سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المرأة وتركة الأنظمة القومية

 هيفيدار خالد_

تشهد منطقة الشرق الأوسط حرباً عالمية ثالثة، تميّزت بخصائص عسكرية وسياسية مختلفة بحسب محللين للشأن الشرق أوسطي، وتعد الحرب الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين، إذ خلقت حالة من الفوضى في العديد من المجتمعات والدول وأصبحت مستنقعاً للشعوب المظلومة، بحيث لم تعد هذه الشعوب قادرة على الخروج من هذه الفوضى، والسبب يكمن في الوسائل والأدوات التي تستخدمها الدول لإنقاذ ذاتها؛ لأن هذه الأدوات ليست فعّالة لوضع حلولٍ جذريّة لكلّ ما تتعرّض له من أزماتٍ داخليّة وتدخّلاتٍ خارجية.
فالقضايا العالقة والمشاكل المختلفة المتراكمة منذ عشرات السنين، تركت المجتمع في حالة وهنٍ وضعفٍ لا حولَ له فيها ولا قوّة. وأشكال الدولة القومية في هذه المنطقة والنظم الاستبدادية وسياسات الحكام، أصبحت أدواتٍ مقيتة لتدمير أحلام الشعوب الأصيلة. وأضحت هذه النظم المصدرَ الرئيس لخلق المعضلات، بادعائها إيجاد حلول لمشاكل الشعوب، ووصلت إلى حالة، لن نبالغَ أبداً إذا ما أسميناها نقطة الإفلاس، بدلاً عن إيجاد الحلول لها، وبذلك فإنَّ هذه النظم تسدّ الطريق بشكّلٍ كامل أمام جهود وكفاح القوى التي تسعى لأداء دورها في المجتمع.
تشهد العديد من دول المنطقة ومناطقَ أخرى من العالم، يومياً أزماتٍ سياسيّة واقتصادية وأمنية واجتماعية وإنسانية، بدءاً من سوريا والعراق ولبنان وصولاً إلى أفغانستان، ومؤخراً الأزمة الأوكرانية الروسية، بالطبع كلها نابعة من سياسات الدولة القومية المتحكمة بإرادة الشعوب والمستبيحة لحقوقها ومطالبها الحقيقية في الحياة، من خلال الاستيلاء على خيراتها ونهب ثرواتها وسلب القيم الاجتماعية الأصيلة فيها. هذه السياسات الخاطئة التي تُطبق منذ زمن طويل تركت بقوالبها الدوغمائية والبنية الذهنية الرجعية ذات الطابع السلطوي، أثراً بليغاً في حياة الشعوب، كان للمرأة النصيب الأكبر منه، إذ أصبحت تركة للرجل يتحكم فيها متى يشاء وكما يشاء دون اكتراث لأيِّ حقّ من حقوقها الطبيعية في الحياة.
وما نسمعه ونراه عن انتهاكات تطال النساء خير دليل على ذلك، إذ لا يكاد يمر أسبوع دون أن نسمع خبراً عن مقتل امرأةٍ هنا أو انتهاكٍ آخر هناك، على يد والدها أو زوجها أو شقيقها أو ابن عمها أو أحد أقاربها. وبالطبع لا يوجد أبشع من جرائم القتل التي تتعرض لها المرأة. ولا يمر يوم دون أن نسمع خبراً بأن العشرات من الفتيات اللواتي ما زلن في ريعان شبابهن يلقين مصرعهن على أيدي تجار البشر، والمئات من الأمثلة الأخرى التي لا حصر لها، الأمر الذي يفرض جملة من التساؤلات أمام هذا الوضع المأساوي… ما الأسباب وراء ارتكاب كل هذه الجرائم بحق المرأة؟ ما ذنبها في هذه الحياة؟ ما هي الطرق والأساليب البناءة لخلاص المرأة من كل ما تتعرض له؟ خاصة أنَّا نعيش في القرن الحادي والعشرين، عصر الحريات وحقوق الإنسان.
في مجتمعنا الشرق أوسطي لم يعد أمام المرأة خيارٌ سوى العيش تحت الظلم الذي تتعرض له، فإن تكوني امرأة، يعني أنك أمام مسيرة صعبة وقاسية جداً في هذه الحياة، ولا بد أن تمرّي بأصعب الظروف طوال حياتك، فكل شيء قاسٍ في هذه الحياة يُنفَّذ ويُفرض على المرأة وجسدها وكدحها. بالفعل باتت المرأة اليوم ضحية الذهنية الذكورية ومفاهيم السلطة الأبوية المتحكمة في روحها وكيانها وكل شاردة وواردة عنها.
إلَّا أنَّ ذواتنا يختلجها غيظ كبير من تكرار جرائم القتل ضد المرأة يومياً في المجتمع. لكن في بعض الأوقات نقف مكتوفي الأيدي حيال ما يُقترف من انتهاكات بحقها، وكل هذه الممارسات ذات جذور تاريخية، تتطلب تحليلاً سليماً ودقيقاً، وذلك من خلال تحديد ودراسة الأسباب الرئيسة وراء كل هذا العنف الممنهج ضد المرأة.. المرأة خاوية القوى.. المسحوقة والمضطهدة في العائلة.
