءاتنا لنكون معاً القوة الأكبر في مواجهة المؤامرات المحاكة ضد الشعوب عامةً والشعب الكردي خاصةً والمرأة بالدرجة الأولى، وإلا قد نواجه مصير طروادة ونكون لقمة سائغة في فم وحوش قوى الحداثة الرأسمالية في حال عدم فك العقد كأداء وتخطيها بفهم ومنطق سليم.
No Result
View All Result