رامان آزاد_
رغم التوافق اللغويّ ما بين مصطلحي الإدارة المحليّة والذاتيّة، إلا أنّ الاختلافَ قانون الإدارة المحلية ومشروع الإدارة الذاتية يكمن بالإطارِ المفاهيميّ والدلاليّ وأطر الصلاحيات، والسبب يعود للاختلافِ في طبيعةِ الأساسِ الذي يرتكز إليه كلّ منهما، فقانون الإدارة المحليّة يقرُّ باللامركزيّة لكنها يضعها في إطارٍ هيكليّةٍ سلطويّة شديدة المركزيّةِ يقودها المجلس الأعلى للإدارةِ المحليّةِ، فيما الإدارة الذاتيّة تبنّت الأساسَ المجتمعيّ بصلاحياتٍ أوسع.
تدرج تاريخيّ للإدارة المحليّة
شهدت الإدارة المحليّة أو التقسيم الإداريّ للمناطق مراحلَ متباينة، ففي الحقبة العثمانيّة اعتمد نظام التقسيم إلى ولايات، وقسّمت الولاية إلى أقضية، ويتألف القضاء من عدة نواحٍ، وتضم الناحية عدة قرى، ولم تكن هناك ضوابط قانونيّة تحكم العمل الإداريّ، والوالي يتم تعيينه من السلطان ويتمتع بصلاحيات واسعة، ومهمته تحصيل الجبايات بأنواعها والتجنيد، فكانت دولة تعتاش على حساب خيرات ولاياتها.
خلال مرحلة الانتداب الفرنسيّ صدر قرار في 10/1/1936 وبموجبه قُسمّت سوريا إلى محافظات، وكلّ محافظةٍ إلى أقضية، والقضاء إلى نواح والناحية إلى قرى، وأوجد القرار مجالس محليّة ومنحها صلاحياتٍ محدودة، فكانتِ النتيجةُ أنّها كانت محدودةً في مستواها التنظيميّ وأدائها العمليّ.
بعد الاستقلال، صدر قانون البلديات رقم 172 في 23/1/1956، وكذلك قانون مجالس الأحياء والقرى (قانون المخاتير) رقم 215 لعام 1956. ثم صدر قانون التنظيمات الإداريّة رقم (496) بتاريخ 21/11/1957 والذي ألغى القرار الفرنسي وكافة تعديلاته، ولكنه لم يرتقِ عمليّاً إلى مستوى الخدمات المطلوب رغم أنّه يقوم على أساس اللامركزيّة عبر إيجاد مجالس محليّة يعتمد فيها إجراء الانتخاب النسبيّ (75% من أعضائه) من سكان المناطق المحليّة. وحالت جملة من الظروف والاضطرابات السياسيّة من تطبيق القانون، فلم تُجر الانتخابات.
ثم كانت الوحدة مع مصر في 22/2/1958. وقبيل الانفصال صدر القانون رقم 152 تاريخ 1961 الذي قضى بأن يطبق في سوريا (الإقليم الشمالي) قانون الإدارة المحلية النافذ في مصر (الإقليم الجنوبيّ)، إلا أنّ وقوع الانفصال في 28/9/1961 حال دون تطبيقه.
بدأت تجربة الإدارة المحليّة في سوريا بصدور المرسوم التشريعيّ رقم (15) في 11/5/1971 والمتضمن قانون الإدارة المحليّة السوريّ، وأنشئت وزارة الإدارة المحليّة بالمرسوم التشريعيّ رقم (27) بتاريخ 3/8/1971، وصدرت اللائحة التنفيذيّة لقانون الإدارة المحليّة بالمرسوم رقم (2297) بتاريخ 18/9/1971.
ونصتِ المادة (129) من الدستور السوريّ الدائم لعام 1973: “مجالس الشعب المحليّة هي هيئات منتخبة تمارسُ سلطاتها في الوحدات الإداريّة وفقاً لأحكام القانون”. ونصّتِ المادة (130): “يُحدد القانون اختصاصات مجالس الشعب المحليّة وطريقة انتخابها وتكوينها وحقوق أعضائها وواجباتهم وجميع الأحكام الأخرى المتصلة بها”.
