No Result
View All Result
عماد الخلف_
ضرب زلزال مؤخراً مناطق واسعة من تركيا وسوريا، مُخلفاً وراءه دماراً هائلاً وخسائر بشرية تُقدّر بعشرات الآلاف وبطبيعة الحال عند الحديث عن كارثة طبيعية فمن المنطقي أن تكون “إنسانية” إلا في سوريا فالسياسة لم تسمح لها بأن تكون إنسانية بل أخذت منحىً سياسياً أكبر وأكثر من الإنساني.
جميع الأطراف تريد مكاسب سياسية وتُعلن أنها لا تريد إعطاء الطرف الآخر مكاسب سياسية، والخاسر هو الشعب السوري الذي بقي تحت أنقاض المنازل مدفوناً في الحجارة، ليبقى السوري رهن قرار يحاول العودة به إلى ما قبل 2011 أو كما يرغب به النظام، وآخر مرتهن للخارج كما تُمليه وترغب به ما تسمى بالمعارضة.
الداخل يتحرّك والخارج ينتظر موافقة الحكومة السوريّة
في تفاصيل الأحداث التي تسارعت في الداخل السوري وتباطؤها في المحيط الخارجي بادرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بإرسال مساعدات إغاثية ومشتقات نفطية للمناطق المنكوبة في الشمال والداخل السوري، وهذه الخطوة كانت طبيعية ولا تنتظر الشكر عليها من أحد، ولكن بعد وقت قصير اتضحت الآراء في كلتا المنطقتين لم يسمحوا بمرور هذه القوافل وبدأوا استجداء الدول العربية والغربية لإرسال المساعدات، أليسَ غريباً أن يُمنع دخول المساعدات من الداخل وتُطلب من الخارج؟
من وصل إلى سوريا هم مسؤولون من الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وصلوا إلى دمشق وبدون مساعدات، بعدها عُقدت اجتماعات مع حكومة دمشق ولقاءات مع الرئيس بشار الأسد، ومن ثم تم الانتقال الى شمال غرب سوريا ليخرج التصريح الصريح من الأمم المتحدة عندما صرّح نائب الأمين العام للأمم المتحدة بأنهم خذلوا الشعب السوري، ليتضح جلياً فشل الأمم المتحدة في إيجاد آليات مناسبة لإيصال المساعدات للمستحقين رغم تصريح واضح خرج عن اجتماع مجلس الأمن بأن بشار الأسد وافق على فتح معبرين إضافيين!
وهنا لا بد من الحديث عن مؤامرة ضد الشعب السوري وأطرافها المجتمع الدولي والنظام التركي وحكومة دمشق.

استغلال الكارثة على حِساب دماء الشعب مرة أخرى
لقد رأت حكومة دمشق في الكارثة مكسباً كبيراً وبداية لطريق التطبيع مع العديد من الدول، والأولوية بالتأكيد للدول العربية، التي بدت للمهتمين بالشأن السياسي السوري على وجه الخصوص، أن النية كانت مبيتة سابقاً من قبل بعض الدول العربية، وإنها كانت تنتظر الفرصة السانحة للعودة إلى التطبيع وتعويم حكومة دمشق، مثل الإمارات التي لم تخفِ دعمها حتى قبل الكارثة، كذلك الجزائر التي تلعب دوراً جاداً في دعم النظام وحاولت إشراك سوريا في القمة العربية الأخيرة على أراضيها، والحديث الآن عن مبادرة لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية وشروط سعودية ووساطة مصريّة إماراتية وأخرى أردنية، والهدف هو الحد من الدور الإيراني كما يبدو، سنتحدث عنه عندما تصبح الأمور أكثر وضوحاً هذا من جهة، ومن جهة أخرى سعت حكومة دمشق وداعميها للحصول على المساعدة من خلالهم فقط إذا حدث هذا، فإن مشروع إيصال المساعدات عبر الحدود سيتوقف ويصبح عبر الخطوط المتفق عليها.
أما المعارضة التي صرّح رئيس حكومتها “المزعومة” بأنه لا يريد إعطاء أي طرف مكاسب سياسية وكان منشغلاً بإلقاء الاتهامات أكثر من انشغاله بالسوريين تحت الأنقاض، رغم أنه يصير في كل ظهور بقوله إنهم كذلك، حكومة شرعية تستمد شرعيتها من الائتلاف المعارض المعترف به من قبل دول كثيرة على حد قوله، واللافت هنا أن شرعيتها لم تأتِ من الشعب السوري، بل من مموليها وداعميها، وها نحن نعود إلى دائرة المنصب والكرسي و”كأنك يا أبو زيد ما غزيت”!
