سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مخرجات طهران وسوتشي والتصعيد العسكريّ

رامان آزاد

لم تمنح قمتا طهران وسوتشي إذناً واضحاً لأنقرة بشن هجمات موسّعةٍ على شمال وشرق سوريا، ولكنهما لم تمنعا صراحةً العدوانَ عبرَ الحدودِ، أي هناك فيتو على الاجتياحِ العسكريّ وتغييرِ خرائط الميدان، وفيما عدا ذلك فهناك غضُّ نظرٍ كاملٍ، وهذا تفسير معظم البياناتِ الختاميّةِ لمنصةِ أستانة، وروسيا المنخرطة منذ ستة أشهر في حرب أوكرانيا تحتاج دوراً تركياً مهماً للالتفاف على العقوبات الغربيّة، ولذلك تعبر باستمرار عن تفهمها للمخاوف الأمنيّة التركيّة رغم أنّ قواتها الموجودة مباشرةً على الأرضِ تشهد على زيفها.
تهديدات مكثفة في الزمن الانتخابيّ
 
مجدداً أكّد الرئيس التركيّ أردوغان، أنَّ قرار تأسيس “منطقة آمنة” على عمق 30 كم عند حدود تركيا الجنوبيّة، ما زال قائماً، وأن بلاده ستواصل مكافحة ما سماه “الإرهاب”، وقال في كلمة ألقاها، الاثنين 9/8/2022، خلال افتتاح مؤتمر السفراء الأتراك الـ13 بالعاصمة أنقرة: “قريباً سنوحّد حلقاتِ الحزامِ الأمنيّ بتطهيرِ المناطق الأخيرة”، وأجاب الرئيس التركي في تصريحات للصحفيين بعد عودته من لقاء الرئيس الروسيّ، في 5/8/2022، عن سؤال يتعلق بالهجمات التي هدد بشنها، وقال: “اتفقنا على قرار الرد معاً”.
وقال أردوغان، في تصريحات لمجموعة صحافيين رافقوه، خلال عودته من سوتشي، نُشرت السبت 6/8/2022، إنّ بوتين أخبره بأنَّ حلَّ الأزمةِ السوريّة سيكونُ أفضل بالتعاونِ مع حكومة دمشق، وأنّه ردَّ بأنَّ جهاز المخابرات التركيّة يتعاملُ بالفعلِ مع هذه القضايا مع المخابرات السوريّة.
وفيما كانت مسائل الطاقة والتبادل التجاريّ والتعاون الاقتصاديّ أهم ما تمت مناقشته في الاجتماع إضافة إلى الملف السوريّ، إلا أنّ الرئيس التركيّ ووسائل إعلامه عكسوا ترتيب القضايا، ليجعلوا الملفَ الاقتصاديّ شأناً ثانويّاً، لأنّ أنقرة لا يمكنها أن تبتلع دفعة واحدة التهديدات المتواصلة والتصريحاتِ بقرب شنِّ هجمات عدوانية على شمال سوريا.
مؤكد أنّ أردوغان لا يقود المعركة الانتخاب المصيريّة القادمة وحده بل بكاملِ تحالفِ العدالةِ والتنمية والحركة القوميّة، وقد حوصروا بالزمن الانتخابيّ، والعمل على حرق المراحل لترميم الشعبيّة المنهارة، والتي أثبت الانتخابات البلدية في 13/3/2019 تراجعها الحاد بخروج أهم البلديات من يد الحزب الحاكم لصالح المعارضة وهي إسطنبول وأنقرة وإزمير وإنطاليا والتي يعوّل عليها جداً في أيّ متغير سياسيّ في تركيا، فيما احتفظ العدالة والتنمية بالمدن الأصغر والأرياف.
ونشرت صحيفة زمان التركيّة المعارضة في 5/8/2022، نتيجةَ أحدثِ دراسةٍ استقصائيّةٍ تناولت كيفية تصرفِ ناخبي المعارضة في الانتخاباتِ الرئاسيّة، وقالت إنّ شركة “متروبول” التركيّة، وجّهت السؤال للأتراك المعارضين: “ماذا تفعل إذا لم يعجبك مرشح المعارضة للرئاسة؟”، وبلغت نسبة من قالوا “سأصوت لمرشح المعارضة، أيّا كان” 58.1%،
ويربط التحالف الحاكم في تركيا بين مسائل ثلاثة معاً هي الانتخابات الرئاسيّة القامة في حزيران 2023، والهجمات العدوانية وإعادة اللاجئين السوريين إلى ما يسمونه “المنطقة الآمنة”، فيما يُشار إلى المشاكلِ الاقتصاديّة وقضايا الغلاءِ المعيشيّ وارتفاع معدلِ التضخم وانهيار قيمةِ صرفِ الليرة التركيّة على أنّها تحصيل حاصل، وكأنّ مجردَ احتفاظِ التحالفِ الحاكم بالسلطة هو الوصفة السحريّةُ التي تضمن حلّ كل العقد الاقتصاديّة، وقال نائب رئيس حزب الحركة القومية، مصطفى قالايجي، إنّه سيتم انتخاب الرئيس التركيّ، أردوغان، مرة أخرى وسيفوز على منافسه بفارق كبير، وبخصوص الهجمات التركية المحتملة في شمال سوريا، قال قالايجي: “مع الهجمات الجديدة التي ستنفذ في الشمال السوريّ، سيتم القضاء على التنظيم الإرهابيّ في المنطقة، وبالتالي سيتم نقل المزيد من اللاجئين إلى المنطقة الآمنة التي ستصل إلى عمق 30 كيلومترًا”.
وفي هذا السياق تعهدت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعيّة، داريا يانيك، بمغادرة السوريون للأراضي التركي، خلال عام، وقالت الوزيرة ردًا على سؤال حول مصير السوريين في تركيا، “إذا أرادت تركيا منع إقامة دولة إرهابيّة بواسطة عملية عسكريّة عبر الحدود، فسوف تتحمل نتيجة ذلك”، وأضافت داريا يانيك: “سنعمل بكل جهدنا وطاقتنا. بعد عام 2023، لن يكون سوريين على أراضينا”.
تبادلُ التصعيدِ المباشرِ
 
