زينب عبد الباقي/ لبنان
د. محمد فتحي عبد العال/ مصر
رنّ الهاتف في منزل يوسف، وكان المتحدّث صديقه هاني:
“صباح الخير يا يوسف، كيف حالك؟”
– بخير، وأنت.
-أنا بخير الحمد لله، ولكنّي أجد صعوبة في حلّ مسائل الرّياضيّات المطلوبة، لامتحان نصف السّنة، فهل يمكنك أن تأتي إلى بيتي اليوم لمساعدتي في الحل؟
– بكل سرور يا صديقي. سأكون عندك في تمام السّاعة السّادسة، إن شاء الله.
– إن شاء الله. وأنا بالانتظار.
وأغلق هاني سمّاعة الهاتف، وهو يقول لأصدقائه الملتفّين حوله: “نجحت الخطّة”.
فضحك الجميع، وقال مازن بحماس: “قلت لكم أنّه سيوافق، يوسف لا يردّ طلبًا لأحد، وسيكون هنا في موعده بالضّبط. سيأتي ليساعد هاني في الرّياضيّات، فيكتشف أنّنا اجتمعنا لنحتفل بعيد ميلاده. يا لها من خطّة!”.
قاطعه فؤاد: “أخبرتكم أنّها الطريقة الوحيدة لإحضاره، فهو منذ فترة صار وحيدًا يتجنّب النّاس، ويفضِّل الانزواء، لكنّ حبّه لمساعدة من يحتاجه، وبراعته في مادّة الرّياضيّات كفيلان بجعله يوافق على المجيء”.
قال سمير: وهكذا سنقنعه بضرورة العودة إلى سابق عهده، ولن نتركه وحيدًا بعد اليوم.
قاطعهم يمان بحزم: هل سيطول حديثنا؟ هيّا بنا نعمل قبل أن يداهمنا الوقت.
وهبّ الجميع لتجهيز غرفة الاحتفال، فؤاد يزيّن الجدران، سمير ينفخ “البالونات”، ونُهى تساعد أمّ هاني في إعداد الطّعام، أمّا يمان فقد كان مسؤولًا عن تنظيم العمل، وتجهيز الشّموع إلى أن صار كلّ شيء جاهزًا قبل السّاعة السّادسة.
وفي الموعد المحدّد تحلّق الجميع حول مائدة الاحتفال، وأُطفئت الأنوار بانتظار قدوم يوسف، دقّت السّاعة ستّ دقّات، فقرع الباب، وكان القادم هو صّديق الجميع المفضّل.
استقبلته أم هاني وقادته إلى غرفة الضّيوف، حيث تجمّع الرّفاق، تعجّب يوسف من الظّلام، الذي يملأ المكان، وفي لحظة امتدّت يد من خلال العتمة؛ لتشعل الشّموع، التي تتوسّط قالب الحلوى، فرأى يوسف الابتسامات على الوجوه، وسمع أغنية العيد تتعالى من شفاه الجميع.
وقع يوسف على الأرض مغشيًّا عليه، فظنّه الرّفاق يمازحهم، وقالت نهى ضاحكةً: “إنّها المفاجأة، لم يحتملها” ثم التفتت نحوه تكمل: “هيا انهض، واطفئ الشّموع أوّلًا؛ ثمّ ارتمِ على الأرض كما تشاء”. لكنّه لم يردّ، اقتربت منه، وأمسكت يده فلم يتحرّك، خافت وصرخت: “الأمر جدّي، افعلوا شيئًا”.
ركضت أم هاني حاملة آلة قياس الضغط، وقاست ضغط يوسف فاكتشفت أنّه مرتفع جدّاً، اتّصلت بأمّه بسرعة، طمأنتها أم يوسف، وأخبرتها أنّ ابنها يحمل في حقيبته دواء للحالات المماثلة، ثم طلبت منها أن تعطيه حبّة ريثما تصل.