إنسانية الإدارة الذاتية لامست القلوب
وهنا لا بد من ذكر نقطة هامة، فرغم الخلاف الكبير بين حكومة دمشق ومن يُسمون أنفسهم بالمعارضة، لكنهم اتفقوا على اتهام الإدارة الذاتية بالانفصال، أثبتت هذه الكارثة أن الطرفين منفصلين “ظاهرياً” ليس فقط عن بعضهما البعض، لكن أيضاً أنهما منفصلين عن سوريا والشعب السوري الذي عانى لسنوات عديدة، وكأن التعامل بين السوريين يحتاج الآن إلى موافقة ومعابر وحدود، ويحسب للإدارة الذاتية إعلان فتح المناطق الشمالية الشرقية كمناطق عبور عندما أغلقت تركيا المعبر الوحيد، واستغرق الأمر ستة أيام لوصول أول قافلة من مساعدات الأمم المحتدة، وعددها ست شاحنات، تكفي فقط لسكان مبنى واحد، بحسب ما قاله المرصد السوري لحقوق الإنسان.
بالعودة الى مساعدات الإدارة الذاتية التي بقيت قرابة أسبوع تقف على معبر أم جلود رغم محاولات فتح قنوات اتصال واستقدام وسطاء، وفي كل مرة رفض ما يسمى بـ “الحكومة المؤقتة” وجيشها اللا وطني ومرتزقتها دخول المساعدات بأوامر تركية مباشرة.
وعلى الرغم من إعلان الإدارة الذاتية أن هذه المساعدات غير مشروطة ولا نية لتحقيق مكاسب سياسية، ومع تعنت هذه الأطراف (الحكومة المؤقتة) وبأوامر تركيّة تم رفض دخول أي شيء من الإدارة الذاتية، ما اضطر الأخيرة لسحب قافلة المساعدات التي كان من الممكن أن تساعد في إنقاذ آلاف السوريين تحت الأنقاض، لكن سحب المساعدات لا يعني أن الإدارة الذاتية تخلت عن السوريين، لذا سهلت دخول القوافل التي نظمتها شعوب المنطقة من عشائر ومجتمع مدني.
أما القافلة التي توقفت عند معبر التايهة فقد دخلت مناطق الحكومة السوريّة، بعد أن استولت على الحصة الأكبر، وظل السكان المتضررين عاجزين ينتظرون في خيامهم وصول المساعدات، خاصةً في حلب، وأحياءها شبه المنكوبة حتى قبل الزلزال مثل الأشرفية والشيخ مقصود، جرّاء محاصرتها منذ سنوات وتجويعها من قبل قوات حكومة دمشق، وهم يفتقدون لأبسط مقومات الحياة فكيف لحكومة تطلب المساعدات من الدول أن تحاصر شعباً مدنياً في ظروف كهذه؟.

تصل المساعدات إلى المنكوبين أم للسارقين؟
تهافتت المساعدات إلى حكومة دمشق وإلى “الحكومة المؤقتة” وجيشها اللا وطني، لكنها لم تصل بعد إلى من يستحقها؛ كيف يمكن أن تصل؟ وللحكومتين العديد من التجارب؛ تجارب سرقة لقمة الشعوب ومصيرها؟ شهادات كثيرة تحدثت عن سرقة مواد إغاثية ووصولها إلى أماكن البيع في الأسواق والمولات والأسواق الشعبية.
كسوريين لم نتفاجأ. هذا الشيء ليس جديداً أو مثيراً للدهشة، المستغرب هو آلية إرسال المساعدات من الدول وعدم وجود نظام لتسلميها لمن يستحقها ولا يتم تسليمها إلا إلى الجهة التي تسيطر على المنطقة المنكوبة داخل سوريا أو في شمال غرب من سوريا. هذه خيبة أمل أخرى للشعب السوري.
لقد فقد الشعب السوري أرواحاً وفقدَ منازلاً، ومن لا يزال على قيد الحياة يحتاج لسنوات من الأنين على ما فقده، الرابحون هم السياسيون والخاسرون هم أبناء هذه الشعوب، ما زالت هذه الكارثة تنتظر اسماً لها، سواء أكانت إنسانية أم سياسية.
No Result
View All Result