سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بير رستم: “الأنظمة القمعية لا تتغير إلا بإسقاطها داخلياً أو خارجياً”

أكد الكاتب والناشط السياسي الكردي بير رستم أن التهديدات التركية تلت لقاء القمة الرباعي الذي جمع رؤساء كل من الدول تركيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، وقال: “يبدو أن القيادة التركية تريد أن تقول؛ بأنها أخذت الضوء الأخضر من القمة، رغم أن التصريحات والتحركات الفرنسية والأمريكية جاءت لتدحض أي ادعاء تركي؛ بأن هناك ضوء أخضر لها من الجانب الأوروبي أو الأمريكي”. وأشار إلى أن مقولة تركيا بمحاربة الإرهاب في شرق الفرات باطلة وغير صحيحة ولا تملك ذرة من المصداقية؛ وادعائها بأن حربها ليست ضد الكرد عموماً وهي ضد فصيل معين، وأكد: “إذاً لماذا لم تُسلم عفرين من بعد احتلالها لأصدقائها وحلفائها في المجلس الوطني الكردي المواليين لها؟!. سيمضي الأمريكان في مشروعهم السياسي مع محاولة امتصاص الضغط كي لا يُفسحوا المجال للروس لأن تلعب على الصراعات والخلافات وتحقق ما تريد، وذلك في محاولة منها لإفشال المشروع الأمريكي ولذلك وبقناعتي؛ فإن الأمريكان سيحاولون عدم وقوع مواجهات حقيقية بين كل من قوات سوريا الديمقراطية والجيش التركي. وباعتقادي سيبقى الأمريكان معتمدين على الكرد وقوات سوريا الديمقراطية خلال المرحلة القادمة”. وأشار إلى أن الأنظمة القمعية لا تتغير إلا بإسقاطها من خلال قوى داخلية أو خارجية، وذلك بفرض مشاريع سياسية محددة عليها.

جاء ذلك في حوار لـ آدار برس، مع الكاتب والناشط السياسي الكردي بير رستم حول التهديدات التركية ضد مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، الموقف الدولي من العدوان التركي، وموقف النظام السوري، وغيرها من أمور تتعلق بقضايا المنطقة.
وفيما يلي نص الحوار كاملاً:
ـ ازدادت التصريحات التركية في الفترة الأخيرة باجتياح شرق الفرات، وآخرها تصريح أردوغان بأنه سيحرر المظلومين في شرق الفرات؛ برأيكم لماذا في هذا التوقيت بالذات؟
أعتقد لا مشكلة بالتوقيت؛ أو بالأحرى لا جديد في التوقيت، حيث نعلم بأن التهديدات التركية لم تتوقف يوماً ضد الكرد والإدارة الذاتية على وجه الخصوص حيث حاربت وتحارب الكرد منذ اليوم الأول لتبلور مشروع الأمة الديمقراطية في روج آفا وشمال سوريا؛ ناهيكم عن محاربتها للقضية الكردية عموماً وحتى قبل ولادة حزب العمال الكردستاني، بل بولادة الدولة التركية أو الجمهورية التركية الحديثة على يد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك. نعلم بأن الصراع الكردي التركي يمتد إلى أيام الخلافة والدولة العثمانية وصراعاتها مع الإمارات والممالك الكردية الإقطاعية، ولذلك لا أعتقد بأن هناك ما يدعو للاستغراب والتساؤل بخصوص تهديدات تركيا، لكن ربما هناك نوع من النبرة العالية خلال الأيام الأخيرة التي تلت لقاء القمة الرباعي والذي جمع رؤساء كل من الدول التالية: تركيا وفرنسا وروسيا وألمانيا ويبدو أن القيادة التركية تريد أن تقول؛ بأنها أخذت الضوء الأخضر من القمة، رغم أن التصريحات والتحركات الفرنسية والأمريكية جاءت لتدحض أي ادعاء تركي في ذلك؛ وبأن هناك ضوء أخضر لها من الجانب الأوروبي أو الأمريكي.
