سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ثورة 19 تموز… رؤية القائد عبد الله أوجلان السديدة في ظل الأزمات

عصام عيسى (إعلامي)_

تعجُّ الدراسات وكتب التاريخ والفلسفة الاجتماعية والسياسية بالتعريفات حول مفهوم الأمة لكن القائد عبد الله أوجلان أسس نظرية وقدم المقومات لتطبيقها منذ عام 2007 بل يمكننا القول إن بذرتها كانت منذ أن كان القائد أوجلان متواجداً في سوريا، حيث أوضح أفضل توضيح جميع الجوانب الثقافية، المجتمعية، الفكرية، والتنظيمية للأمة الديمقراطية إذ طرحها باعتبارها الحل القويم لمشاكل الشرق الأوسط، ومن أجل ضمان فك الارتباط عن الغرب الذي جعل من الشرق كيانات متخمة بالمشاكل على شكل قنابل موقوتة يفجرها ذلك الغرب وقت يريد.
كما أن كينونة الأمة الديمقراطية، هي ظاهرة إنشاء المجتمع لذاته كمجتمع وطنيّ ديمقراطي، أي أنه لا يعني التحول إلى أمة أو الخروج منها على يد الدولة وإنما من خلال الإدارة الذاتية التي تستند إلى الأفقية المجتمعية بمعنى انتفاع المجتمع من ذاته وأحقيته في إنشاءِ نفسه كأمة ديمقراطية، أي أنها تختلف كلياً عن الأمة التركية أو الأمة العربية المستندة على الاشتراكية المشيدة حيث التفكك والزوال فيما بعد.
رؤى القائد عبد الله أوجلان كانت عميقة قبيل هبوب عواصف الأزمات على المنطقة في عام 2011 ووقعت كما حللها، وكان الأهم من هذا كله معرفته بمآلات ما ستصل إليه تلك الأزمات الضاربة من كلِّ حدبٍ وصوب، فكان المشهد ثورة بدأت لكن كيف ومتى ستنتهي؟ هنا ونتيجة لقراءات القائد السديدة لواقع الشرق الأوسط حيث أعد حلولاً قبل بدء تلك الأزمات بسنوات، فكان أن سلم خارطة الطريق لشعوب شمال وشرق سوريا واضعاً الحل بعد أن أسس معالم الخط الثالث.
ففي الوقت الذي كانت العواصم والمدن تشهد مظاهرات، كان هناك ضبط دقيق لحفظ مناطق شمال وشرق سوريا، حيث كانت انطلاقة ثورة 19 تموز عام 2012 بعد تحقيق انتصارات كبيرة ضد الجماعات والعناصر المتطرفة على أيدي وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ومن ثم تتويجها بتأسيس إدارة تمثل سفينة الخلاص لشعوبها فكانت الإدارة الذاتية عام 2014 التي أعلنت تباعاً في كوباني والجزيرة وعفرين مشكلة لوحة فيها ألوان الشعوب ومعتقداتها ولغاتها على مبدأ أخوّة الشعوب.
أمام ثورة شعوب شمال وشرق سوريا نحو الديمقراطية وتثبيت أركان الإدارة الذاتية لم يرق للأنظمة المستبدة والشوفينية بزوغ شمس الحرية على ركام الدمار والقتل والتشريد، فجيّشوا المرتزقة والمتطرفين من كل أنحاء العالم وكان أبرزهم مرتزقة داعش حين هاجم مقاطعة كوباني لضرب مشروع الإدارة الذاتية وبدعم واضح من الاحتلال التركي لكن مقاومة أبناء الشمس والنار والأممين وأحرار العالم وأجزاء كردستان الأربعة دحرت داعش وسقط مخطط أردوغان الذي عوّل على سقوط كوباني.
ومن مظاهر ثورة 19 تموز عليها تأسست الفيدرالية التي هي جوهر الإدارة الذاتية والتي ضمت أبرز مقومات المجتمع الحر من الشبيبة والمرأة من كل المعتقدات، وكان لزاماً على وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة تحرير باقي الأراضي السورية من داعش فكانت مرحلة تأسيس قوات سوريا الديمقراطية التي ضمت مختلف السوريين ومكوناتهم حيث توجهت البندقية صوب تحرير منبج والطبقة والرقة وتل أبيض/ كري سبي ودير الزور تباعاً حيث انبلجت الانتصارات الكبيرة ودحر داعش في آخر معاقله ببلدة الباغوز شرقي دير الزور آذار عام 2019  لكن في هذه الأثناء وباتفاق دولي احتلت تركيا مقاطعة عفرين عام 2018 بعد مقاومة شرسة أبداها أبناؤها ضد ترسانة الناتو.
ورغم تشابك وتعقّد المشهد الميداني المتشكل من قوى الهيمنة مثل أمريكا وروسيا وقوى إقليمية مثل إيران ناهيك عن داعش ومرتزقة الاحتلال التركي تمكنت الإدارة الذاتية وبدبلوماسية عالية إلى جانب وحدة شعوبها من إفشال جميع المؤامرات والمخططات ضد مكتسبات ثورتهم، ثورة 19 تموز، ولا شك أن مكتسبات ومنجزات ثورة 19 تموز والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عظيمة لكنها لم تأتِ بهذه السهولة فقد استشهد ما يربو على 11 ألف شهيدة وشهيد وضعفهم من المصابين والجرحى في سبيل تطويرها من أجل أن تبقى سوريا ديمقراطية، والأمثلة على تضحيات الشهداء المناضلين ورواد الإدارة الذاتية كثيرة، وأساسها في شخص الشهيد خبات ديرك، نالين موش، حسين جاويش “هركول”، هفرين خلف، والمناضل الشهيد فرهاد شبلي، وأمثالهم الكثير، ونتيجة لتلك التضحيات الجسام وصل مشروع الإدارة الذاتية إلى مستويات عالمية، حيث افتتحت العديد من الممثليات في دول العالم ونيل بعض الاعترافات البرلمانية بها.
وبحكم أن الإدارة الذاتية متأسسة على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان وبجهود كوادره أصحاب النضال الثوري على مدى عقود فإن الإدارة الذاتية وشعوبها متمسكون بخيار المقاومة وخوض حرب الشعب الثورية في الذكرى السنوية العاشرة لثورة 19 تموز، والإصرار على الوقوف ضد كل الهجمات مُصعدين من ثورتهم حتى تحرير المناطق المحتلة من عفرين حتى كري سبي/ تل أبيض وسري كانيه، أيديهم ممدودة لكل السوريين الشرفاء لتحرير كامل الأراضي المحتلة من المحتلين والمتربصين بسيادة بلدهم حتى بناء سوريا ديمقراطية على قدر أحلام السوريين التي خرجوا من أجلها.