لم تسفر اجتماعات القمة الأخيرة عن صيغة تبادلٍ جغرافيّة، كما جرى فيما سبق مثل (حلب ــ الباب) ومن بعدها (الغوطة ــ عفرين)، ولكن من الملاحظ ميدانيّاً تزامن التصعيدِ التركيّ مع تكثيفِ القواتِ الروسيّة قصفَها لعدةِ قرىً وبلداتٍ خاضعةٍ للنفوذ التركيّ في إدلب عبر السيطرةِ المباشرة لجماعاتٍ مدرجة على لوائح الإرهابِ الدوليّ (هيئة تحرير الشام وحراس الدين)، وشمل القصف المدفعيّ الروسيّ جبل الأربعين الشرقيّ ومعارة النعسان بريف إدلب وبلدات البارة ودير سنبل والنيرب وسان، إضافة لقصفٍ استهدف محيط بلدة كنصفرة في جبل الزاوية وكفر تعال غربي حلب.
وكان لافتاً خلال الأيام القليلة الماضية أنَّ التصعيدَ العسكريّ التركيّ يستهدفُ مباشرةً المدنَ والقرى والآهلة، وألحق أضراراً مباشرةً بالمنازلِ والمرافق العامة وتتعقب الطائرات المسيّرة السيارات على الطرقات لتجعل الانتقال صعباً بين المناطق، كما أطلق جنود الاحتلال الرصاص الحي من مواقع تمركزهم على الحدود.

