رامان آزاد_
جاء التدخّل التركيّ واحتلاله لأراضٍ سوريّة في سياق التنسيق الروسيّ ــ التركيّ، لتحققَ موسكو عدة أهداف، في مقدمتها منع التغيير السياسيّ في سوريا، عبر نقلِ عوامل الأزمة إلى شمال سوريا على حدودِ تركيا وضرب الخصوم ببعضهم، وبمرور الوقت تحصد دمشق عوائد التصعيد، وبذلك فإنّ آستانة مسارٌ عسكريّ، مقابل تعطيل المسار السياسيّ.
ما وراء التصعيد التركيّ!
كثُر الحديث عن متغيراتٍ سياسيّة في الأزمة السوريّة، ويربطون ذلك بالانتخابات التركيّة البرلمانية والرئاسيّة الشهر الماضي. والواقع، أنّه لا متغيّرَ سياسيّاً، وأكّدت الانتخابات التركيّة هذه الحقيقة، والتغيير كان مُحتملاً لو فازتِ المعارضةُ التركيّة بالانتخابات.
لعله من الصحيح نسبيّاً أنّ التصعيد العسكريّ الأخير يُقصدُ به رسائل سياسيّة، والمراد بالرسائل هو الرأي العام ومنصة آستانة والداخل التركيّ، وبدرجةٍ أقل بكثير موسكو ودمشق. بمعنى أن يكون مُقدمة متغيّر سياسيّ يتم العمل عليه برعاية روسيّة. هي رسائل النار يُراد بها تحسينُ شروط التفاوضِ، وإدامةُ الاحتلال التركيّ. فموسكو المنشغلة للعام الثاني بحرب أوكرانيا باتت تعتمد أكثر على أنقرة. والتصعيد أيضاً استمرارٌ لسياسةِ أنقرة السابقة في سياق تنسيقها مع موسكو التي منحت أنقرة التفويض بتنفيذ ما تسمى بالعمليات العسكريّة وشن هجمات احتلالية، واحتلال جرابلس والباب وعفرين وسري كانيه وكري سبي/ تل أبيض، وباختصار ما يحدثُ على مدى سنوات تنفيذٌ مباشرٌ للخطةِ الروسيّة.
جدد الجيش التركيّ الجمعة قصفَ مواقع في منطقة الشهباء، ومن جملة الأهداف كان مشفى تل رفعت، الأمر الذي يطرحُ السؤال عن الغاية الأساسيّة للقصف باعتباره ليس موقعاً عسكريّاً؟ والجواب واضح، بتأكيد أنّ لا محرمات للقصف، وإنهاء شروطِ الحياةِ الطبيعيّة في جغرافيا التهجير القسريّ.
وجاء التصعيد التركيّ بعد فترةِ هدوءٍ نسبيّ، شهدته المنطقةُ قبل الانتخاباتِ التركيّة وحتى إجرائها. فقد تعهّد أردوغان في خطابِ الفوز بتنفيذ أهدافٍ تتعلقُ بالملف السوريّ بينها إعادة اللاجئين السوريّين بتمويل قطريّ، وكذلك مواصلة القتال ضد قوات سوريا الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة.
جيش الاحتلال التركيّ استهدف مواقع لقوات حكومة دمشق وأوقع خسائر بشريّة، واستهدف عربة عسكريّة روسيّة ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة ثلاثة آخرين، ولكن دمشق وموسكو التزمتا الصمت إزاء التصعيد التركيّ، وإذا كان الاستهدافُ يفترضُ موقفَ تنديدٍ ورفضٍ ويستوجبُ الردَّ، فإنّ الصمتَ يوحي بدلالاتٍ أخرى أقلها الاتفاق.
