عبدالرحمن ربوع_
بكل عزيمة وإصرار تسعى حكومة بنيامين نتنياهو لجرِّ إيران وحلفائها في حلف المقاومة إلى حربٍ شاملة، رغم تمسك طهران المُضني بنهج الصبر الاستراتيجي. حرب كتلك التي سعى إليها يحيى السنوار في السابع من تشرين الأول 2023 حين نفذ عملية “طوفان الأقصى” متمنيًا جر إيران؛ بل كل الدول العربية والإسلامية إلى حرب مع إسرائيل، وكلاهما (نتنياهو والسنوار) فشِلا حتى الآن بتحقيق غرضهما رغم كل الإمكانيات المتاحة والظروف المهيأة والملابسات المتوفرة.
شيء واحد فقط منع ويمنع هذه الحرب من الاندلاع هو الإحجام أو التردد الإيراني. نعم هذا هو باختصار سبب عدم اندلاع حرب في الشرق الأوسط حتى الآن، مع كل الإرهاصات الواقعة والاستفزازات المتبادلة من كِلا الجانبين.
فلأول مرّة منذ غزو العراق في سنة 2003 تحشد الولايات المتحدة الأمريكية أسطولاً هو الأكبر من نوعه في المنطقة وعلى ثلاثة محاور (الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط). كما عززت قواعدها العسكرية في الدول العربية بثلاثة أضعاف طاقتها على الأقل من حيث عدد الجنود والعتاد والذخائر، وبيوت النار ملقّمة والأيدي متأهبة على الأزنِدة. فضلاً عن أساطيل وقواعد بريطانية على نفس القدر من الجاهزية والاستعداد.
لكن لا دولة من دول الغرب الحليفة لإسرائيل والداعمة لها تريد إطلاق الطلقة الأولى. فيما تكتفي بتوفير أقصى درجات الحماية، وأوفر قدرات الدعم لإسرائيل. مع الاكتفاء بضربات موجهة ومحددة لإيران وحلفائها يمكن اعتبارها ضربات استباقية تحدُّ إلى حدٍ كبير من إمكانية وقدرة إيران وحلفائها على خوض حرب شاملة ضد إسرائيل.
لكن لنتساءل قليلا لِمَ كل هذا التأهب والاستنفار من إسرائيل وحلفائها ضد إيران وحلفائها؟ ما الذي تخشاه إسرائيل من إيران، وما الذي يُقلِق الولايات المتحدة؟
من المؤكد أن لا شيء في إيران أو في محورها يُثير مخاوف أو قلق إسرائيل وحلفائها. اللهم إلا أنها تُهدد الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، والتي تعتزم أن تصبح صديقة لإسرائيل.
ولتشجيع الدول العربية على إبرام اتفاقيات سلام وتعاون مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها؛ تنبري تل أبيب وواشنطن لتقليم مخالب إيران وخلع أنيابها إرضاءً وتطمينًا للعرب لمنعهم من خوض سباق تسلّح مع إيران ليس في صالح إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا العالم، حيث من مصلحة الجميع أن تظل دول المنطقة ضعيفة هشة محمية بالأساطيل الأمريكية والبريطانية والفرنسية تضخ نفطها وغازها إلى الغرب فقط مقابل حماية أنظمتها وعروشها.
إذًا إيران تعي الفخ المنصوب لها من الولايات المتحدة، إن هي تجرّأت ونفذت تهديداتها “العنترية” ضد إسرائيل. كما تعي تمامًا أنها مازالت دون المستوى المطلوب من القوة والاقتدار وتحمل تكاليف وتبِعات الحرب. وأن ما بَنته في 44 عامًا سيهدم ويحترق في أقل من 44 ساعة. وأن آمالها بتصدير الثورة والسيطرة على بقية الدول العربية ستذهب أدراج الرياح لقرن قادم من الزمان. هذا إن لم تقسَّم وتضمحل وتتحول هي نفسها لدويلات متصارعة ومتطاحنة في المستقبل.
خلال سنوات الثورة السوريّة الثلاث عشرة الفائتة تعلمنا كسوريين أن إيران مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى في حربها على الشعب السوري لدوافع طائفية وديمغرافية، ولحماية استثماراتها في النظام السوري الذي تدخِره لصراعها مع الدول العربية وبالذات الأردن والسعودية، لكن عندما تكون المواجهة مع إسرائيل فـ “الصبر الاستراتيجي” هو العنوان، والـ “ياواش ياواش” هو الشعار، و”منصة X” هي الميدان.