No Result
View All Result
منبج/ خضر الجاسم ـ
شكلت سنوات الحرب وعدم الاستقرار في سوريا أرضاً خصبة لازدهار ظاهرة “الاتجار بالبشر” طمعاً بإيجاد معيشة أفضل، إلا أن معايشة ذلك الواقع والمصير المجهول أمر قد يؤدي إلى الموت، ناهيك عن الصورة المؤلمة التي تتعشش في أذهانهم.
تعد منبج، عقدة عبور رئيسية بين مناطق شمال وشرق سوريا والمناطق التي احتلتها دولة الاحتلال التركي ومرتزقة ما يسمى بـ “الجيش الوطني”، كمعبري العون وأم جلود؛ المخصصين لعبور الشاحنات، والاستيراد والتصدير، وكما يعبر من خلاله المدنيون أيضاً، فضلاً إلى معبر ”أبو كهف“، في الريف الجنوبي الغربي، الفاصل مع مناطق حكومة دمشق، المخصص لدخول البضائع التجارية لعبور العاملين والطلبة والمرضى.
إلا أن المعابر بين منبج والمناطق المحتلة لا يسلكها المواطنون عادة نتيجة إغلاقها من قبل المرتزقة ما دفع الراغبين بالهجرة إلى سلك طرق غير قانونية بعد تعذر الدخول بشكل قانوني وآمن ما يعرض حياتهم للخطر سواء على يد المرتزقة أوالجندرمة التركية.
يكشف هذا التحقيق عبر إفادات بعض الشهود، تفاصيل معقدة، أبطالها سوريون وقعوا لسوء حظ البعض منهم بدروب شائكة، يتبعها مهربو البشر، ولا تخلو من التحايل والمخاطرة وقد لا تنتهي أحداث حبكتها بمسلسل درامي مليء بالألم والضياع، نستعرض منها الآتي:
سوريا ليست مكاناً آمناً
“سرقت مني الحرب جامعتي، سوريا ليست مكاناً آمناً لبنائه”، ولهذا قرر أن يركض خلف أحلامه وأمانيه، ويعلل ذلك “حتى أكمل تعليمي أو أحصل على فرصة عمل جيدة”. تمكن من تأمين ثمن العبور، بعد أن باعت عائلته بعض مقتنيات منزلهم من الأثاث والقطع الكهربائية في سوريا، أملاً أن يعمل في تركيا من ثم يساندهم مادياً، وأيضاً يكمل تحصيله العلمي، هو لا يملك أي مصلحة للعمل في بلده، الخروج من سوريا كان الحل الأسلم بالنسبة له، وهدفه القادم “الحلم الأوروبي”. بحسب حديث أسامة العلي لصحيفتنا «روناهي» عن معاناته في الهجرة إلى أوروبا.
ويصف عملية تهريبه “بالكاد نجحت بسبب الألاعيب الملتفة التي يقوم بها المهربون”، مضيفاً أن “المهرّبين كانوا يخبرونني أن الطريق سهل، لكن ورغم أنني كنتُ أتقيد بإرشاداتهم، لم أتمكن من العبور إلى الجانب التركي في بادئ الأمر، ففشلت المرة الأولى”. وتابع “قررت السفر مرة ثانية مع آخرين بعد أن حصلنا على ضمانات من المهرب بوصولنا سالمين”، كان مصير هذه الرحلة أن تحبط بمكانها بعد أن حصل المهرب منا على المال الكافي، وتركنا في قارعة الطريق بإحدى الغابات، ويعقب “قبضت «الجندرمة» عليّ وعلى رفاقيّ، وكان مصيري الترحيل بعد أن نلنا كل صنوف الإهانة والضرب”.
“الاتجار بالبشر”؛ السوق الرائجة في سوريا
شكلت سنوات الحرب وعدم الاستقرار في سوريا أرضاً خصبة لـ “الاتجار بالبشر” من خلال تسهيل هجرة السوريين من بلدهم طمعاً بالمال (العملة الصعبة). ولكن دون هذه الوجهة مصاعب ومخاطر شتى، قد يدفع لهذا “الحلم” أو المجازفة السوريون حياتهم ثمناً باهظاً برصاص حرس الحدود التركي «الجندرمة» حيث يُقدَّر عدد ضحاياه منذ بداية الحرب بالمئات.
