تعدُّ منطقة وسط القاهرة بأحيائها المترامية على امتداد ثلاث كيلو مترات تقريباً، هي القلب التجاري النابض للمدينة، ولعلّ التجول في شوارعها سيراً على الأقدام، قد يكون مرهقاً للبعض. الاستعانة بالسيارات الخاصة أيضاً قد لا يكون حلاً مناسباً، فالعثور على موقف خالٍ قد يكون أكثر إرهاقاً، خاصة في أوقات الذروة. مع ذلك، فزيارة وسط القاهرة أمر لا بد منه للكثيرين.
تبدو الدراجات هنا وسيلة آمنة وسهلة يمكن التحرك بها بين أحياء القاهرة من دون عناء. ومن أجل هذا، قرّرت محافظة القاهرة إطلاق مشروع كايرو بايك (Cairo Bike) الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين/ أكتوبر الأول الماضي.
جاء المشروع نتيجة تعاون بين محافظة القاهرة ومؤسسات أوروبية وأممية، بهدف نشر استخدام الدراجات في شوارع القاهرة وسيلة بديلة للنقل. اعتمد المشروع على وجود شبكة من المحطات التي تتوافر بها دراجات للاستخدام العام، وتُدار بتطبيق على الموبايل بأسعار منخفضة. للمشروع أيضاً أهداف بيئية بالطبع لتقليل الانبعاثات الناتجة عن عوادم السيارات، إضافة إلى الحد من زحام العاصمة في أوقات الذروة. شمل المشروع ثلاثة أحياء رئيسية من وسط القاهرة في مرحلة أولى، على أن يجري التوسع لاحقاً في بقية الأحياء الأخرى تدريجياً.
دُشن “كايرو بايك” تزامناً مع مؤتمر المناخ العالمي الذي عقد في شرم الشيخ نهاية العام الماضي، وحظيَ فور انطلاقه باهتمام إعلامي لافت، كما احتفى به روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ حرص كثيرون على التقاط الصور الشخصية لتجربتهم الأولى مع ركوب الدراجات في شوارع وسط القاهرة. صاحَبَ انطلاق التجربة، إجراءات مرورية ملموسة تُنظم سير هذه الدراجات، بتخصيص حارات على جانبي الطرق وعلامات إرشادية لسائقي السيارات، لضمان عدم التعدي على مسارها.
لم يكتملْ الحلم
بكل أسف، لم تكتمل سعادة القاهريين بهذا المشروع، فبعد أسابيع قليلة على انطلاقه، بدأ مستخدموه في الشكوى، بعد أن ظهرت العديد من الثغرات في التطبيق المستخدم لاستئجار هذه الدراجات. عانى بعضهم من فشل الوصول إلى التطبيق أو البطء أو الخلل في منظومة التتبع وحساب وقت المستخدم، وغيرها من التفاصيل الأخرى اللازمة لتشغيله. كما اشتكى آخرون من عدم الجدية في توفير أماكن مخصصة لسير الدراجات في الشوارع الرئيسية كافة وتهالك بعضها.
لم تمضِ سوى أشهر قليلة فقط على انطلاق مشروع “كايرو بايك” حتى توقف تماماً عن العمل. اختفت الدراجات من شوارع القاهرة، وأزيلت الهياكل المعدنية للمحطات أو خرّبت في بعض الأماكن. تضاربت التصريحات والبيانات حول الأسباب، ووصل الأمر إلى أروقة البرلمان المصري. ففي نيسان/ إبريل الماضي، تقدّم أحد البرلمانيين بطلب إحاطة للحكومة حول المشروع وأسباب فشله. أشار طلب الإحاطة الذي تقدّم به النائب محمود موسى إلى أن فشل المشروع بهذه السرعة هو أمر يدعو للريبة، كما أنه إهدار للتمويل المُقدم من إحدى المؤسسات الأوروبية التي قدمت الدراجات منحة لمحافظة القاهرة، وعلى الرغم من هذا، فإن أسباب توقف المشروع غير واضحة حتى الآن.
يعزو بعضهم السبب إلى التكلفة المرتفعة لصيانة هذه الدراجات. ويبدو أن المسؤولين في محافظة القاهرة قد آثروا وقف المشروع بدلاً من تطويره أو البحث عن حلول مناسبة للحد من هذه التكلفة. لعل التصريح الأخير لمستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، صبري الجندي، يؤكد ذلك. كان الجندي قد أشار في سياق حديثه إلى إحدى الصحف إلى التكلفة الكبيرة التي تتحملها المحافظة لصيانة الدراجات بشكلٍ دوري، من دون أن ينسى بالطبع تحميل المواطنين المسؤولية الأكبر لهذا الفشل، بسبب قلة الوعي، حسب قوله. بعد صمت طويل، صرّح المتحدث باسم محافظة القاهرة بأن المشروع متوقف لفترة مؤقتة فقط، من أجل إعادة هيكلته، وإسناد تشغيله إلى شركة أخرى. وحسب التصريحات التي أعلنها المتحدث باسم المحافظة قبل شهر تقريباً، فإنّ الشركة المشغلة قد فشلت في إدارته، بسبب خلل التطبيق المستخدم لاستئجار الدراجات.
وكالات