No Result
View All Result
ريما آل كلزلي_
بعيداً عن أيّة فكرة مقصودة، وأخرى مسكونة بالفراغ، وتاريخ يناشد العدالة، وكينونة تدّعي الوعي، وثقافات تتوطن في المجتمعات، والحافز الأنطولوجي، تُثار الإشكاليات التي تطرحها أسئلة، مثل لماذا نكتب؟
وما المنفعة التي يقدمها الأدب والفنون؟
أولاً علينا أن نعرفَ لماذا كتب الكثيرون عبر التاريخ، ومنهم دوستوفسكي، أورهان باموق، ونجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف؟
ثمّ هل كانوا يودّون تفكيك نسيج العالم، لنعلمَ بعدها أن الكتابة تقدّم لنا مفهوم خاص لذواتنا، ومشاعرنا؟
الأدب هو المعادل الفنّي للحياة، حتّى وإن اعتقد البعض أن الأدب هو انعكاس للحياة، والتعبير عنه بالكتابة سكَن للنّفس مما يثقلها من التّفكير، فتخفف الفنون هذا الشعور كما قال نيتشه: “الروح مثقلة بالشّعور”، حيث بإمكان الفن منحنا نظرةً مختلفة عن الحياة.
نحن نتعرف على الفنّ بما يستطيع أن يقدمه وليس العكس، وفي سؤال وجِّه لغاربرييل ماركيز، لماذا تكتب، أجاب بقوله:
“أكتب حتى لا تجفّ مياه البحر، في هذه السفينة التي لم تغادرها لا روائحها ولا قراصنتها الملفوفين بالماء والثلج والبرد، أكتب حتى أجد مبرراً لطفولتي الطاعنة في السن والقِدم، أكتب عن ماضي /الأزقّة الجميلة/ الذباب الرائع والجميل عن الجثث الآدمية التي تطفو فوق الماء أو تُكتشف كل صباح في جوانب الطرق/ والكرسي الفارغ وعن الباب المحطم/ رسائل الشرطة/ الأحذية البالية/ الموتى/ الديكتاتور حين يبكي/ عن الوجوه الخالية من الملامح، وبلا هوية”.
هناك رأي يذهب إلى أن الأدب وظيفته ومهمته في الأساس هي التهذيب والتربية والتعليم، وهي غاية تُلحظ في اصطلاح: (أدب) و(تأديب) و(مؤدِّب) التي يدور معناها حول: التهذيب.
وهو رأي غالب في ثقافتنا العربية، أو حتى عند الأمم الأخرى في القديم وحتى العصر الحديث.
ويرى آخرون أن الأدب والفن نوع من الترفيه والتسلية، وهو بهذا المفهوم لا يحتمل أن يقوم بوظيفة، ولا يطيق أو يقوى على حمل رسالة أو توجيه، فهو ضرب من النشاط المطلوب لذاته، وجنس يقوم على الجمال ويقوم له وينعقد من أجله.
“وهو مع هذا لا يناقض بالضرورة العقائد ولا القيم، وقد يسير أحياناً مع القيم الرفيعة والأهداف النبيلة، وقد لا يسير، فليس ذلك شرطاً فيه ولا مطلوباً منه” (١).
وهذا الرأي على غرابته في التراث العربي، فإنه وجِد، “وممن نص عليه قدامة بن جعفر (ت 337هـ) في كتابه: (نقد الشعر)، إذ يرى أن للشاعر أن يضرب في أي فجٍّ من فجاج المعاني، وأن يسلك أي سبيل من سبل الأغراض حميدها ومذمومها إذا ما التزم بشرط الصياغة، واعتنى بتجويد شعره حتى يقبله الجمهور ويُذاع في الآفاق”(٢).
الفن صانع المعنى، ليس هو المعنى ذاته، مرادفه أسلوب الحياة والنهج والممارسة اليوميّة للعيش، نحن نمارس الفنون لأنها تمنحنا القدرة للتعبير عن أفكار مشتركة بيننا تهمّ الجميع.
والجمال أحد أهم أعمدة الفنون الأساسية، فكل فن يُظهر جمال التفكير، هو إبداع يرتقي بالعقول والأذواق.
وكل فنّ يُعبِّر عن ذات إنسانية، وجملته تعبّر عن ذات المجتمعات، لا تقدّر قيمته ولا يندرج تحت منفعة، فالمنفعة غاية وضعيّة، أما الفنون أكثر شمولية تتناول الواقع وتتجاوزه، تنهض بالخيال لتهذيب النفس الإنسانية، والرُقي بها.
الفن يجسّد أفكارنا، والكتابة تعبّر عن ثقافات الشّعوب وحضاراتهم بكشف مخزونهم الفكري، وتجاربهم، من خلاله نبقى على اتّصال مع الطبيعة، ولنا صلة وثيقة مع الأرض، تفتننا زرقة السّماء، وتقلّبات البحر، تسطو علينا وحشية الحزن، وبراءة الضحكة، وعمى التّاريخ.
بعيداً عن الابتذال الأدب، والفنون بمثابة الروح والجوهر من الجسد، فلا غرابة انقراض الحضارات التي لا تملك شيفرة وراثية لفنونها.
فأنا أكتب كي أكتب، أكتب وقت الجوع، وعند البكاء، وكلّما اشتهيتُ الرقص مع الحياة، في الوعي، وفي هذيان اللاوعي، أكتب كي لا يصير العالم أكثر تلبّداً، ولأفكك أزرار الجسد، أكتب لأن اللا معقول هو المعقول الوحيد.
لعلّ الفنون تساعد في الحفاظ على تراث المجتمع وهويته الثقافية، وهذا أيضًا يعزّز التواصل بين الثقافات، في جميع أنحاء العالم حيث أن الفن لغة عالمية تقوم بكسر أي حواجز ثقافية موجودة، سواء الموسيقا والتشكيل والرسم أو الترجمة للأعمال الأدبية، ومن مهام الفن حفظ التاريخ، وتغيير رؤية الشخص لثقافة مجتمعه، وتاريخه.
للكتابة سحر يتركّز حول تصوّر لوصف العوالم الخارجيّة، وأبنية النفس الدّاخليّة، فتبعث في النصوص حيوات تملأ فراغات العوالم الخفيّة.
أخيرًا: “أكتبُ ليغادرَ الموتُ أصابعي، وتعتقني الحياة”.
الهوامش:
(١) د/ وليد قصاب، في الأدب الإسلامي، دار القلم، دبي، ط 1، 1419هـ، ص 87.
(٢) المصدر نفسه ص 96.
No Result
View All Result