No Result
View All Result
د. محمد فتحي عبدالعال (كاتب وباحث مصري)_
من كتاب نوستالجيا الواقع والأوهام-الحلقة الخامسة
نعود مرة أخرى إلى العملية التعليمية، ولكن مع اقتراب أكثر من خصائص الطالب المصري، ومقوماته في العهود المنصرمة، ولكن هذه المرة من محيط الجامعة وتحديدا كلية الطب.
يقول (آرثر سيسيل ألبورت) في كتابه (ساعة عدل واحدة ..الكتاب الأسود عن أحوال المستشفيات المصرية 1937-1943) وكأنه يحكي عن واقع الطلاب حالياً، إن الطلبة المصريين “يعدون الامتحانات كأنها هي بداية ونهاية العالم”، ويعلل ذلك بالكثير منهم في “فقر مدقع” وبعضهم يجد “صعوبة بالغة في تدبير مصروفات الامتحانات” ثم يضع يديه على علة العلل، وهي أن الشق النظري يأخذ من وقت الطالب أكثر من اهتمامه بالتحصيل العملي فيقول: “أقسى المتاعب التي تواجه طالب الطب المصري في الامتحانات، هي عادة حبس نفسه في منزله ساهرا الليالي المتوالية، يقرأ ويعيد ويزيد بدلا من أن يركز جهده وانتباهه، لما يحدث أمام عينيه في الأقسام الخارجية”.
لا ينكر آرثر أن إجابات الطلبة المصريين، أفضل كثيرا من نظرائهم في إنجلترا وجنوب أفريقيا، بشهادة الممتحنين من الدولتين، وأن الطالب المصري يمتاز عن الأوروبي بذاكرة ممتازة، ويدلل على ذلك بقدرة المصري على الحفظ “شفاهة وعن ظهر قلب”، لكنه يرى أن الموهبة تتوقف عند الحفظ دون الاستخدام العملي لها، وتطوير المعلومات والبناء عليها فيقول: “يبدو أن مركز الذاكرة في ذهن الطالب المصري، قد نما على حساب قدرته على تحكيم المنطق، وكيفية الاستخدام العملي للمعلومة التي استظهرها في ذاكرته العجيبة”، ويضرب مثالا على ذلك، بأنه حينما يسأل الطالب فنظره يتجه صوب السقف، ثم يعيد السؤال، وبعدها يسرد ما اشتملت عليه “صفحة كاملة من مرجع طبي، طبعت كلماتها في تلافيف ذاكرته من التكرار المستمر” لكن شتان بين النظري والعملي، فالطالب في امتحان الطب الاكلينيكي “يعتمد على نفسه وعلى قدرته في الملاحظة والإدراك”.
ولكن ماذا ترتب على ذلك في تقييم آرثر ؟! يرى آرثر، أن هذا الأمر من الصعوبات، التي تواجه الأستاذ، فعلى الأستاذ أن يسقي الطلاب العلم بالملعقة، ليحصلوا على القدر الأكبر من المعلومات بأقل قدر من الجهد.
يتحدث آرثر عن نقطة ستبهج الطالبات جداً، وهي، أن “الطالبة المصرية تبدي اهتماما أكبر بدراسة وتقصي الحالات” أكثر من الطلبة، الذي ينتظرون في أماكنهم “متوقعين أن يحضر إليهم المدرس ليسقيهم العلم”.
كم أنت قاس يا عزيزي آرثر معنا معشر الرجال!!
يحكي آرثر قصة طريفة، أنه ألف كتيباً يشرح فيه أسلوب تدوين الحالات المرضية، والتاريخ المرضي، وأنواع التحاليل المعملية الروتينية، خاصة الاختبارات الخاصة بالمناطق الحارة، لأنه لاحظ قصوراً لدى الطلبة المصريين في هذه المسألة، وطلب أن يكون الكتاب بالمجان مراعاة لحالة الطلبة، لكن الجامعة فرضت رسوما خمسة قروش؛ نظير شراء الكتاب، وأن آرثر نفسه دفعها حينما أراد نسخة من الكتاب قبل مغادرته مصر للاحتفاظ بها!
يشير آرثر أيضا إلى الداء المصري العضال، وهو الوساطة (الكوسة المصرية) في النجاح والرسوب، فيتحدث عن تدخل الممتحنين المصريين لدى الأجانب، لتعديل النتائج، ويذكر واقعة “رسوب طالب في امتحان الجراحة العامة في مادة التوليد” وثورة أستاذ أمراض النساء والولادة، بالكلية وإصراره على نجاح الطالب مهددا بالاستقالة؛ ليتضح بعد ذلك أن الطالب ابن أخ الأستاذ!
No Result
View All Result