رامان آزاد_
يتزامن الانفتاحُ العربيّ على دمشق بزخمه اللافت مع تباطؤ أقرب للتعثرِ في المسارِ التصالحيّ التركيّ ــ السوريّ، ففيما تستعجل حكومة أنقرة التقدّم فيه لتكسبَ عوائده في الانتخاباتِ البرلمانيّة والرئاسيّة التي سَتُجرى في 14/5/2023، تشترطُ دمشق انسحاباً تركيّاً لتقدّم المحادثات، خلافاً لموقف موسكو، ليبدو أنّ دمشق تتريث حتى اتضاحِ المشهد السياسيّ في تركيا وتعوّلُ أكثر على الانفتاحِ العربيّ عليها.
مسار تصالحيّ مُتعثّر
أبدت أنقرة استعجالاً مبكراً لتسريع المسار التصالحيّ مع دمشق لتحقيق مكاسب انتخابيّة، وجاء ذلك تحت ضغط عاملين بشكلٍ أساسيّ، الأول الاستجابة للضغوط الروسيّة، التي انفردت بقيادة الملف السوريّ، لتحصر كلّ المباحثات في إطار شركاء أستانا، فيما سُمّي “أستنة” القضية السوريّة والالتفاف على مرجعية جنيف، والثاني بسبب الاستحقاق الانتخابيّ، فقد دعت المعارضة التركيّة إلى التصالح مع دمشق، وأراد الحزب الحاكم سحب المبادرة من المعارضة لكسب التأييد الشعبيّ، فبعد تفاقم الأزمة الاقتصاديّة ارتفعت الأصوات المناهضة لوجود اللاجئين السوريين على الأراضي التركيّة، لتزيد معها نسبة الأتراك المؤيدين للتصالح مع دمشق.
استبشرت أنقرة بعقد اجتماعٍ على مستوى وزراء الخارجية في 28/12/2022، وأعلن أردوغان في 5/1/2023، عن لقاءٍ مُقبلٍ سيُعقد بين وزراء خارجية تركيا وروسيا وسوريا في إطار مسار ثلاثي، وقال “لقد بدأنا عملية روسيّة – تركيّة – سوريّة جديدة”.
وفي خطوةٍ إضافيّة للتقارب مع دمشق قال الرئيس التركيّ أردوغان، في 15/1/2023، إنّه اقترح على نظيره الروسي فلاديمير بوتين تأسيس آلية ثلاثيّة مع سوريا لتسريع المسار الدبلوماسيّ بين أنقرة ودمشق. ونقلت “خبر ترك” عنه قوله للصحفيين بعد زيارة لتركمانستان إنّه عرض على بوتين المبادرة بعقد سلسلة من الاجتماعات بين تركيا وروسيا وسوريا لتناول العلاقات مع دمشق والتي اتسمت بالتوتر منذ فترة طويلة، وقال: “أولاً أجهزة مخابراتنا ثم وزراء الدفاع ثم وزراء خارجية (الدول الثلاث) يمكنهم الاجتماع. بعد اجتماعاتهم، ربما نجتمع نحن كزعماء. عرضت الأمر على السيد بوتين ولديه رؤية إيجابية بشأنه”.
إلا أنّ المسار التصالحيّ تعثّر ولم تستجب دمشق ضمن المهلِ التي اقترحتها أنقرة، واشترطت دمشق على أعلى المستويات أنّ يرتبط تقدمُ المفاوضات بانسحابِ الجيش التركي من الأراضي السوريّة، ولذلك كان أقصى ما تحقق هو اجتماعٌ لنوابِ وزراء خارجية (روسيا وتركيا وسوريا وإيران) في 3/4/2023 في موسكو، وذلك بعد تأجيل موعده لأسبوعين. وأكّد أيمن سوسان معاون وزير الخارجيّة السوريّ: أنّ “إعلان تركيا رسميّاً سحبَ قواتها من الأراضي السوريّة كافة هو المدخلُ لإعادة التواصل بين الجانبين”.
تشكّل قضية الانسحاب التركيّ من الأراضي السوريّة المحتلة، نقطة خلافٍ أساسيّة بين موسكو ودمشق، فالجانبُ الروسيّ يؤيدُ استمرار المفاوضاتِ، دون اشتراط سحب الجيش التركي، وهو موقفٌ ينسجمُ مع دعمها لبقاءِ أردوغان في السلطة.
ومع العدِّ التنازلي للانتخابات التركيّة جدّد وزير الخارجيّة التركيّ الحديثَ عن اجتماع على مستوى وزراء الخارجيّة مطلع أيار المقبل، ومساء الأربعاء 12/4/2023، أعلنت المتحدثة الرسمية لوزارة الخارجية الروسيّة ماريا زاخاروفا عن استعدادات “مكثفة” لعقد اجتماع لوزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران وسوريا، بشأن مساعي التطبيع بين أنقرة ودمشق، بما في ذلك الاتفاق على موعد متوقع في مطلع أيار المقبل.