ـ هناك من يقول إن التهديدات التركية جاءت قبل جنيف المقبل لأن الإدارة الذاتية ستشارك في تلك النقاشات، وأردوغان لا يُريد ذلك، كيف تُقيّمون هذا الكلام؟
أعتقد فيه جزء كبير من الحقيقة بخصوص محاولات تركيا وبكل السُبل للوقوف في وجه المشاركة السياسية للكرد ونقصد به هنا الطرف الذي يمثل الإدارة الذاتية الديمقراطية، كون هناك المجلس الوطني يشارك دون معارضة تركية ولأسباب باتت معروفة للجميع وهي ليست كما تدّعي تركيا بأن الإدارة الذاتية تحت هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي وأن هذه الأخيرة جزء من منظومة العمال الكردستاني المصنفة على لوائح الإرهاب. وبالتالي ومن منطلق “محاربة الإرهاب” فهي أي تركيا تُمانع مشاركة الإدارة الذاتية، رغم أن الدعم الأمريكي الأوروبي لتلك الإدارة وقواتها العسكرية تُفنّد كل افتراءات تركيا، بل صرّحت القيادات الأمريكية علنيةً، بأن حزب العمال الكردستاني شيء والاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية في شمال سوريا شيء آخر، وبالتالي فإن مقولة تركيا بمحاربة الإرهاب في شرق الفرات باطلة، ولو كانت تملك ذرة من المصداقية؛ وبأن حربها ليست ضد الكرد عموماً، لسلّمت عفرين من بعد احتلالها لأصدقائها وحلفائها في المجلس الوطني الكردي الموالين لها. وهكذا فإن تركيا وكما قالها أحد رؤسائها وبكل شفافية؛ هم “ضد خيمة كردية ولو في أفريقيا” حيث إنهم يحاربون الطرف الكردي القوي والذي يمكن أن يكون قادراً على تحقيق بعض المكاسب على الأرض، كما الحال مع الإدارة الذاتية في روج آفا وشمال سوريا، بينما يُغمِضون العين عن المجلس الوطني الكردي، كونهم يدركون جيداً بأن المجلس أضعف بكثير من تحقيق شيء ما على الأرض، وأن مشروعهم السياسي لن يكون أكثر من مشروع على الورق أو “نمر من ورق”، كما يقال.
ـ الحكومة الأمريكية صامتة حتى اللحظة عن كل ما يجري ضد الشمال السوري رغم التصريحات السابقة عن دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، برأيكم هل ستوضح أمريكا موقفها قريباً؟
الأمريكان والغربيون عموماً بعكسنا نحن الشرقيين، حيث إنهم يعملون أكثر مما يقولون، بينما نحن ومشاريعنا عبارة عن سجالات وخطابات كلامية أكثر ما تكون كيانات تتحقق على الأرض، وصدق من قال: بأن “العرب ظاهرة صوتية”، طبعاً المقولة تنطبق على عموم شعوبنا الشرقية الإسلامية، حيث نهتم بالكلام أكثر من اهتمامنا بالفعل والعمل وهذه ظاهرة شائعة مع كل أسفٍ. ولذلك؛ تأخرنا ونحن نجادل حول “ذنب الكلب”، بينما هم غزو الفضاء بعد أن غزو بلادنا، وما أريد أن نقوله؛ بأن الأمريكان لن يهتموا كثيراً ببعض التهديدات الكلامية لتركيا ولا حتى ببعض القذائف التي سقطت على المناطق الحدودية، بل سيمضون في مشروعهم السياسي مع محاولة امتصاص الضغط كي لا يعطوا المجال للروس لكي يلعبوا على الصراعات والخلافات وذلك في محاولة منها لإفشال أمريكا ولذلك وبقناعتي فإن الأمريكان سيحاولون عدم وقوع مواجهات حقيقية بين كل من قوات سوريا الديمقراطية والجيش التركي وذلك بنوع من المهادنة وإرضاء كل الفرقاء، لكن لو أصرّت تركيا على المضي في اعتداءاتها؛ فإن الأمريكان سيقفون في وجهها، كونه عند ذلك سيُعرض الوجود الأمريكي في المنطقة للخطر، وبالتالي مشاريعهم الاستراتيجية هي الأخرى في خطر حقيقي وهذا ما لن تقبله أمريكا.