يوم بعد آخر تزداد وتيرة العنف الممارس بكافة أشكاله العنجهية ضد المرأة في المجتمع دون حسيب أو رقيب، وبشكل خاص في الدول العربية مثل مصر والأردن والسعودية والعراق، بالإضافة إلى تركيا وإيران.
فقبل أكثر من أسبوع، كشفت مديرة قسم تمكين المرأة في مكتب محافظة النجف العراقية، حنان سعد راضي، لوسائل إعلام عراقية عن ارتفاع “غير مألوف” للعنف المرتكب ضد النساء في البلاد، وتحدثت عن أسباب عديدة للعنف، وجاء في مقدمتها الإنترنت ومواقع التواصل، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي والانحلال الخُلقي. وضيق الحياة الاجتماعية والضغوطات النفسية. بالإضافة إلى العادات والأعراف العشائرية التي ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة.
ليس بعيداً كثيراً عن العراق.. فقد اعتقلت السلطات المصرية المختصة قبل أكثر من أسبوع رجلاً حاول قتل زوجته بسبب طلب الأخيرة للانفصال. وقبلها بأيام تحدثت وسائل إعلام إقليمية ودولية عن جريمة قتل الشابة المصرية نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة على يد شاب رفضت الارتباط به، وفي الأردن أيضاً شهدت محافظة عجلون شمال البلاد جريمة قتل فظيعة، فقد أقدم أب سبعيني على قتل طفلتيه الاثنتين ضرباً بالعصا، وأيضاً شهدت مدينة الإحساء السعودية جريمة قتل غامضة لخمس شقيقات دون معرفة القاتل حتى الآن. وجرائم أخرى لا تنتهي وكأنه مخطط مدروس غرضه بألا تتوقف عجلة جرائم قتل المرأة.!!
أما في إيران فقد تعرضت المرأة لانتهاك من نوع آخر، وبحسب آخر الأنباء، فقد تتجه السلطات الإيرانية نحو مزيد من تضييق الخناق على النساء اللواتي يعانين أصلاً من صعوبات وسط مجتمع منغلق يمنعهن من عيش حياة طبيعية بكامل حريتهن أو حتى جزء منها، حيث ستُمنع النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب من استخدام المترو في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.
طبعاً كل هذه الانتهاكات والجرائم وحالات العنف التي ذكرتها عن العنف الأسري لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، بسبب عدم إبلاغ الضحايا عن الانتهاكات التي يتعرضن لها، خوفاً من العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمع لذا يتسترن على جرائم العنف التي يتعرضن لها.
وأسباب وجذور هذا العنف الممنهج ضد المرأة تعود لحقب زمنية قديمة مرت بها عبر التاريخ بدءاً من الدولة السومرية التي قُلّص فيها دورها بشكل كبير مع سيطرة الرجل على السلطة، وصولاً إلى عصر الحداثة الرأسمالية التي استُعبدت فيها المرأة وتعرضت للقمع والاضطهاد بأساليب وأشكال بشعة جداً وجعلتها أسيرة في المنزل وخادمة مطيعة لزوجها، واستبعدت من السياسة، وأضحت أداة لممارسة الجنس. وسلعة في الإعلانات التجارية على شاشات التلفزيونات ومواقع الإنترنت. حتى إن البعض يعتبر أن المرأة ناقصةَ عقلٍ ودين تحرّكها العاطفة. وللأسف فإنَّ جرائم قتل النساء أصبحت تتكرر بشكلٍ غير طبيعي والأبشع من ذلك، أن نجد مَن يبرّر الجريمة أو يجد أعذاراً للقاتل. بالطبع كل الجرائم التي تطال المرأة بشكلٍ محدّد سببها القوانين التي لا تكفل لها حقوقها وأمنها والآليات الرادعة من قبل الدول والأنظمة الحالية.
والآن نعيش في عصر يعتبر قتل المرأة من قبل الرجل حقاً مشروعاً له، وكثيراً ما نشاهد ونسمع عبارات من قبيل؛ أن الضحية كانت صاحبة أخلاق ولم تكن خارج معايير المجتمع المعروفة لماذا قُتلت؟، وكأنَّ قتلَ المرأةِ إذا ما خرجت عن مقاييس ومعايير مجتمعها أمرٌ مشروعٌ ومقبولٌ.
والمتابع للممارسات والانتهاكات المتفرقة في كلٍّ من سوريا، ومصر وأفغانستان يجد أنَّ قاسمها المشترك هو الذهنية الذكورية التي ترى المرأة لا شيء وتشرعن قتلها وحتى حرقها أيضاً في بعض الأحيان.
