No Result
View All Result
د. علي أبو الخير_
نكتب حول الرؤية الثورية في القرآن، فقد عرفنا وفهمنا من الفقهاء والشيوخ والعلماء مثلاً التفسير الفقهي للقرآن، والتفسير العلمي للقرآن، والإعجاز العلمي، ونعتبرها من التفسيرات المجازية التي لا تضر، ولكنها لا تنفع؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية ونور ومعرفة وتسامح، والأهم هو قرآن ودين أعلنها منذ البداية ثورة ضد الظلم والاستبداد والطبقية، ثورة من أجل الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، كما رفعتها الثورة المصرية وكل الثورات، ومع تلك الدعوة الثورية لم نجد حتى اليوم، ما يمكن اعتباره تفسير ثوري للقرآن، الدعوة الثورية التي تغيّر للأفضل، والقرآن رمز للعدل بالميزان المعنوي، لا تطفيف فيه ولا ميل، وأكد القرآن على أن الله سبحانه وتعالى لا يُغيّر من نفسه العُليا، ولكنه يترك حركة التغيير للبشر من خلال تطورهم الفكري ومسيرتهم وبحثهم عن العدل المفقود، قال تعالى في سورة الرعد11/ “إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فالله الخالق يُغير السلوك
البشري عندما يغيرون أنفسهم بأنفسهم، بالعقل الذي أودعه الله فيهم والفطرة التي خلق الناس عليها، وقال أيضاً في سورة الأنفال/53: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” وهو نفس المفهوم الذي نعتبره ثورياً؛ لأن التغيير دائماً ما يصطدم بطموح الأثرياء، فكل الدعوات الإلهية وأيضاً الدعوات الإصلاحية بدأت بالضعفاء والمساكين والعبيد، وحاربها الأغنياء المترفون، قال سبحانه في سورة الإسراء/16 “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً”، فالله أمر الأثرياء بالإصلاح، وبالطبع يرفضون الإصلاح والتغيير، وعندما يصمت الجميع يحق عليهم العذاب الدنيوي والأخروي، فلم تحدث ثورة في التاريخ إلا واضطهد فيها الأغنياء الفقراء، إلا القليل من الأغنياء الذين لا يكسرون القاعدة.
ولماذا نذهب بعيداً، والنبي محمد عليه السلام ظهر في مكة المكرمة وليس بها مشاكل تهدد السلام الاجتماعي فيها، يوجد سادة وعبيد، أغنياء وفقراء، وكعبة حولوها إلى دين وثني يتربحون منه، ولكن ظهر رجل عرفوه بالصادق الأمين يُعلِن المساواة بين البشر سادةً وعبيد وعرب وعجم، ثم أعلن دعوته الإلهية التوحيدية، التي هددت الملأ القرشي فتصدوا للدعوة من البداية.
وإذا لم تكن الدعوة المحمدية ثورة، فكيف وأين تكون الثورة، صحيح أنه بعد موت النبي الكريم راجت أحاديث تمنع الثورة، مثل ضرورة طاعة الحكام حتى لو ضربوا الظهر وأخذوا المال، وظهرت أحاديث تجعل من الشورى غير ملزمة للحاكم أو السلطان رغم أن الآيات التي تحدثت عن الشورى تجعلها ملزمة، ففي سورة الشورى/ 38 “والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون”، فالأمر الشوروي فيه أمر للاستجابة وإقامة الصلاة، للتداول في أمور الحياة السياسية والاقتصادية، وليس الآخرة بطبيعة الحال، أما في سورة آل عمران/ 159 “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر وشاورهم لهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”. جاءت كلمة الشورى بالأمر الإلهي الملزم للنبي، وهو النبي الكريم الذي طبق الشورى في أروع صورها، حتى قبل الهجرة الشريفة، عندما اجتمع مع 73 رجلاً وامرأتين من الأنصار في بيعة العقبة الثانية، فقال لهم: “انتخبوا من أنفسكم أحد عشر نقيباً”، وكان يمكنه هو أن يختار بنفسه الشريفة، ولكنه لم يفعل، ومن فعل هم من جاؤوا من بعده من خلفاء وسلاطين، أبدعوا في تزييف الانتخابات والبيعات، أخذوها بالسيوف التي قطعت الأعناق وبصناديق التزوير، ولم يلتزموا بالشورى أبداً، وخصصوا من قالوا عنهم أهل الحل والعقد، وهم مرآة يرى فيها الحاكم نفسه دائماً، لكن القرآن في النهاية ثورة حقيقية، ابتعد عن مفهومها رجال الدين عبر العصور، بل وصل الأمر بأبي الحسن الماوردي أن قال في كتابه “الأحكام السلطانية”: “لو ظهر ذو شوكة وحارب الخليفة القائم وهزمه أو قتله ونصّب نفسه خليفة فلا يبيتن أحد من المسلمين إلا وفي عنقه بيعة له”، وهو ما عاش عليه المسلمون.
ولقد جاء مصطلح الثورة في القرآن الكريم، ليؤكد مفهوم الحقيقة الثورية القرآنية، قال تعالى في سورة الروم/ 9 “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدُّ منهم قوةً وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رُسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”، قال الطبري في تفسيره “استخرجوا الأرض وحرثوها وعمروها أكثر مما عمر هؤلاء فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم رسله”، أي هو ما يعني في المصطلح أثاروا يكون من الثورة، وإثارة الأرض هي التمهيد للعمران العادل، عن الطريق النُخب المؤمنة تبدأ عملية التعمير، ثم الثورة، والتي لا يمكن أن تأتي من فراغ، فهي تأتي عندما يظهر الطغيان وينتشر التعصّب، ويعيث المُستبِدون والتكفيريون والقساة فساداً في الأرض وظلم أهلها، هذا هو مفهومنا حول التفسير الثوري للقرآن الكريم، الذي تناساه المسلمون طوال تاريخهم، وما بقى هو من تراث أموي سلطاني يؤسس للملك أكثر ما يؤسس للدين أو للعدالة حتى في أضعف صورها….
No Result
View All Result