ولسوء حظ بعض المهاجرين وقعوا في دروب شائكة لهذا النوع من الاتجار، يتبعها مهربو البشر، ولا تخلو من التحايل والمخاطرة وقد لا تنتهي أحداث حبكتها بمسلسل درامي مليء بالألم والضياع، وفي كثير من الأوقات يكون بطلها “الموت”.
تتعدد قصص التهريب التي تكاد لا تنفك عن ألسنتنا هذه الأيام، في نقاشاتنا اليومية، وأيضاً في مواقع التواصل الاجتماعي. ومما لا شك فيه هي “قلة” من بين عشرات الحالات التي تمر عبر العديد من الطرق الشائكة بشكل شبه يومي، وتصاعدت وتيرتها في الأشهر الماضية.
أسامة العلي (25 عاماً)، أحد السوريين، والتي مثلت سيطرة مرتزقة داعش على مناطق متفرقة من سوريا في عام 2014م، “نقطة فارقة بحياته حيث ساهمت برحلة عبوره الشاقة”، والتي بدأت منذ هروبه من قبضة مرتزقة «داعش» بعد يأسه من وجود عمل يناسبه ولمستقبله العلمي الذي بات على المحك هو الآخر. الأشهر الأخيرة في عام 2014م، حملته إلى مدينة «أورفا» في باكور كردستان (شمال كردستان) بعد أن انتقل عبر طرق التهريب غير القانونية، وبمساعدة المهربين، ممن وصفهم بـ “تجار البشر”، مضيفاً “بالنسبة لهم نحن أموال متنقلة فقط”.
العلي، أشار في حديثه إلى أن رحلة الهرب التي وصفها بـ “التجربة الأكثر رعباً في حياته”. وصلت للمكان المتفق مع المهرب حيث نقطة العبور إلى الجانب التركي “تركنا المهرب نصارع الموت بمفردنا في الغابات”، ويقول: “تربصت بنا حيوانات الغابة الضارية، وقُبِضَ علينا في نهاية المطاف”. ولم تكتفِ «الجندرمة» باعتقالهم إذ يشكو الحالة “المؤلمة الفظيعة” التي مر بها في الاحتجاز ”بكيت على حال ابني الرضيع وأيضاً زوجتي بهكذا موقف مخزٍ، بيد أن “قوات مقنعة” دخلت علينا السجن، كما يذكر “ضربونا بالهراوات يمنة ويسرة، وطلبوا منا المغادرة على الفور”.

أهوال الاتجار بالبشر لا تصدق
يعيش السوريون في ظروف معيشية صعبة، نتيجة تدهور الخدمات العامة كالكهرباء، والمياه، ونقص المحروقات، والغاز، وارتفاع الأسعار بشكل شبه يومي، الأمر الذي ينذر بتزايد شدة الأزمات الاقتصادية في سوريا عموماً، إلى جانب فرض الخدمة الإلزامية على الشباب بمناطق حكومة دمشق ما يؤدي إلى تفكير السوريين بالهجرة حتى لو كانت هذه الهجرة محفوفة بالمخاطر.
رنا الأحمد، أم لطفلين، من سوريا، طمحتْ بالسفر بصحبة أطفال أخيها “تواصلتُ مع أحد المهربين، فخيرني بين أحد طريقتين للتهريب”، وتعقب “هناك طريق من منبج بطريقة غير مكفولة ومحفوفة بالمخاطر، تكلف نحو 700 دولارٍ أمريكي، بينما الطريقة الأخرى من الحسكة مكفولة تتراوح بثلاثة آلاف دولار أمريكي”.
رنا (27 عاماً)، أضافت في حديثها لصحيفتنا «روناهي»، إلى أن “كلا الطريقتين المكفولة وغير المكفولة لا تختلفان عن بعضهما البعض مع تشابه هو تعريض حياة المغادرين للخطر. المهرب يحصل على أمواله مقدّماً أو عند طرف ثالث، ويطلب منا أن نمشي قليلاً ثم يخبرنا أنه اتفق مع “الجندرمة” من أجل العبور، لكن في الواقع إذا ما قبض علينا، سيتم ترحيلنا بينما يختفي المهرب بما معه من أموال دفعناها له”.