كما يجب علينا ألا ننسى نظرة الإعلام للمرأة، إذ إنها تنبع – مع الأسف – عن ذكورية مقيتة، والإعلام كما هو معروف يُعتبر الموجه للرأي العام في تشكيل الوعي الجمعي إزاء قضايا المرأة. وموقف الإعلام من المرأة لم يتغير بل بقي منحازاً ومسلّطاً ضد النساء وخاصة المهمشات منهن. كما أنَّ المنظمات والتنظيمات التي أُنشئت بهدف التوعية الاجتماعية، وترسيخ مفاهيم جديدة كبديل عن تلك التي راجت بفعل الإعلام والمسلسلات والأفلام، وغيرها من وسائل كُرّستْ لهذه الصورة المشوهة، لم تَقُم بالدور الذي يقع على عاتقها من أجل خدمة واقعها المجتمعي وقضاياه الإشكالية، والعمل على حلها، أو على الأقل أن تكون نقطةَ ضوء تعمل على إزالة العتمة وتصحيح الصورة بإنارة الوعي، وفي المحصلة التوقف عن ممارسة العنف ضد المرأة، الذي أصبح وكأنه مرضٌ كونيٌّ.
أضحى كل شيء مباحاً في هذه الحياة للأفراد، كممارسة العنف، والقتل والسرقة والاختلاس والاعتداءات الجنسية وتزويج القاصرات، إلا أنّ خروج المرأة بمفردها من البيت أو عودتها متأخرة قليلاً يُعتبر أمراً غير عادي وغير مباح، وكأنها اقترفت ذنباً لا يُغتفر.
كل ذلك يقودنا دائماً إلى حقيقة ثابتة هي أنّ هذا العنف الذي يُمارس بحق المرأة اليوم إنما هو نتاج ذهنية الدولة القومية في الشرق الأوسط والتي ترسخ فكرة سلطتها الاستبدادية على المجتمع وعلى وجه الخصوص المرأة لأنها ترى فيها خطراً عليها. لذلك تخلق الحروب وتعمّق الأزمات وتصعّد الخلافات وتعزّز الصراعات وتترك المرأة وجهاً لوجه أمام شتى الانتهاكات التي تمارس بحقها ومنها العنف المتمثل بجرائم القتل المنتشرة بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
كما ذكرت سابقاً يختلجنا غيظ كبير من جرائم القتل ضد المرأة يومياً في المجتمع وبشكل متواصل. لذا يجب على جميع النساء عدم الوقوف مكتوفات الأيدي حيال ما يُقترف من انتهاكات بحقهنّ، وتضييق الفجوة بين الرجل والمرأة في استخدام التكنولوجيا وتقنية المعلومات وأيضاً تقلّد الوظائف والمناصب، والخوض في نضال تنظيمي وفكري يستند إلى أسسٍ ومبادئَ تحمي المرأة بدلاً من تركها مسحوقة ومضطهدة في العائلة لا حول ولا قوة لها.
ومعالجة هكذا موضوع وهكذا قضية مهمة، “قضية المرأة” تتطلب جهوداً كبيرة، فالمرأة ما يزال بانتظارها مشوار طويل من أجل الحصول على موقعها المناسب، وخاصة من الناحية القانونية ومحاسبة مرتبكي هذه الجرائم وتعديل القوانين والنظم التي تستعبد المرأة ولا تعترف بحقوقها. وينبغي المعرفة أنه يستحيل تحقيق حياة حرة وكريمة للمجتمع، ما لم تحصل المرأة على كامل حقوقها في الحرية والحياة.
هذا يعني أن الحياة الحرة ممكنة مع المرأة التي نظّمت نفسها وتمكّنت من لعب دورها وتنظيم ذاتها وأصبحت صاحبةَ إرادة في مواجهة كل الانتهاكات التي تتعرّض لها والتأكيد على أن النساء لسن عبئاً على المجتمع ولا على الأسر، بل هنُّ قلب الرحى ومحورها ولها موقع ريادي وقيادي في هذه الحياة، وعليه فيجب تعزيز دور المرأة لكي تجرؤ المرأة المعنفة منهن التي تخشى الإفصاح على بث شكواها والتمرد على الواقع المرير الذي تتعايش معه رغماً عنها.
ورغم مساعي وجهود العديد من المنظمات والتنظيمات النسائية، إلّا أنَّ حماية النساء من الوقوع ضحايا للعنف الأسري، لا يزال بعيد التحقق أقله في الوقت الراهن. من هنا يُتطلب من النساء المناضلات والحركات النسوية التي لها باع طويل في العمل المجتمعي، النضالُ من أجل تحقيق ذاتهنّ ونيل حريتهنّ وحقوقهنّ، بأساليب وطرق جديدة تستطيع من خلالها تعزيز دور المرأة بدلاً من قتلها أو شرعنة قتلها، ومناهضة ذهنية الدولة القومية التي تركت أثراً سلبياً في حياة الشعوب بشكل عام وفي حياة ودور المرأة وبشكل خاص.