هي هجمات احتلالية لم يُعلن عنها رسميّاً ولا تتضمن تحريك وحداتٍ عسكريّةٍ، أي دون اجتياحٍ بريّ، لأنّه يخضعُ لموافقاتٍ مباشرةً من مراكز القرار، تتضمن تغييرات على خرائط الميدان والسيطرة العسكريّة، وهو ما لم تحصل عليه حكومة أنقرة، ليكون استهداف الحياة وعوامل الأمن والاستقرار أولويةَ هذا الاستهداف المركّز. واللافت أكثر أنّ مدينة قامشلو والبلدات والقرى المحيطة وسائر المواقع القريبة من الحدود على امتدادها أصبحت في بؤرةِ الاستهداف المباشر، ما يعني نقلاً وتغييراً واضحاً في خريطة بنك الأهداف، لتكون رسالةً مفادها أنّ الخطةِ العسكريّة تشمل كلّ المناطق المتاخمةِ للحدودِ، وبما يتطابق مع الخريطة التي رفعها أردوغان خلال خطابه في 24/9/2019 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (الدورة 74).
وقد غدت المناطق المحتلة من هذا الشريطِ الحدوديّ ملاذات آمنة لمرتزقة “داعش”، وتكشف الهجمات العدوانية التي نفذها التحالف الدوليّ منذ مقتل “البغدادي في البلدة الحدوديّة “باريشا” بمحافظة إدلب في 27/10/2019، أنّ نحو 50 قيادياً من “داعش” والكيانات الموسومة بالإرهابية تمت تصفيتهم في مناطق تخضع للنفوذ التركيّ، وبينهم المدعو “إبراهيم القرشي” خليفة “البغدادي”، وليس آخراً المدعو “ماهر العكال/ أبو براء” الذي تمت تصفيته في ناحية جنديرس في عفرين المحتلة في 12/7/2022. بالمقابل تستهدفُ أنقرة قياديي قوات سوريا الديمقراطيّة الذين يشهد لهم العالم بأنهم من حاربوا الإرهابَ وأزاحوا سحب الظلامِ عن مختلف المدن والبلدات في شمال وشرق سوريا.

الثلاثاء الدامي
 
استهدف الاحتلال التركيّ الساعة 03:30 من فجر الثلاثاء قرية السلماسة جنوب غرب ناحية تل تمر بالمدفعية الثقيلة، ما أسفر عن استشهاد المواطن إبراهيم محمد الهشي (55 سنة) وهو مهجر من قرية السيباطية الواقعة شمال غرب ناحية تل تمر.
قصفتِ المدفعية التركيّة صباح الثلاثاء قرى وبلدات (سيكركا، تل زيوان، السلماسة، الدبس، هوشان، خالدية، سرمساخ الفوقاني، ديرونا آغي، الدشيشة، الكوزلية، ديرونا قلنكا، كيل حسناك، شلهومية، دكري، روتان، قرية مزكفت، كنيسة مار جرجس للسريان في قرية محركان، فقيرة، عرادة، الأسدية). كما قصفت مسيرة تركيّة في ساعات صباح منزلاً في قرية خرزة في ناحية عامودا دون وقوع إصابات بشريّة، وشهدت أجواء قرى الغربيّة في ناحية عامودا (خرزة – جرنكي – خانيكي) تحليقاً مكثفاً للمسيّرات التابعة لجيش الاحتلال التركي.
واستهدف جيش الاحتلال التركي بالمدفعية الثقيلة قريتي سيكركا وتل زيوان شرق مدينة قامشلو، ما أدى لوقوع جرحى في صفوف المواطنين في قرية سيكركا، وعرف من المصابين: حلبجة رشيد (33 سنة)، وآرين عبد العزيز الحسن (38 سنة)، والأطفال محمد صالح (12 سنة)، وميران صلاح (10 سنوات)، وأيلان صلاح (5 سنوات) وبلند محمد شمس الدين (16 سنة). وفي القصف الذي استهدف قرى ناحية عامودا، أصيب المواطن رودي صبري (30 سنة) وأسعف إلى مشفى الناحية.