بعد تقارب الرياض وطهران تعويل على الاحتضان العربيّ
من الواضح أنّ دمشق تتريث في مسار التطبيع مع أنقرة، خلافاً لإرادةِ موسكو، والمسألة تتعلق بنتائج الانتخابات التركيّة في 14/5/2023، الذي يحدد مصير حزب العدالة والتنمية ومن يقود دفة السياسة في أنقرة، وتعوّل أكثر على الانفتاح العربيّ عليها بعد قطيعة بدأت مع الأزمة السوريّة، وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية السوريّ فيصل المقداد إلى الرياض الأربعاء قبل يومين من اجتماع عربيّ موسّع في جدة الجمعة 14/4/2023، وضمّ وزراء خارجية العراق والأردن ومصر ودول مجلس التعاون الخليجيّ، لبحث مسألة احتضان سوريا عربيّاً وإعادة عضويتها إلى الجامعة العربيّة، وكانت الجامعة العربيّة قد علّقت عضويّة سوريا في اجتماع طارئ لوزراء الخارجيّة العرب عُقد في القاهرة في 12/11/2011، حتى التزام الحكومة السوريّة بتنفيذ بنود المبادرة العربية. وطالب القرار “الدول العربيّة بسحب سفرائها من دمشق”، لكنه اعتبر ذلك “قراراً سياديّاً لكلِّ دولةٍ”.
وخلال زيارته الأخيرة إلى موسكو قال الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة على قناة آر تي الروسيّة نشرت في 16/3/2023: إنَّ بلاده منفتحةٌ على التعاونِ الثنائيّ مع الدول العربيّة الذي لا يقلُّ أهميةً عن العودةِ لجامعةِ الدولِ العربيّةِ، معتبراً أنَّ سوريا لم تعد ساحةَ صراع بين السعودية وإيران. موضحاً أنّ العودةَ لجامعة الدول العربية “ليست غاية في حد ذاتها إذا لم تكن سوريا محلَّ توافق وليس محل انقسام”. وعلّق على الاتفاق السعودي – الإيراني لاستئناف العلاقات الدبلوماسيّة بين البلدين، قال: “إنّ هذه الخطوة إيجابيّة و”مفاجأة رائعة” ولا بد أن تنعكسَ إيجاباً على المنطقة، مضيفاً أن المطالب العربيّة بقطع العلاقات بين دمشق وطهران لم تعد تُثار”.
من الواضح أنّ التقارب العربي مع دمشق اكتسب زخماً كبيراً بعد المصالحة بين الرياض وطهران والحديث عن افتتاح السفارات مجدداً، ذلك لأنّ السعودية تمثل ثقلاً عربيّاً نوعياً من جهة، ومن جهة لأنّ معظم خلافاتها مع المحيط العربيّ ترتبط بشكلٍ أو بآخر بعلاقاتها مع إيران، وهذا ما تبدو آثاره المباشرة في الملفين اليمنيّ والسوريّ. وجاء بعد إعلانِ الرياض وقفَ العمليات العسكريّة في اليمن وإيفاد وفدٍ للتفاوضِ مع الحوثيين.
وفي سياقِ الاحتضان العربيّ أعلنت وزارة الخارجية العُمانية الخميس 13/4/2023، دعمها لعودة سوريا إلى حضنها العربيّ بعد قطيعة استمرت أكثر من 12 عاماً، وأعلنت دمشق الأربعاء، إعادة فتح سفارتها في تونس، وقالت إنّها ستعيّن سفيرها هناك “قريباً”، وذلك بعد إعلان الرئاسة التونسيّة في 3/4/2023، أنّ الرئيس التونسي قيس سعيد، أعطى تعليمات لوزير الخارجية نبيل عمار بالشروع في إجراءات تعيين سفير لبلاده في دمشق التي تم إبلاغها بذلك باتصال هاتفيّ مع الوزير السوريّ فيصل المقداد.
كان الزلزال المدمّر الذي وقع في 6/2/2023، مناسبة هامة ومحطة تحوّل سياسيّ، وتلقت دمشق كميات كبيرة من المساعدات الإغاثيّة من دول عربية في مقدمها الإمارات والسعودية وزار وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، دمشق في 12/2/2023. كما جرت اتصالات على أعلى المستويات من دول مصر والبحرين
وكانت أبو ظبي في مقدمة الدول العربيّة انفتاحاً على دمشق، فقد كسرت جمود العلاقات وأعادت فتح سفارتها في دمشق في 27/12/2018، وزارها وزير الخارجية الإمارات في مناسبات عديدة أولها في 9/11/2021، وآخرها زيارة عمل للوزير الإماراتي في 4/14/2023







