رامان آزاد_
لن تكونَ هزيمةُ أردوغان أمراً سهلاً في الانتخاباتِ القادمةِ، فهو متمرسٌ فيها ويقود حملته الانتخابيّة مسخراً لها مؤسسات الدولةَ، ويتلاعب ببيئة الانتخاب سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً ويفرضُ معاييره ليدفعَ الناخبين للتصويتِ لصالحه، وبفرض أنّه سيخسر، فلن يسلمَ السلطة بسهولة! ومن الصعبِ إخراجُ العدالةِ والتنمية من المشهدِ السياسيّ، في مستوى التوجهات والأيديولوجيا! فيما المعارضة ينقصها عواملُ القوةِ والاستقطاب.
مَنِ البجعة السوداء بالانتخابات؟
كلّ سلبياتِ إدارة أردوغان، التي يتمُّ الحديثُ عنها صحيحةٌ فيما يتصل بالأزمةِ الاقتصاديّةِ والغلاءِ والتضخّم والبطالة والفساد والديكتاتوريّة، والحديث عن فشل أردوغان الانتخابيّ لدى كثيرين مجرد مسألة وقت، ويستندون إلى نتائجِ استطلاعات الرأي التي تجريها مؤسساتٌ بحثيّةٌ، ولكن هل ما سيحدث في تركيا في 14/5/2023 هو انتخابات حقيقيّة؟
عام 2007 في كتابه “البجعة السوداء ــ تداعيات الأحداث غير المتوقعة”، يتحدث المفكر “نسيم نقولا طالب” فيه عن الاكتشافات العلمية الكبرى، والأحداث التاريخية والإنجازات الفنيّة كأنّها «بجعات سوداء» باعتبارها إنجازات غير متوقعة. وتشير هذه النظرية إلى احتمالِ وقوع أحداث استثنائيّة لا تتصل بالسياقِ المتعارف عليه، أو خارج دائرة التوقعات، وغالباً ما تكون سيئة وصادمة، فقد كان سائداً أنّ طيور البجع لونها أبيض، إلا أنّ اكتشاف البجع الأسود في أستراليا الغربيّة كان حدثاً غير متوقع.
ويشير نيقولا طالب إلى ما وصفه بالمغالطة السخيفة بإساءةِ استخدام الألعاب لنمذجة مواقف من الحياة الواقعيّة، بافتراضِ أنَّ غير المتوقع يمكن التنبؤ به عبر استقراء التغيّرات والاختلافات في الإحصائيات وبناءً على ملاحظاتٍ سابقة، خاصةً عندما يُفترض أنَّ الإحصائيات تمثلُ عيناتٍ من التوزيع الطبيعيّ.
لا يمكن البناء على نتائج استطلاعات الرأي، لأنها تستهدف عيناتٍ من المجتمع لا تعكسُ حقيقة الآراء السائدة، وتُجرى غالباً لدعمِ فكرة محددة مسبقاً، لتكون وسيلة تأثير بالمزاج العام. ويُفترض طرح السؤال حول عوامل نجاح المعارضة؟ من سيكون البجعة السوداء؟
مرشحٌ يمسك بالسلطة!
في موازين القوة، يتفوق أردوغان على منافسيه، لأنّه يخوضُ الانتخابات، وهو رئيسٌ يمسك بقوةٍ بمؤسسات الدولة كلها، ولعلَّ الصحيح أنّ يستقيلَ الرئيس قبل الانتخابات بثلاثة أشهر على الأقل، إذا أراد الترشح للانتخابات الرئاسيّة، لتحقيق حدٍّ مقبولٍ من التوازن بين المرشحين، ويوحي أردوغان بأنّ النتيجة محسومة، ويضرب مواعيد لما بعد الانتخابات، بل عدَّ أيَّ احتمالٍ لنجاحِ المعارضة انقلاباً على الدولةِ التركيّةِ.
يسخّر أردوغان إمكاناتِ الدولة ومؤسساتها، وخاصة الأمنيّة والإعلاميّة لخدمةِ حملته الانتخابيّة، وقد تعمد أن يكون تدشين المشاريع، وافتتاح المعارض والإعلان عن كلّ الإنجازات متوافقاً مع حملته الانتخابيّة.
تحتملُ السياسةُ التركيّةُ أشكالِ الخطأ كالفسادِ والتقصير، والتعتيم الإعلاميّ والتضييق على الأهالي والغلاء المعيشيّ والتقصير في الخدمات ومواجهةِ الكوارث، والعدوان على دول الجوار، ولكن من غير المسموحِ بخطأ انتخابيّ.
