د. أحمد سينو_
تتناقل وسائل الإعلام المرئية وغيرها من وسائل التواصل الافتراضي كلمة بشار الأسد أمام مجلس الشعب، والذي أبدى مرونةً وخفف من لهجته السابقة عن إمكانية اللقاء مع الرئيس التركي، وتلاعبَ بالكلمات وأسمى شروطه بأنها متطلبات عن إمكانية الانسحاب التركي من الشمال السوري، ربما يتم على مراحل، وهذه الرغبة جاءت نتيجة الضغوط الروسيّة التي تحاول أن تلعب دور الوساطة بين الطرفين السوري والتركي، خاصةً بعد الحرب المستعرة في غزة وفي أوكرانيا وخسارة الروس بعد تقدّم الجيش الأوكراني في كورسك وتحرك الأساطيل الأمريكية نحو الشرق الأوسط وردع أي رد إيراني بالهجوم على إسرائيل، وهذا التقارب السوري التركي يُلقى ضوء أخضر إيراني، وإلا ما كان أردوغان يتفاءل بلقاء قريب مع الأسد، رغم لقاءات الجانبين سابقاً على مستوى وزراء الخارجية ولقاءات سرية على مستوى الاستخبارات.
الغريب على روسيا هو تصريحات لافروف التي تخدم النظام السوري والتركي والإيراني للحصول على دعم تركي عبر مُسيَّراته في حرب أوكرانيا التي تُسمى “بير قدار” وقضايا تتعلق بالحبوب والنفط والممرات المائية، والأمر ذاته مع إيران لدعم روسيا في الحرب الأوكرانية. واللافت أن تركيا والنظام السوري وإيران تجمعهم رغبة في القضاء على الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ولا ننسى حتى العراق ومحمد شياع السوداني أراد أن يلعب دوراً في هذا التقارب، لكن يبدو أن الدور الروسي كان أكثر فعالية، فقد شكلوا دوريات مع تركيا لمراقبة الحدود كما تسعى روسيا إلى إحياء وتجديد اتفاقية أضنة بين سوريا وتركيا التي عقدت بين الجانبين 1998م والتي تسمح بتوغل القوات التركية مسافة 5كم في الأراضي السورية.
ربما في اللقاء بين الرئيسين التركي والسوري ستسعى تركيا إلى تجديدها ليبلغ التوغل مسافة 10 إلى 15كم في الأراضي السوريّة، وقد جوبهت الدوريات المشتركة الروسية التركية، بمقاومة سكان المنطقة في القرى الحدودية، فهدف روسيا هو الضغط على وجود أمريكا في شمال وشرق سوريا وتقليص نفوذها وتنصح قوات سوريا الديمقراطية بالتفاهم مع دمشق، ورغم محاولات الإدارة الذاتية المتكررة لكن دمشق تصُمُّ الآذان مع الإدارة الذاتية التي هي منفتحة على الجميع وتقبل الحوار معهم رغم أنها سابقاً طرحت مبادرات على أساس وحدة الأراضي السورية وعلى أساس مبدأ اللامركزية في الحكم والإدارة والمشاركة في الاقتصاد والنفط والدفاع عن البلاد.
وبالعودة إلى أردوغان، والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا يريد أن يحقق من هذا التقارب ومحاولة لقاء بشار الأسد؟ يريد أردوغان التخلص من أزمته الاقتصادية، ومن تدهور الليرة التركية، ويريد التخلص من التضخم المالي، والقضاء على البطالة، ويريد التخلص من اللاجئين السوريين الذي يقارب عددهم ٤ مليون سوري، ويريد فتح المعابر مع سوريا لتنشيط التجارة، أما بشار الأسد، فيريد بدوره الخلاص من عزلته الدولية والإقليمية وإنعاش الاقتصاد السوري وكسب الشرعية داخلياً وخارجياً. وتأتي الموافقة والضوء الأخضر الإيراني لمكاسب لا تقل أهمية من المذكور، خاصةً بعد عجزها عن الرد على إسرائيل، وتدمير حماس وغزة وخفوت صوت أذرعها في لبنان واليمن والعراق، تريد البقاء على سوريا تحت نفوذها، لتأمين طريق الإمداد إلى حزب الله عبر دير الزور والبوكمال، لكن العقبة أمام المطامع التركية والمطامع الإيرانية والروسية والنظام السوري وجود القوات الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية التي هي متحالفة لمحاربة داعش، وأغلب التقديرات أن الإدارة الذاتية صامدة لأنها تعتمد على شعبها من كل المكونات وعلى قواها الذاتية، رغم هجمات تركيا التي لا تتوقف على مدن الإدارة الذاتية وعلى قوات الدفاع الشعبي في جنوب كردستان وعلى عفرين بكل فصائلها ومرتزقتها، وكل هذه المحاولات من قبل تركيا والنظام السوري لذر الرماد والدخان في العيون لأسباب داخلية تتعلق ببقائهم بالسلطة، ولكن بعد حرب غزة وحرب أوكرانيا، سوف تتغير الموازين والقوى لما فيه خير شعوب المنطقة.