شهدت ثورة 19 تموز عام 2012 في روج آفا، تحوّلات مفصليّة على مستوى المنطقة، بمختلف المجالات السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والخدمية، والثقافية، ولعل الأخيرة أخذت نصيباً كبيراً من الثورة على مستوى الأدب والفن، وإحياء التراث الشعبي في الجزيرة السورية، وكامل مساحة روج آفا، في سابقة لم يعرفها زمن النظام البائد، حين تم تسليط الضوء على جميع الثقافات، فصعدت الثقافة الكردية، والسريانية، والأرمنية، وغيرها من ثقافات المنطقة، إلى جانب الثقافة العربية، الأمر الذي خلق ثورة ثقافية على مختلف المستويات.
انطلاق الثورة وبروز اتحادات ومؤسسات ثقافية
انطلقت ثورة 19 تموز عام 2012 بمشاركة شعوب روج آفا كافة، بهدف الحفاظ على مناطقهم في ظل الفوضى التي خلّفتها الأزمة السورية، خاصة مع ظهور مرتزقة داعش، في عدد من مناطق سوريا والعراق، ما حتّم على الأهالي اتخاذ القرار بالمقاومة، وإدارة المنطقة، ضمن الإمكانات المتوفرة، لتتشكل قوات سوريا الديمقراطية قوة ثابتة استطاعت دحر الإرهاب وتحرير المناطق التي احتلها مرتزقة داعش في ذلك الحين حتى القضاء عليها في آخر معاقلها في الباغوز بريف دير الزور عام 2019.
وبالتوازي مع ذلك تشكّلت إدارات ذاتية في المناطق المحرّرة، بهدف إدارة الشؤون الخدمية، والاقتصادية، والتعليمية، والثقافية، حتى الأحزاب السياسية انزوت تحت مظلة مجلس سوريا الديمقراطية، فنتج أدب جديد عاصر فترة الحرب والنزوح والتهجير، استطاع أصحابه تصوير الواقع كما هو بكافة ثقافات ولغات أهالي المنطقة، فأُسّست عدة اتحادات ثقافية وانطلق العمل الصحفي الذي يكاد لا ينفصل عن العمل الثقافي، لما له من دور في النشر والوصول لجميع شعوب المنطقة، ويكون سلاحاً ناجعاً في ظل الفوضى السياسية، والأمنية، والثقافية، التي شهدتها البلاد.
تشكّل اتحاد المثقفين في الجزيرة عام 2014، بمبادرة من عدد من الكتّاب والشعراء والمثقفين، وتم إنشاء عدد من المكاتب له في مختلف المدن منها مدينة قامشلو، والحسكة، وتل تمر، وديرك، والرقة، والطبقة، وكوباني وغيرها، فانطلقت النشاطات الأدبية بشكل غير مسبوق على مستوى الفعاليات الشعرية، والنثرية، والفنية، كما أخذ المسرح مساحة واسعة على مستوى كتابة السيناريو، فتم تشكيل أكاديميات متخصصة لذلك بلغات أهل المنطقة. ولم يكن أدب ومسرح الطفل بعيداً عن هذا الحراك، الذي استند بشكل مباشر إلى إظهار العادات، والتقاليد، والتراث الخاص بكل شعب ومكون، وتجميعهم على منصة واحدة، من الأدباء والفنانين دون استثناء، وعلى مستوى العروض المسرحية التي لم تتوقف طيلة السنوات الماضية، والتي تركت إرثاً ثقافياً عظيماً لأهالي المنطقة، الذين لم يكتفوا بإظهار تراثهم وآدابهم وفنونهم، بل اتسع النشاط لاستقبال أبناء المحافظات الأخرى في عدد من المهرجانات الضخمة التي نظمها مثقفو الجزيرة السورية.
وأخذ اتحاد المثقفين الكرد مساحة واسعة في إظهار اللغة والثقافة والفنون الكردية، بمبادرات واعدة من المثقفين الكرد، ولم يتوقف النشاط عند المؤسسات الثقافية، بل تطور إلى مبادرات خاصة من شباب وشابات مبدعين، فُسح لهم المجال في تنشيط الحالة الأدبية، دونما قيود، وبدعم مستمر على مختلف المستويات، وتطور الدفع الثقافي إلى إنشاء حديقة القراءة في الحسكة، وقامشلو، وإنشاء المكتبات وتزويدها بأعداد كبيرة من الكتب التي تمثل تاريخ وحاضر مختلف ثقافات سكان هذه المناطق، كما نشطت عدد من دور النشر بإمكانات بسيطة لتوثيق النتاجات الأدبية لأبناء هذه المنطقة، الذين واجهوا الكثير من حالات التهميش والإقصاء المتعمدة في زمن النظام البائد.
دور المرأة في التقدم الثقافي
وفي إطار التنوع وفسح المجال للجميع خلال ثورة 19 تموز، برزت المرأة كركن أساسي خلال الثورة في مختلف المجالات، وكان لها دور كبير في تطوير الحالة الثقافية والأدبية، حتى تشكّل أدبٌ خاص بالمرأة، استطاعت من خلاله أن تثبت نفسها كأديبة وكاتبة، تنقل رسالة النساء للعالم دون قيود، ولاسيما في المناطق التي احتلتها مرتزقة داعش لفترة من الزمن، حيث انطلقت المرأة بالكتابة، والوقوف على المنصات، وتنظيم الفعاليات، وإقامة المعارض الفنية، من خلال تقديم الدعم الكامل لها لإثبات موهبتها وشخصيتها، والدفع بالمجتمع نحو التمثيل العادل بين الرجل والمرأة، ورغم ذلك واجهت المرأة الكثير من التحديات والعقبات، خاصة في مسألة عدم تقبل المجتمع، قيام دورها بشكل فعال في قيادة المرحلة.
لم يكن طريق عمل المرأة معبدا بالورود، للوصول إلى حالة الإبداع، وكتابة تاريخ جديد للمنطقة، يقوم على التعايش وقبول الآخر، بل واجهت تحديات كبيرة، واصطدم المثقفون بواقع شح الدعم المادي، الذي يعدُّ عصب الحياة لتطوير الحالة الإبداعية والارتقاء بها، من خلال دعم الموهوبين وإقامة المعارض والمسارح، وتوفير كل ما هو مطلوب لتحقيق التطور المطلوب.
وكان طموح الأدباء والفنانين والمثقفين، كبيراً بتوفير مصادر تمويل ضخمة، تتبنى أعمالاً فنية، يجري التسويق لها بالشكل المطلوب، فانتشرت بشكل أوسع واستطاعت المنافسة داخل سوريا وخارجها، ولاقت العديد من المبادرات دعما ضمن ما هو متوفر، من الإدارة الذاتية، فكانت الحالة الثقافية والفنية، السلاح الأقوى لمواجهة الفتنة التي حاولت جهات عديدة إثارتها بين شعوب ومكونات المنطقة.
وحالة الفتنة أطفأتها الكلمة، التي أنتجتها الحالة الفنية والثقافية، على مدار السنوات الماضية، وكانت الضمانة في الحفاظ على النسيج المجتمعي المتنوع في هذه المنطقة، التي مازالت تنتج المبدعين والمبدعات من أبنائها وبناتها، بكرم يشبه كرم سنابل القمح وحقولها المنتجة، ونسائم الحب التي يبعثها صفصاف ضفاف الخابور، رغم كل العواصف التي ألمت بأهلها على مدار السنوات الماضية.