سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المصورة اللبنانية هدى قساطلي تقدم سيرة جرح لم يندمل “من بيروت إلى حلب”

حملت هدى قساطلي كاميرتها لتكون سلاحاً ناعماً، وثّقت به الخراب والدمار، اللذين طالا حلب وبيروت، وكانت صورها التي التقطتها بين المدينتين جزءا من الذاكرة الجماعية، وأرشيفاً يراه الناس بأعينهم وتخزنه ذاكرتهم، لكنهم يتأملونه للمرة الأولى في معرض صور فوتوغرافية، يكشف الوجع المشترك، ودور الإنسان في الخراب الذي يلحق بالأوطان.
كتب منذ بضعة أيام سهيل منيمنة مؤسس ورئيس جمعية “تراثنا بيروت” على صفحة فيسبوك الخاصة به، وقال: “لقد سلبوك حتى تراثك، الذي تكافح لأجله! قلت من يزرع خنجراً في ظهر الماضي، زرع المستقبل في صدره ألف سيف”. تكاد هذه الكلمات تختصر ما تقدمه صالة أليس مغبغب حتى الخامس والعشرين من أيلول القادم، من معرضين للمصورة الفوتوغرافية والأنثروبولوجية اللبنانية هدى قساطلي، تحت عنوان “من بيروت إلى حلب”، إضافة إلى ذلك عرضت المصورة فيلماً من تصويرها عن مستشفى أثري يعود إلى القرن الرابع عشر، بعنوان “العودة إلى بيمارستان أرغون”. تنظم صالة أليس مغبغب معرضاً للمصورة هدى قساطلي في إيطاليا، يتألف من جزأين، الجزء الأول ضم 11 صورة، بدأ عرضها في الخامس والعشرين من تموز المنصرم، في مؤسسة “سانت إيليا” في مدينة باليرمو، كانت هدى صورتها في سنة 2018 بطلب من اليونيسكو، عن مدينة حلب الأثرية العريقة، التي تعرضت إلى تدمير يكاد يكون ممنهجاً، الهدف منه القضاء على التاريخ المعماري للمدينة، الذي نسج نسجاً وثيقاً مع مهن، وأعمال وأمزجة تخص أهل مدينة حلب عبر العصور المتعاقبة.
سيرة ذاتية بصرية
والصور، التي عرضتها هدى قساطلي هي أشبه بسيرة ذاتية بصرية، أو مناجاة للذات سيرى فيها الكثيرون ما عرفوه وشعروا به في الماضي غير البعيد، قبل أن تنهال الرغبة في إلغاء هيئة المدينة على رأس حلب، تماماً كما حدث في بيروت.
ويذكر البيان الصحافي أن: “تلك الصور مأخوذة خلال تجوال هدى قساطلي في مدينة حلب، برفقة والدتها تحت أقواس الأبواب الحجرية المصنوعة من الدانتيل الحجري… لكن البيوت أصبحت بعد الحرب مفتوحة للرياح، والأشباح”.
أما الجزء الثاني من العرض، فهو مخصّص لمدينة بيروت، وضم 44 صورة، ومما ذكر البيان الصحافي المرافق للمعرضين: “مع صور الأبواب والنوافذ، والأقواس والقناطر، التي التقطت قبل أو بعد انفجار مرفأ بيروت، تلتقط هدى قساطلي العناصر المعمارية الزخرفية والملونة، بمرور ضوء النهار، ترسل هذه الأبواب والنوافذ والأروقة، انعكاسات ملونة متلألئة، ما يضخم الحياة اليومية للسكان، ويكرس ارتباطهم بالتراث المدمر”.
زاوية نظر مختلفة للجمال
 
أليس مغبغب، صاحبة الصالة، التي أصحبت على مرّ السنوات نواة، تنطلق منها عدة أنشطة ثقافية وفنية في داخل وخارج لبنان على السواء، تكلمت عن الحدث الفني قائلة: “تصور هدى قساطلي في معرض بيروت مراحل العصر الذهبي لهذه المدينة، حتى يومنا هذا، يقام المعرض في مدينة صغيرة اسمها جيبلينا الصقلية البعيدة نحو 100 كيلومتر من باليرمو، وفي حين توالى على تدمير بيروت جشع وحقد الطبقات السياسية اللبنانية المتعاقبة، شوهت الهزة الأرضية وجه مدينة جيبلينا سنة 1968، واستمر سكانها لنحو 20 عاماً تحت الخيم منتظرين إعادة إعمار مدينتهم الجديدة، على جبل فوق البحر”.
لم يكن هذا المعرض المزدوج بما تضمن من صور تُخلد تراث المدن، بالتلازم مع ناسها معرضاً جديداً من نوعه بالنسبة لهدى قساطلي، التي ارتبط اسمها طويلاً بشغف التصوير المتأهب دوماً لإنقاذ المدن من موتها، على الأقل افتراضياً، وذلك لهدفين مهمين. الأول وهو الأكثر مباشرة: لأجل الحفاظ على الذاكرة من خلال أرشفة الصور، وهو أمر عاهدت نفسها عليه المصورة هدى قساطلي منذ أكثر من 20 سنة.
ومن ناحية ثانية يهدف عملها بشكل عام إلى نسج، لا بل تكريس العلاقة، التي قوامها جدلية “الأسباب والنتائج” وليس فقط التواصل ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، في سردية فنية تنطبع في عين المشاهد، وتحول الحاضر إلى مرآة تعكس من جهة ما حدث في الماضي القريب أو البعيد، ومن جهة ثانية تعكس ما يُمكن أن يحدث في المستقبل كنتاج عن ماض وحاضر، وعن حاضر يريد أن يعمي بصيرته عما، وكيف آلت إليه الأمور.

هدى قساطلي من مواليد 1960 بيروت، حازت في عام 1984، على شهادة في الفلسفة من جامعة باريس بانثيون – سوربون، وفي عام 1987، قدّمت أطروحة دكتوراه في الإثنولوجيا وعلم الاجتماع المقارن من جامعة باريس، لتعود في عام 1986 إلى مسقط رأسها، بيروت، وكرّست حياتها المهنيّة للبحوث والتصوير، فاختيرت خبيرة دولية لمشروع “مدينة” الأوروبي، وعُيّنت باحثة ملحقة بجامعة البلمند، وبوحدة البحوث متعدّدة التخصّصات عن الذاكرة في جامعة القديس يوسف، وفي الوقت نفسه باحثة شريكة لمركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر.
وكالات