ظهراً، قصفت طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال التركيّ منطقة خلف مشفى جيان – كوفيد 19 شمال مدينة قامشلو قرب الحزام الشمالي للمدينة، وذكر بيان قوات سوريا الديمقراطية أنّه فيما “كانت مجموعة من قوّات الحماية الذّاتيّة على رأس عملها؛ تَمَّ استهدافها من قبل طائرة مُسيَّرة “درون” تابعة للاحتلال التُّركيّ، وأسفرت عن ارتقاء أربعة من مقاتلينا شُهداءَ، وجرح ثلاثة آخرين”، وقصف جيش الاحتلال التركي بالأسلحة الثقيلة خانيكي غرب بلدة عامودا.
بعد الظهر قصف جيش الاحتلال التركي بالمدفعية الثقيلة قرية أومريك شرق مدينة قامشلو، وقرى (فقيرة وعرادة والأسدية) في ريف ناحية زركان، ووقعت قذائف قرب نقطة تستخدمها القوات الأمريكيّة في قرية مزكفت وكنيسة مار جرجس للسريان في قرية محركان بريف تربه سبيه وأصيبت فتاة في قرية تل شعير بناحية تربه سبيه أثناء عملها في الأراضي الزراعيّة، وتوسع القصف ليطال قرية كركي زيرا، وأصيب عنصر تابع لقواتِ حكومة دمشق جراء القصف على قرية قرمانة بريف الدرباسية الغربي، نُقل إثرها نقل إلى مشفى الشهيد خبات لتلقي العلاج.
كما استهدف جيش الاحتلال التركيّ المدفعية الثقيلة وقذائف الهاون قريتي الدشيشة والكوزلية غرب تل تمر وسقطت أكثر من 4 قذائف وسط قرية ديرونا قلنكا في تربه سبيه وتلتها الأثريّة.
مساء الثلاثاء جدد الاحتلال التركيّ من قصفه بقذائف الهاون أخرى على قرى ناحية تربه سبيه، ومحيط قرية ديرونا بناحية جل آغا، ووسّع القصف ليشمل قرى كيل حسناك وشلهومية ودكري وروتان.
وفي وقت متأخر من الليل استهدف جيش الاحتلال التركيّ قرية سرمساخ الفوقاني في ناحية كركي لكي بالرصاص كما قصف جيش الاحتلال التركي قرى الدبس وهوشان وخالدية والطريق الدوليّ إم 4 والطريق الدولي M4  في ناحية عين عيسى.
الهدف ضرب الأمن والاستقرار
 
وأصدرت قوى الأمن الداخلي بياناً نشره على موقع القوى الرسميّ، أشارت فيها إلى تصعيدِ جيش الاحتلال التركيّ قصفه العشوائي على المدنيين الآمنين العزّل في كلٍّ من مدينة قامشلو وعامودا وتربه سبيه”، وقال البيان إنّ مدينة قامشلو وريفها تم استهدافهما بخمس عشرة قذيفة جُرح على إثرها ستة مدنيون بينهم ثلاثة أطفال ومواطنتان، واستهدف ريف بلدة تربه سبيه بثلاث وعشرين قذيفة أسفرت عن إصابة طفل ومواطنة بجروح مختلفة، كما أطلق جيش الاحتلال التركيّ إحدى وعشرين قذيفة على القرى الحدوديّة لبلدة عامودا إضافة لإطلاق النار باتجاه منازل المدنيين أصيب على إثرها مواطن واحد تم نقله للمستشفى لتلقي العلاج، إضافةً لاستهداف قرى بلدة الدرباسية ب 10 قذائف”.
وأكدت قوى الأمن الداخليّ “إنّ هذا التصعيد ما هو إلا ترسيخ لنهج الاحتلال التركيّ في ضرب الأمن والاستقرار لمناطقنا وبممارسته سياسة الاستعمار الغاشمة التي طالما يسعى لها مر التاريخ من افتعال للاحتلال وتأسيس خلافات ودعمٍ للإرهاب”.