نشاط مفاجئ… وإعلان قرن تركيا
أعلن الثلاثاء 25/4/2023 عن مرض أردوغان، وتوقفه عن مواصلة حملته الانتخابيّة، ولجأ إلى العالمِ الافتراضيّ (الفيديو كونفرانس) في افتتاح محطة أكويو النوويّة في مرسين، وأعلن تركيا دولة نوويّة، ويوم السبت ظهر بغاية النشاط، بقدرةِ قادرٍ، بين حشودٍ من مؤيديه في مدينتي إسطنبول، وإزمير.
كلّ حركة وسكنة لدى أردوغان مسخرةٌ للمعركةِ الانتخابيّة، وقصةُ الوعكة الصحيّة التي ألمت به لا تخرجُ عن السياق الانتخابيّ، والسؤال هل مرض أردوغان عارضٌ أم تكتيتك انتخابيّ، مجازيّ، فالحقيقةُ، أنّه يستثمرُ كلّ التفاصيل لغاية انتخابيّة، ويتبنّى خطاباً شعبويّاً للداخل يستقطب به أنصاره، ويؤكد دائماً على أنه ضمانة حماية تركيا من مختلف الأخطار وإسقاط المؤامرات، ويذكرنا يوم قال عن محاولة الانقلاب المزعومة في 15/7/2016 بأنّها “نعمة إلهيّة”!
نفتِ الرئاسة ما تم تداوله بأنّ أردوغان أصيب بنوبةٍ قلبيّة، ولسان حالها: الرئيس مريضٌ، ولكنه ليس بدرجة الخطورة، في رسالة للناخبين: انتخبوا من يضحي بصحته لأجلكم! والصحيح أنّ هواجس الانتخاباتِ هي مرضه! وما يحدث تكتيكٌ انتخابيّ.
في إستنبول افتتح أردوغان معرض “تكنوفيست” للطيران والصناعات التكنولوجيّة وحضر برفقته الرئيس الأذربيجانيّ إلهام علييف، ورئيس وزراء ليبيا عبد الحميد الدبيبة، وكانت الزيارة للاستعراض! وخاطب الدبيبة أردوغان بـ “سيدي الرئيس”، فيما أعلن أردوغان في كلمته في افتتاح المعرض إطلاق “قرن جديد لتركيا”، وانتقد معارضيه قائلاً: إنَّ “التصريحات الفاضحة، التي أدلوا بها في الأيام الأخيرة تكشفُ عن كراهيتهم وحقدهم”، وفي سياق التكتيك الانتخابيّ فجّر أردوغان مفاجأةً بزيارةِ مدينة إزمير أحد معاقل حزب الشعبِ الجمهوريّ!
حضر أردوغان إلى معرض “تكنوفيست” للتكنولوجيا في سيارة “توغ” الكهربائيّة تركية الصنع، يقودها الرئيس الأذربيجانيّ إلهام علييف، وكان أردوغان قد تسلم في 3/4/2023 مفتاح أول سيارة، وتمّ تسجيلها باسم زوجته أمينة، والثانية من نصيب الرئاسة التركيّة فيما الثالثة للرئيس الأذربيجانيّ.
وقال أردوغان: “لدينا مسيّرات (قيزيل إيلما) تطير، وسيارة (توغ) المحليّة الصنع معروضة للبيع، وتم تسليم سفينة حاملة للطائرات المسيرة TCG Anadolu للقوات البحريّة التركيّة، وسيتم إتاحتها للزوار في إزمير، وبهذه الإنجازات أظهرنا بأنَّ التبعية الخارجيّة ليست قدراً”.
ونشر أردوغان، تغريدة على حسابه في تويتر، أرفقها بمقطع فيديو للطائرة التركيّة “حرجت”، من إنتاج شركة “توساش” في أول تحليق لها، قائلاً: “الحمد لله، فلتكن هدية لقرن تركيا”.
أردوغان متمرسٌ في اللعبة الانتخابيّة، ويهتم بأدقِّ تفاصيلها، وهو لم يقم بالنشاط الكبير واللافت لمجرد طمأنة ناخبيه على وضعه الصحيّ، بل كان سببه المباشر، هو انطلاق الانتخابات بالنسبة للأتراك في الخارج (دول أوروبا)، يوم السبت وقد أراد توجيه رسائله إليهم، ويسعى لكسب أكبر عدد من أصواتهم، ونسبتهم تتجاوز خمسة بالمائة، أي تتجاوز نسبة معظم الأحزاب التركيّة، ووفقاً للجنة العليا للانتخابات، فإنّ عدد الناخبين في الخارج ثلاثة ملايين و416 ألف و89 ناخباً، بينهم 277 ألفا و646 شخصاً يشاركون للمرة الأولى، ويضاف إليهم 2435 ناخباً في حال بقاء الانتخابات الرئاسية للجولة الثانية، وذلك من إجمالي عدد الناخبين الأتراك، الذي يبلغ 64 مليوناً و113 ألفاً و941 ناخباً.