ـ هناك تصريحات مقتضبة من جهة النظام السوري تجاه العدوان التركي على شرق الفرات، منها ما يتسم بالسخرية كما في تصريح فيصل المقداد، كيف تقرؤون تصريحات النظام؟
إن النظام السوري وبعد ثماني سنوات من الكارثة والمقتلة السورية لم يقتنع بعد بأنه لا يمكن العودة إلى ما قبل عام 2011، وحكم البلاد بتلك العقلية الأمنية البوليسية، حيث وللأسف ما زال النظام يقدم ذاك الخطاب الخشبي المتكلس ومن دون أن يفكر ولو للحظة، بأن الزمن تغيّر والواقع كذلك ومن مختلف النواحي السياسية والعسكرية وحتى الاجتماعية. وبالتالي لن تكون هناك سوريا التي عاشت عقود من الزمن تحت حكم البعث والأمن في دولة قمعية أمنية، بل وإن كنا نحن السوريين وبمختلف مكوناتنا القومية والدينية والسياسية جادين في البحث علن الحلول، فما علينا إلا أن نبحث عن حل يرضينا جميعاً. ولذلك؛ لا بد أولاً التخلص من تلك العقلية البائدة والتي كانت تمارس بفرض إرادة طرف سياسي على الآخرين، بل علينا الاعتراف بأن سوريا تتكون من طيف واسع من مكونات مجتمعية لها جميعاً الحقوق نفسها كما عليها الواجبات نفسها. لكن؛ يبدو أن هذه الأنظمة القمعية لا تتغير إلا بإسقاطها من خلال قوى داخلية أو خارجية، وذلك بفرض مشاريع سياسية محددة عليها، وبقناعتي وبعد إفشال التغيير من الداخل نتيجة عوامل عدة منها ركوب التيارات الراديكالية الإسلامية، فإن الدول الفاعلة هي التي ستفرض التغيير على النظام السوري وستُجبِره على المضي في قبول التغيير، لكن ما يؤخر الحلول هو الصراع الدولي على مناطق النفوذ في البلاد، ونعلم بأن الأمريكان يسيطرون على جزء كبير من سوريا مع قوات سوريا الديمقراطية الحليفة، بينما الروس هم من يسيطرون على النظام ومناطقه، وبالتالي؛ فإن تصريحات المقداد وغير المقداد هي رسائل روسية للأمريكان، لكن في الأخير لن تكون هناك إلا طاولة المفاوضات والنظام لا حول ولا قوة له وسوف يخضع لما يقرره الداعم الروسي الذي لا يمكنه تقديم الدعم له إلى ما لا نهاية.
ـ بين النظام وتركيا وإيران ومصالحهم، إلى أين يسير الوضع في شمال وشرق سوريا برأيكم؟
لو كانت الأمور واقفة على قرارات وإرادات تلك الدول لكنّا وجدنا اتفاقاً أمنياً على غرار اتفاقاتهم الأمنية السابقة بخصوص الحدود وملاحقة ما يسمونها العناصر الإرهابية وهم هنا يقصدون الكرد طبعاً، وبالتالي كانوا وأدوا شمال وشرق سوريا؛ أي مشروع الإدارة الذاتية في المهد. لكن؛ وبما أن هناك قوى دولية موجودة على الأرض، ولها مصالح استراتيجية بالمنطقة فلا أعتقد بأن يكون بمقدور هذه الدول أن تحدد مصير تلك المنطقة ولا حتى غيرها، في الختام؛ لن يكون هناك غير ما تُمليه مصالح الدول السيادية وبالتأكيد إن مصلحة تلك الدول هو في إيجاد بعض الحلول والتفاهمات بين مجموع القوى المحلية المتصارعة والتوافق على تشكيل كيان سياسي هش وضعيف مرتهن للدول الراعية لتلك التفاهمات السياسية المستقبلية ووفق مسارات جنيف أو غيرها. باختصار ستكون النهاية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوقيع على دستور يضمن البقاء على سوريا دولة واحدة لا مركزية، يضمن الجزء الأساسي لحقوق مختلف مكوناتها مع الإبقاء على بعض الملفات المشتعلة دون إطفائها لتبقى الصراعات فيها قائمة لتُدخل الآخرين من خلالها.

التعليقات مغلقة.