وبعد انطلاق الأزمة السوريّة صدر في 23/8/2011 المرسوم 107 الخاص بالإدارة المحليّة والذي جاء في إطار حزمة إصلاحات لاحتواء تداعياتِ الأزمة، والذي ذكر بوضوحٍ أكثر أسلوب الإدارة اللامركزيّة. وأكّد على نقل بعض المسؤوليات السياسيّة والإداريّة من المركز (دمشق) إلى الأطراف ممثلين بمسؤولين منتخَبين ومعيَّنين يعملون على المستويَين المناطقي والمحليّ، ولكن العقدة تكمن في مدى تمثيل هذه المجالس للقواعد التي انتخبتها وأسلوب الانتخاب، وعلى تمتّعها بصلاحياتٍ كافية لتستجيب بفعّاليّة للاحتياجات والمطالب المحلية. وقد تنبثق طبقة إضافيّة من الإدارة البيروقراطية محصّنة من المساءلة.

اللامركزيّة في القانون السوريّ
مبدأ اللامركزيّة لم يكن اجتراحاً من قبل الإدارةِ الذاتيّة في شمال وشرق سوريا، وإذا كانت دساتير دول العالم قد نصّت عليه بصيغ مختلفة، إلا أنّ المطلوب ليس استنساخاً لتجربة أيّة دولة، بل التوصل إلى أفضل صيغة حوكمة تتوافقُ مع تعدديّة الشعب السوريّ وغنى روافده الثقافيّة.
في الفصل الأول عرف قانون الإدارة المحليّة الذي صدر في 23/8/2011 بموجب المرسوم 107، الخطة الوطنية اللامركزيّةّ: الخطة التي يتم بموجبها نقل اختصاصاتها من السلطة المركزيّة إلى السلطة المحليّة.
وورد في المادة الثانية منه، أنّ القانون يهدفُ إلى: “تطبيق لامركزيّة السلطاتِ والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقا لمبدأ الديمقراطيّة الذي يجعلُ الشعبَ مصدرَ كلِّ سلطةٍ وذلك من خلال توسيعِ وتحديدٍ واضحٍ وغير مزدوج لسلطاتِ وصلاحياتِ مجالس الوحدات الإداريّة لتمكينها من تأدية اختصاصاتها ومهامها في تطوير الوحدة الإداريّة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وعمرانيّاً”.
وجاء في المادة السابعة من القانون نفسه: “تتكون الجمهورية العربيّة السوريّة من وحدات إداريّة تتمتع بالشخصيّة الاعتباريّة والاستقلال الماليّ والإداريّ وهي (المحافظة، المدينة، البلدة، البلدية)”.
ووصف القانون 107، من قبل الإعلام الرسميّ بأنّه “خطوة في تطبيق لامركزيّة السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقاً لمبدأ الديمقراطيّة الذي يجعل الشعب مصدر كلّ سلطة وذلك من خلال تحديد واضح غير مزدوجٍ وتوسيع لسلطات وصلاحيات مجلس الوحدات الإدارية لتمكينها من تأدية اختصاصاتها ومهامها في تطوير الوحدة الإداريّة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وعمرانيّاً، وتنفيذ المشاريع الخاصة بكفاءةٍ وفعاليّة. ورد في المادة (2) من دستور 2012: “السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها، وتقوم على مبدأ “حكم الشعب بالشعب وللشعب”، وورد في المادة 130: تتكون الجمهورية العربية السوريّة من وحدات إدارية، ويبين القانون عددها وحدودها واختصاصاتها ومدى تمتعها بالشخصية الاعتبارية واستقلالها المالي والإداريّ.
المادة الثانية عشرة: “المجالس المنتخبة ديمقراطيّاً على الصعيد الوطنيّ أو المحليّ مؤسسات يمارس المواطنون عبرها دورهم في السيادة وبناء الدولة وقيادة المجتمع”.
وجاء في المادة 131: “يرتكز تنظيم الوحدات الإداريّة على تطبيق مبدأ لا مركزيّة السلطة والمسؤوليّات، ويبين القانون علاقة هذه الوحدات بالسلطة المركزيّة واختصاصاتها وإيراداتها المالية والرقابة على أعمالها، كما يُبين طريقة تعيين أو انتخاب رؤسائها، وكذلك اختصاصاتهم واختصاصات رؤساء المصالح فيها”.
أي أنَّ لكل وحدة إداريّة محليّة نطاقاً جغرافيّاً محدّداً، تمارس فيه نشاطاتها ذاتيّاً، وتتمتع بالحماية القانونيّة، عبر منحها الحق في إدارة شؤونها ذاتيّاً، بموجب صلاحيات يمنحها الدستور.







