سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كهرباء طبقية في الدرباسية

روناهي/ الدرباسية –

لا تزال سوريا تعاني من آثار الحرب المستمرة، منذ أكثر من عقد من الزمن، حيث خلّفت أضراراً على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية، وحتى الثقافية، كما كان لها دور كبير في تراجع، وتدمير البنية التحتية من ماء وكهرباء، وطرق وسكك حديدية… إلخ، التي كانت تعاني أساسا من ترهل، ومن تعطل نتيجة سياسات الفساد، التي تطبق على هذه البنية، لتأتي “الحرب – الأزمة” وتستكمل ما بدأه ذلك الفساد، محملة المواطن أعباء إضافية تُثقل كاهله المثقل أصلا.
الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية آنفة الذكر، لا تقتصر على منطقة معينة من المناطق السورية، وإنما تشمل كامل الجغرافيا السورية؛ وذلك بسبب ارتباط هذه البنية ببعضها على مستوى البلاد.
وهذا ما نريد أن نبيّنه من خلال الواقع الكهربائي في سوريا عموما، وفي شمال وشرق سوريا خصوصا، وفي ناحية الدرباسية على وجه التحديد، فمثلا كان الانقطاع العام الأخير، الذي شمل سوريا كلها؛ نتيجة تعطل محطة واحدة في ريف حماة، خير دليل على ذلك، بناء عليه، فإن أي عطل في نقطة يؤثر على باقي الشبكة بشكل كامل، ومع الأسف، فإن الأعطال في الشبكة الكهربائية لم تعد تحصى؛ نتيجة عدم التعامل معها بشكل جدي، وقلة السعي لإصلاح تلك الأضرار.
هذا الواقع الأليم دفع بالسكان إلى إيجاد مصادر بديلة للطاقة الكهربائية، وذلك لأنه لم يعد بالإمكان الاستغناء عن هذا التفصيل في حياتنا اليومية.

صفقات على حساب الشعب
إن غالبية الإضرار، التي تُلحق بالقطاع الكهربائي لم يتم إصلاحها، والوقائع تشير إلى أنه لن يتم إصلاحها أيضا، وذلك تلبية لمصالح مافيات النهب والفساد، وللدفع أكثر فأكثر باتجاه الخصخصة، وما الحديث الرسمي من قبل حكومة دمشق عن (فوائد) الطاقة الكهربائية البديلة، كالطاقة الشمسة، وطاقة الرياح، إلى المسمار الأول في نعش القطاع الكهربائي العام، لإفساح المجال أمام سماسرة، وتجار السوق السوداء لقص رقاب الشعب، عن طريق تلك البدائل باهظة الثمن.
 شمال وشرق سوريا غير مستثناة
ومثل حال المناطق السورية الأخرى، فإن أهالي شمال وشرق سوريا يعانون من سوء الواقع الكهربائي في مناطقهم، فيلجؤون إلى البدائل المتاحة مُكرهين على ذلك، مقتنعين بما يتعرضون له من استغلال أصحاب تلك البدائل.
بيريفان داوود من الدرباسية تتحدث لنا عن معاناتها مع الكهرباء: “الواقع الكهربائي في مدينتنا مأساوي، فالكهرباء النظامية نكاد لا نراها سوى أربع ساعات في اليوم في أحسن أحوالها، والكهرباء البديلة لا تفي بالغرض” وأضافت: “اعتمد أهالي المدينة على مبدأ مولدات الاشتراك لكل حارة، هذه المولدات تقينا من الظلام، إلا إنها لا تؤمن لنا حاجتنا الأخرى، فلن نستطيع تشغيل آلة الغسيل مثلا، كما أننا في هذا الحر الشديد نُحرم من المياه الباردة، لأن براداتنا لا تعمل على مولدات الاشتراك، وغيرها الكثير من الأمور التي لا نستطيع القيام بها، إلا من خلال الكهرباء النظامية، والتي لا تأتي إلا ساعات قليلة”.
بيريفان تابعت بالقول: “عدا عن ذلك، أن هذه الكهرباء تمنعنا من القيام بالكثير من الأعمال، فإن /أصحابها/ أيضا يُقننون ساعات تشغيلها، فمن المفترض أن يتم تشغيل هذه المولدات ثماني ساعات في اليوم وبشكل يومي، إلا أن هذه الساعات الثماني تتقلص في أغلب الأوقات إلى ست ساعات، وأحيانا أقل من ستة. ضف إلى ذلك، الأيام الطويلة التي لا تعمل بها هذه المولدات نتيجة تعطلها، أو عدم توفر الوقود”.
بيريفان داوود اختتمت حديثها بالقول: “أغلب ساعات الفصل تكون في الساعات، التي نكون فيها بأمس الحاجة للكهرباء، فمثلا يتم قطعها في ساعات الظهيرة، حيث الحر الشديد والحاجة إلى الراحة، كما أنه يمكن أن يتم توصيل الكهرباء النظامية في الأوقات المخصصة لتشغيل المولدات، إلا أن أصحاب المولدات لا يعوضون هذه الساعات للأهالي”.

