رامان آزاد_
كان نشرُ المقطع المصوّر لاعتداءِ قوات حرس الحدود التركيّ (الجندرمة) بقسوةٍ على لاجئين سوريين متزامناً مع حملةٍ كبيرةٍ ضد اللاجئين السوريّين في عمومِ البلاد وعملياتِ الترحيل القسريّ إلى الحدود، أثار ردودَ فعلٍ غاضبة تجاوزت السوريّين إلى الإطار الإخوانيّ في الخليج الذين أعلن تضامنه مع اللاجئين وانتقدَ سلوك السلطاتِ التركيّة وحذّر أردوغان من فقدان احترامه بين العرب والمسلمين، ولكن ما يحدث انتقالٌ إلى مرحلةٍ جديدةٍ لاستثمارِ هذا الملف.
أظهر المقطع المصوّر جنوداً أتراكاً يدوسون على رأسِ لاجئ سوريّ ويضربونه بعنفٍ، فيما كان آخرون ينتظرون نصيبهم من الإهانةِ والتعذيب. ووفقاً لما هو متداول، فالحادث وقع في نقطةٍ أمنيّةٍ بقرية كفر لوسين الحدوديّة، بريف إدلب الشماليّ. ونشر موقع روسيا الخبر تحت عنوان “جنودٌ أتراك يعذّبون سوريين بوحشيّةٍ على الحدود”. وقال الموقع: “يعدُّ هذا الفيديو تجسيداً حيّاً للانتهاكات المستمرة التي يتعرّض لها السوريّون على يد قوات الجندرمة الاحتلال التركيّ، حيث أنّه منذ فوز الرئيس التركيّ أردوغان في الانتخابات الأخيرة، كان هناك تصاعدٌ واضحٌ في اعتداءاتِ الجيش التركي ضدَّ السوريّين، حيث تمّ تسجيل مئات الحالات من التعذيب والاعتداءات اللاإنسانيّة على اللاجئين السوريّين.
تعمّدت السلطات التركيّة نشرَ المقطع الذي يوثّق اعتداءَ الجنود الأتراك على سوريين، لتقول عبر الترهيب: “انتهت مرحلة اللجوء إلى تركيا، والحلّ الوحيد في مشاريع الاستيطان شمال سوريا”. أي شكلٌ جديد من الاستثمار السياسيّ لهذا الملف الشائك.
حملة تضامن إخوانيّة
تسببت إجراءاتُ أنقرة بحق اللاجئين السوريّين بموجةِ انتقاداتٍ في أوساط الإخوان المسلمين، فنظّموا وقد شعروا بالخيبة حملةَ تضامن مع اللاجئين السوريّين وانتقدوا انتهاكات وتفتيش السلطات التركيّة عنهم وترحيلهم وحذّروا أردوغان من فُقدان احترامه من العرب والمُسلمين. وهم إذ عبروا عن رفضِ خطّة ما يسمونه العودة الطوعيّة، فإنّ بعضهم حمّل شخصياتٍ من المُعارضة التركيّة المسؤوليّة، أمثال أوميت أوزداغ زعيم حزب النصر، وميرال أكشينار (زعيمة حزب الجيّد) وإيلاي أكسوي وسواهم، وطالبوا الرئيس التركيّ بالتدخّل.
لكن الحقيقة أنّ المعارضة التركيّة التي خسرت الانتخابات الأخيرة ليست في موقع القرار، ولم يتجاوز موقفها من إعادة اللاجئين مجرد الوعود، فيما كل الإجراءات الفعلية تتخذها حكومة العدالة والتنمية. ومن الشخصيات الإخوانيّة التي انضمت لحملة التضامن الإعلامي علاء عثمان، الإعلاميّ في قناة “الجزيرة” أحمد منصور، أستاذ الشؤون الدوليّة بجامعة قطر ورئيس (مشارق ومغارب) محمد مختار الشنقيطي، وقال النائب الكويتيّ السابق وليد مساعد الطبطبائي “إنّ الانتخابات في تركيا أفرزت عن موجة عنصريّة حاقدة على العرب والسوريّين قادتها المعارضة حتى صار (اطردوا السوريّين) شعاراً انتخابياً”، وطالب “الحكومة التركيّة والرئيس أردوغان تحديداً بالتدخّل لتعديلِ المسار كيلا يخسر شعبيته الكبيرة في الوطنِ العربيّ.. تكرار المضايقات العنصريّة صار أمراً لا يُطاق”.