أغلقت أم هاني سمّاعة الهاتف، وقامت إلى يوسف الذي ساعده الأصدقاء للتّمدّد على الأريكة، أعطته حبّة الدّواء، فجلست قربه، حتى وصلت أمه فسألتها باستغراب: كيف يمكن لفتى في مثل هذا السن، أن يعاني من هذا المرض الجادّ؟
أجابت الأم: إنّه مرض وراثيّ في عائلة زوجي، وقد اكتشفناه عند يوسف منذ أشهر، فأصابه بالاكتئاب، وصار يغضب ويحزن، كلما رأى أترابه يتمتّعون بتناول ما يرغبون به، وهو ممنوع عنه.
أم هاني: فهمت، لذلك يبقى يوسف وحيدًا، بعيدًا عن رفاقه، ويتجنب الاختلاط بهم.
أم يوسف: هذا صحيح،
أم هاني: هل أكل يوسف طعامًا مالحًا اليوم؟
أم يوسف: أخبرتني مدبّرة المنزل أنّها عثرت على علبة “هوت دوج” مرميّة في سلّة المهملات، لا شكَّ أنّه هو من أكلها خفية عن الجميع.
في نفسها: يبدو أنّني أمام مهمّة جديدة تستدعي التّدخّل السّريع، قالت أم هاني.
والتفتت نحو يوسف تسأله: ماذا تعرف يا يوسف عن مخاطر المأكولات المعلّبة؟
فأجابها وقد اشتدّ حزنه: أعرف أنّها تؤدّي إلى السُّمنة، ومشاكل الضَّغط.
قالت أم هاني: وهل تعرف السّبب في هذا الأمر؟
أجاب يوسف بسرعة: الملح.
فأردفت: الجاني الرّئيس هو الصّوديوم؛ أي ملح الطّعام، الذي نستخدمه في منازلنا.
ثم تابعت: هل يعرف أحدكم من الذي أشار إلى هذه الحقيقة؟
قال هاني، وهو قارئ جيّد تشيد به معلمة العلوم، وتتوقّع له أن يصبح طبيبًا مشهورًا كوالده: سمعت من أبي أنّ المصدر لهذه المعلومات جمعيّات القلب، والمراكز الأكاديميّة لطبّ الأطفال.
قالت أم يوسف: جميل يا هاني، ولكنّ أوّل من لفت الانتباه لهذه الحقيقة طبيب عربيّ قديم، فهل تعرفه؟
قلب هاني شفته السّفلى، ولم يجب.
فقالت أم هاني: ألم تعرفه يا هاني؟ إنّه العالِم الذي قرأنا عنه معًا؛ مكتشف الدّورة الدّمويّة الصُّغرى.
ردّ هاني بسرعة: لقد عرفته، هو العالِم، الذي كان طبيبًا للسّلطان الظّاهر بيبرس، ومشرفًا على البيمارستان المنصوري. ويُروى عنه أنّه لم يتزوج ولم يترك أولادًا، لذلك أوقف كلّ ما يملك قبل وفاته للبيمارستان.
أكملت أمّه: بالضّبط، وهو الذي سبق العالِم ويليام هارفي إلى هذا الاكتشاف.
فرح الجميع بالمعلومات، وقالت أم يوسف: لقد شوّقت أصدقاءك يا هاني، فهل لك أن تميط اللّثام عن شخصيّتنا العبقريّة.
قال هاني: هو. العالِم … العربيّ … الشّهير… ابن النّفيس.
صفّق الجميع لهاني ثمّ علّق يوسف: كم فرحت حين علمت أنّ أوّل من بحث في هذا الموضوع هو عالِم عربيّ، وأنا إكراما له، سأبتعد عن الأطعمة الغنيّة بالصّوديوم، وسأتّبع نظامًا صحيًّا جيِّدا يعتمد على الخضروات والفاكهة المغذيّة.
صرخ الرّفاق بصوت واحد: ونحن أيضًا سنحذو حذوك، ونفعل ما تفعل، لنحافظ على صحتنا من اجتياح الأمراض الخطيرة، ثمّ وقفوا وقفة رجل واحد، ليحتفلوا بيوسف، الذي صار يتابع منذ ذلك اليوم أخبار الوقاية من الضّغط العالي حتى غدا مرجعًا طبيًّا موثوقًا به من قِبَل كل من يعرفه.