وأردفت “فجئنا على الحدود بعدد من العوائل الذين وقعوا بشراك المهربين كان هناك أصوات قنص من قبل «الجندرمة». انتشر الخوف بين الأطفال الموجودين”، كما ذكرت بتنهد، وتضيف “لا أتمنى هذه الساعات الحالكة حتى إلى ألد أعدائي، ليكن الله في عون الناس في هكذا هجرة مجنونة”. ومع هذه الظروف المرعبة قررت أن تعود إلى بلدها سالمة، حسبما تروي.
أثناء التهريب بقطع الحدود، يُستهدَف «عابرو الحدود» من قِبَل الـ«جندرمة» من دون إنذار مسبق. وإذا تمكن المهرب من تمريرهم، فإن المهمة الأصعب حين يتركون وحدهم يصارعون الموت عبر نهر “إيفروس” الفاصل بين تركيا واليونان تارة أو مواجهة “خفر سواحل اليونان” في المتوسط تارة أخرى، ومن ينج منهم سيواجه “غابات بلغاريا” حيث الجوع والعطش والبرد أيضاً.

من الرابحون بالحرب؟
في كل حرب، هناك خاسرون وأيضاً هناك رابحون جدد، إلا أن الطبقة الأخيرة عادة ما تتشكل من طبقة “تجار الحرب وأثريائها”، أو “الطبقة المخملية”. وهؤلاء ركبوا موجة الربح السريع على حساب معاناة السوريين في تأمين قوت يومهم بالدولار الأمريكي. واستفادوا من تردي الوضع الاقتصادي فعقدوا شبكة من العلاقات الوطيدة في كافة مناطق الصراع السوري، بهدف تسهيل شبكاتهم فيما بينهم بشكل آمن وسلس، وبالتالي زيادة الحصول على الثراء الكبير.
عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة «الفيسبوك» ينشر أشخاص “مجهولي الهوية” بين الفترة والأخرى، عروضاً لتهريب البشر من سوريا إلى تركيا أو لبنان أو باشور كردستان، وبالعكس في بعض الأحيان، ويوثقون عروضهم المغرية تلك بالتواصل معهم عبر الماسنجر. وفي منشور لأحد الأشخاص على إحدى المجموعات على «الفيسبوك»، يعرض فيه طرقاً للتهريب، يقول فيها: “تهريب إلى جميع الدول والمدن السورية، بالإضافة إلى طرق تهريب مضمونة من سوريا، بما فيها طريق عسكري إلى تركيا أو لبنان”.
تواصل معد التحقيق، مع أحد هؤلاء الأشخاص، أي أصحاب عروض التهريب، عن طريق برنامج الماسنجر، لسؤاله حول عمليات التهريب، فقال المهرّب (نتحفظ عن ذكر اسمه) لدواع أمنية لصحيفتنا «روناهي»، إن “التهريب ينشط من مدينة منبج إلى ريف حلب أو من ريف الرقة الشمالي إلى كري سبي أو الحسكة، ومن ثم إلى تركيا أو إلى لبنان دون المرور على حواجز الجيش بالطبع. وتكلف العملية كاملة 700 – 3000 دولار أمريكي للشخص الواحد، من منبج وصولاً إلى مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي، ومن ثم إلى الأراضي التركية، و300 دولار من سوريا إلى لبنان”.
لم يكشف المهرب عن طريقة الخروج من مناطق شمال وشرق سوريا إلى المناطق المحتلة، حفاظاً على سرية المصلحة، كما يقول. لكنه أضاف “بعد عملية التهريب، أرسل لعائلة الشخص المغادر تسجيلاً مصوراً يرصد عبوره لكي يطمئن أهلوه عليه”. وأشار المهرب أن “عملية التهريب تستغرق يوم واحد، بحسب الوضع الأمني على الحدود”، لافتاً أن “كل يوم يقلون ركاباً أفراداً أو عوائل أيضاً، على شكل دفعات من وقت إلى آخر، فيما يستغرق العبور إلى لبنان يوم واحد”.