اعتقال في المناطق المحتلة
في 21/7/2023 اعتقلت “الشرطة العسكريّة”، المحامي والقاضي السابق في “هيئة تحرير الشام” المدعو “عصام الخطيب” والشرعي السابق في “الهيئة” المدعو “أبو شعيب المصريّ” من بعد صلاة الجمعة أمام مسجد أبو بكر الصديق في مدينة إعزاز. وجاء الاعتقال بأوامر مباشرة من الاستخبارات التركيّة بعد نشر المحامي “عصام الخطيب” مقطع تعذيب الجنود الأتراك وضربهم المبرّح لمواطنين سوريين، وانتقد صمت مرتزقة “الجيش الوطنيّ” حول حادثة الاعتداء. وكتب: “لو كانت المناسبة نجاح أردوغان في الانتخابات لكانت بياناتُ التبريكِ والتهاني من فصائلنا تناطحت وتزاحمت في فضاء وسائل التواصل.. ولكن المناسبة هنا إهانة أبنائنا والدعس على رؤوسنا، فالقوم لا حس ولا خبر!!”.
حساسية إخوانيّة
تزامنتِ الحملة الأخيرة من تصاعدٍ في خطاب الكراهية وعمليّات الترحيل للاجئين حتى النظاميين منهم مع توقيتٍ يُظهر فيه أردوغان انفتاحاً أكثر على دول خليجيّة مُعادية لحركة الإخوان المُسلمين مثل السعوديّة، والإمارات. ولذلك لأسباب اقتصاديّة، ولذلك ربط مراقبون الإجراءات القسريّة المتخذة ضد اللاجئين السوريّين بالمتغيّر في السياسة الخارجيّة التركيّة وتحسّن العلاقات مع الرياض وأبو ظبي اللتين تلتزمان مواقف مناهضة حيال “التنظيم الإخوانيّ”، فيما تنفرد الدوحة بدعمهم. ولكن النتيجة هي نفسها، فالدوحة تموّل معظم مشاريع التوطين في شمال سوريا وبخاصةٍ في عفرين المحتلة. فيما عاد أردوغان من جولته الخليجية وفي جعبته حزمة كبيرة من الصفقات الاقتصاديّة العسكريّة عددها 26 اتفاقاً، أهمها شراء الرياض طائرات مُسيّرة تركيّة، وبلغت قيمة الاتفاقات التي تمّ توقيعها في أبو ظبيّ نحو 70 مليار دولار.
التوجهات التركيّة الأخيرة جعلت التيار “الإخوانيّ” يخرج على مألوفِ عادته في تأييد أردوغان الكامل إلى انتقاده، وليُطرحَ السؤال حول احتمالِ أنّ يتخلى عنهم أردوغان على مذبح تحسينِ الاقتصاد التركيّ واستدراج الاستثمارات الخليجيّة، وبخاصةٍ أنّ استعادة العلاقات التركيّة مع القاهرة كانت مشروطة بالتخلّي عن دعم الإخوان ، وأقصى ما يتطلع القائمون على الحملة تحقيق بعض الضغط على أنقرة لوقف ترحيل السوريّين، وضمان حُصولهم على حُقوقهم الأساسيّة، ليبقى السؤال في عهدة الحكومة التركيّة، فيما إذا كانت ستستجيب للضغطِ التضامنيّ، وأم ترجحُ مصالحها الاقتصاديّة مع الرياض وأبو ظبي، وأنها استهلكت إمكانية استثمار الملف الإخوانيّ، وأما حديث المتضامنون عن انهيار ما تم بناؤه خلال سنوات وخسارة أنقرة لتقرير العرب والمسلمين فهو مبالغة كبيرة، فلا العرب ولا الدول الإسلامية يمثلها الإخوان المسلمون. والتجربتان المصرية والتونسية ماثلتان للعيان.