 كهرباء “للأغنياء”
محمد نادر من أهالي الدرباسية تحدث قائلا: “إن سعر الأمبير الواحد لكهرباء الاشتراك هو خمسة آلاف ليرة سورية، والعائلة تحتاج بالحد الأدنى إلى ثلاثة أمبيرات، أي 15 ألف ليرة شهريا، والبعض لا يقوى على دفع هذا المبلغ؛ لذلك نرى بأن الفقير محروم من الكهرباء”.
محمد أضاف: “بالرغم مما ندفع ثمنا للاشتراكات الكهربائية، إلا أننا نبقى مدة طويلة دون كهرباء، وذلك بحجة الأعطال، وعلى سبيل المثال قضينا أسبوعا كاملا دون كهرباء؛ بسبب العطل الحاصل في المولدة، وفي نهاية الشهر، دفعنا استحقاقاتنا كاملا دون أن يخصم بدل الأسبوع، الذي لم تعمل خلاله المولدة، وذلك دون أي محاسبة أو رقابة، هذا عدا عن المقولة الشهيرة “إذا ما عجبك شيل كبلك” التي يُسمعنا إياها أصحاب المولدات، إذا ما احتجينا على هذا الواقع، وهذا يعد استغلالا لحاجة الأهالي في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء النظامية”.
محمد اختتم حديثه بالقول: “إن أصحاب الأموال يجدون البدائل بكل أريحية، فميسوري الحال يقومون بشراء مولدات خاصة، يشغلونها عند الحاجة، فلا يشعرون بأي نقص في هذا الاتجاه، في حين يبقى الفقير بين سندان الكهرباء النظامية، ومطرقة أصحاب المولدات، مستسلما منتظرا الفرج، دون ألاّ يكون له حول ولا قوة، ليمارس الفرق الطبقي بين غنيٍ، وفقير حتى في الكهرباء”.
من جهتهم، فإن أصحاب المولدات، أرجعوا سبب التقصير في عمل المولدات إلى الأعطال المتكررة التي تواجه المولدات؛ وذلك نتيجة الحر الشديد والحمولات المفروضة عليها.
زبدة القول
يجب التفكير بجدية لتحسين واقع الكهرباء النظامية، لأن السعي لتحسين واقع البدائل المتاحة غير كافٍ بالرغم من أهميته؛ لذلك يبقى المطلب الأساسي، هو تحسين واقع الشبكة الكهربائية العامة للبلاد، وهذا يتطلب جهدا مشتركا من قبل مسؤولي الجهات كافة؛ لأنه بغير هذا الحل سيبقى الشعب عرضة للاستغلال من قبل أصحاب هذه المشاريع.