تعددت الأسباب والهجرة واحدة
في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، أصدرت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا قانوناً جديداً تحت اسم “مكافحة تهريب الأشخاص” يتضمن عقوبات بالغرامة المالية والسجن بحق المُهربين والمدنيين المغادرين من مناطقها أو القادمين إليها من غير المعابر الرسمية التابعة لها.
الباحثة الاجتماعية، رولا عثمان، أفادت لصحيفتنا «روناهي»، أن “مفهوم الهجرة جدلي في ظل الظروف الراهنة التي يلجأ إليها السوريون للهجرة بدوافع شتى لكنها تصب في خانة واحدة، أن استتاب الوضع السياسي، أفقدهم الأمل في الأمن والاستقرار، وتأثر بهذا العامل عدداً من الجوانب الأخرى منها؛ تدهور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية”.
رولا، أردفت بأن “البلد يمر في محنة كبيرة وينبغي ألا يترك عرضة للفراغ سيما أن أغلب المهاجرين هم من الفئة الشابة باعتبارهم الطاقة المتجددة. ويترتب على الهجرة مضار عدة منها؛ عدم تربية الأبناء على المبادئ الشرقية الأصيلة ما يؤدي إلى انحلال أخلاقي وازدياد حالات الطلاق؛ نتيجة عدم الانسجام مع الحياة في المجتمع المضيف، أما الضرر الأهم، فهي هجرة العقول والأدمغة التي تفرغ البلد من الخبرات والمؤهلات العلمية”.
رولا، أكدت في حديثها بأن “على الجهات المعنية التحرك بشكل عاجل، ووضع الحلول المناسبة. ينبغي إقامة ندوات للتوعية بخطر الهجرة، وافتتاح فرص عمل كثيرة من خلال إقامة مشاريع مختلفة ممولة ورفع الحد الأدنى من الأجور الذي سيحقق الفائدة للجميع”.

سوريا من بين الأسوأ
وأصدرت الخارجية الأمريكية، في الأول من تموز عام 2021؛ تقريراً حول “الاتجار بالبشر”. صنف هذا التقرير بعض البلدان في هذا المجال بناء على جهودها لمحاربة الآفة. وذكر التقرير أن “سوريا تعد من بين أسوأ الدول بالإتجار بالبشر”. ويرصد التقرير المذكور انعكاسات الاتجار بالبشر على الوضع الإنساني بالمجمل، إذ أوضح أن سوريا “بيئة مثالية” لانتشارها مع تحويل الحكومات في سوريا مواردها للمواجهة العسكرية، واستغلال المهربين حاجة الأشخاص الضعفاء الأمر الذي ينعكس في رواجها وازدهارها أيضاً.
الحقوقي إبراهيم الماشي، قال لصحيفتنا «روناهي»، بأن “سوريا تشهد في الفترة الأخيرة معدل هجرة مرتفع وملحوظ إلى البلدان الأوروبية والخليجية والبلدان العربية الأخرى”. ويتابع “الهجرة ليست بحدث جيد على المجتمع السوري لأنها راجت منذ خمسة عقود”.
الماشي، عدّ أن “ما يميز الهجرة الحالية هجرة الشباب وبالأخص هجرة العقول والأدمغة، وأيضاً هجرة رؤوس الأموال إلى البلدان الأوروبية أو البلدان العربية إلى درجة أنها باتت سياسة مدروسة من قبل الدول المستقبلة لهم مقابل امتيازات من مثل: وضع تشريعات ناظمة لهم من أجل تسهيل الإقامة والحصول على الجنسية وهو ما يحدث في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرها”.
الماشي، أكد في ختام حديثه بأن “على أطراف النزاع في سوريا التحلي بمسؤولية أكبر، فنحن نعيش تحت سقف وطن واحد، لذا يجب مد اليد للحوار السياسي الذي سيؤثر لاحقاً على استقطاب تلك العقول والثروات الاقتصادية وتدوير الاقتصاد والمحافظة على رؤوس الأموال الباقية التي لم تهاجر بعد وسنّ قوانين اقتصادية من أجل التمسك بهم، وتنشيط عجلة الإنتاج التي سيكون من شأنها مكافحة البطالة وزيادة السيولة النقدية التي تنعكس بآثارها على الأفراد والمجتمع عموماً”.

No Result
View All Result