لكن أردوغان تملّص من مسؤوليته الشخصيّة، وفي محاولة لرفع الحرج عن نفسه وأنّه تخلى عن حلفائه وضع المسألة في إطار آخر ألمح أنّه المسألة في عهدة الشعب التركيّ وقال إنه سيشعر بالتغييرات الواضحة فيما يتعلّق بالمُهاجرين غير الشرعيين “في وقتٍ قصير”.
ضحايا على الحدود
بلغ عدد السوريين الذين قتلوا برصاص حرس الحدود التركيّ (الجندرمة التركية) 560 سورياً، بينهم (103 طفلاً دون سن 18 عاماً، و67 امرأة)، وذلك حتى 27 حزيران 2023 وبلغ عدد المصابين 3047 شخص بجروح متفاوتة، وكثير منهم يعانون من إعاقات دائمة بسبب التعذيب والاعتداءات الوحشية التي تعرضوا لها. وتستهدف الجندرمة أيضاً سكان القرى الحدوديّة والمزارعين وأصحاب الأراضي المتاخمة للحدود بإطلاق الرصاص الحي عليهم، ما يزيد أعداد الضحايا المدنيين. واعتبر مراقبون أنَّ هذه الانتهاكات تشكل تصعيداً خطيراً في الأوضاع الإنسانيّة على الحدود التركيّة السوريّة، وتتطلب تحرّكاً فورياً من المجتمع الدوليّ للتصدّي لمثل هذه الأفعال البشعة ومحاسبة المسؤولين عنها.
ومنذ بداية العام الجاري (2023)، قتلت الجندرمة التركية 17 شخصاً فيما تجاوز عدد المصابين خلال محاولة اجتياز الحدود 96 شخصاً، بينهم إصابات بإعاقة دائمة نتيجة الضرب الوحشيّ بالعصي والبنادق والركل وإلقائهم خلف السور الحدوديّ وهم ينزفون.
وخلال عام 2022 قتل حرس الحدود التركيّ 46 سوريّاً بينهم خمسة أطفال وامرأتان في مناطق سوريّة متفرقة قرب وعلى الحدود مع تركيا، كما أصيب 906 مدنيّاً بينهم 36 طفلاً و40 امرأة باستهدافهم بطلقات مميتة من قناصين مدرّبين وكانوا من عابري الحدود أو سكان القرى القريبة من الحدود.
في 26/3/2023 استهدفت الجندرمة التركيّة مباشرةً لاجئين سوريين، ما أسفر عن مقتل المهندس علي جهاد الشحاذة من أهالي مدينة الرقة والشاب طلاس عواد الشواخ من أهالي قرية العزيزية ــ سري كانيه، وإصابة خمسة آخرين وذلك أثناء محاولتهم عبور الحدود.
وفي أبرز حوادث الاعتداء تعرّضت مجموعة من ثمانية سوريين مساء 11/3/2023 للضرب المبرّح على يد حرس الحدود التركيّ ما أدى لمقتل شخص وإصابة الآخرين، إصابات خطرة وطالب ناشطون وهيئات حقوقية سوريّة بفتح تحقيق مباشر بالواقعة، وأعربوا عن إدانة هذه الانتهاكات اللا إنسانيّة المُرتكبة بحق مدنيين عزّل. قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير أصدرته في 27/4/2023: “إنَّ حرس الحدود الأتراك يُطلقون النار عشوائيّاً على مدنيين سوريين على الحدود مع سوريا، ويُعذّبون ويستخدمون القوة المفرطة بحق طالبي اللجوء والمهاجرين الذين يحاولون العبور إلى تركيا”.