بالمجمل يفتحُ هدوءُ الجبهات المجالَ للتفاوضِ وطرحِ مسألةِ المناطق المحتلة بما فيها الانسحاب التركيّ وعودة أهالي عفرين، وأما التصعيدُ فيعني العكس بإلغاء تلك المسارات وخلق شروط جديدة ورفعِ سقفِ التفاوض. وما تريدُ أنقرة قوله قُبيل عقد الجولة الـ20 من اجتماعات أستانة، إنّ عودةَ أهالي عفرين غير مطروحةٍ للبحثِ، فيما تستمر بالعملِ على بناءِ التجمعاتِ الاستيطانيّة لتثبيتِ بقاءِ المستوطنين في المنطقةِ. بالمقابل لا تُطرح قضيةُ إعادة أهالي الغوطة وأرياف حماه وإدلب وحمص ودير الزور ولا حتى الفلسطينيين وكلّ من جاء إلى عفرين عبر الترحيل وشن هجمات احتلالية على مناطقهم.
بالنسبة لأهالي عفرين فإنّ منطقة الشهباء ليست الجغرافيا البديلة، وستواصلُ أنقرة والمعارضة السوريّة توصيفها بأنّها “محتلة” وتشرعنُ استهدافها تحت عنوان تحريرها… وبذلك فلا عودةَ إلى عفرين ولا بقاء في الشهباء، ولا بدائل أخرى مطروحة!
الغاية من الوجود الروسيّ في المنطقةِ هي ضبطُ إيقاع الهجمات الاحتلالية لتكون بجهة واحدة وهم أهالي عفرين المهجرين قسراً، ومنع فتح جبهات أخرى، وأما الوجود الإيرانيّ فقد بات معروفاً الهدف من وجوده، بمنع اقتراب مرتزقة “الجيش الوطنيّ” من الإطار الآمن حول بلدتي نُبل والزهراء، وبذلك رُسمت خطوط النار في منطقة الشهباء…
هذا لا يعني أنّ الصيغة الحالية هي النهائيّة، بل إنّ التصعيد العسكريّ يهدفُ إلى مراكمةِ رصيدٍ سياسيّ للتفاوض، ولكن على حساب عفرين وأهلها، فالكرد هم الطرفُ الوحيدُ في الأزمة السوريّة الذي يمكن التفاوض على حسابهم، وهذا مضمون المسار التصالحيّ الذي طرحته موسكو بين دمشق وأنقرة والحديث عن توسيع إطار اتفاقية أضنة 1998.
المسألة لا تنحصر بمنطقة الشهباء ففي إطار أستانة ثمة توافقٌ على إنهاءِ الوجودِ الأمريكيّ في شمال وشرق سوريا وهذا عنوانٌ كبيرٌ، فيما التفاصيل تعني استهداف الإدارة الذاتيّة، وهي أولوية بالنسبة لمنصة أستانة وليست “داعش” أو هيئة تحرير الشـام/ النصرة”، وتتجاهل بيانات أستانة الاحتلال التركيّ وانتهاكات المرتزقة في المناطق المحتلة.
الكردُ في سوريا، رغم اختلافِ تموضعهم السياسيّ وخلافاتهم البينيّة، فإنّ مصيرهم معلقٌ لدرجةٍ كبيرةٍ على صيغةِ الإدارة الذاتيّة والحوارِ السياسيّ، ومآلات الأزمةِ السوريّةِ في ظلّ استمرارِ عدم وجود أيّ مبادرة لاحتوائهم وطنيّاً… وأيّ تبدلٍ بالموقفِ الأمريكيّ ستكون له تداعيات مباشرة ويشجّع أنقرة للقيام بعدوانٍ جديدٍ بكلفةٍ عسكريةٍ متدنيّةٍ باستخدامِ المرتزقة المواليةِ لها، فهل حصل متزعموهم على ضماناتٍ لمرحلةِ ما بعد الأزمة بمواصلة الانخراطَ في هجمات احتلالية ضد الكرد وقسد. (عمليات المرتزقة تخدم الخطة الروسيّة).
ما يجري في عفرين يؤكّدُ هذه المعطيات، باستمرارِ التضييق بكلّ الوسائلِ وانتزاع الملكيات والاختطاف وحتى القتلِ لدفع الأهالي للخروج من المنطقةِ، واستمرار بناء المستوطنات، لتكونَ جيباً موالياً لأنقرة، إذ لا توجد أدنى مبادرة لإعادة المستوطنين إلى مناطقهم الأصليّة.







