سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التأثّرات الفنيّة بين روايتي” في المنفى” لجورج سالم، و”المحاكمة” لفرانز كافكا

عبد الله رحيل


ثمة اجماع عامٌّ من المؤرخين والمفكرين العرب، إنّ الحياة العربيّة الحديثة بدأت في مستهلّ القرن التاسع عشر، أيّ من خلال الاحتكاك الواقعي الأول بين أوروبا، والعالم العربي، الذي نجم عن رُسو جيش بونابرت في الإسكندرية سنة 1798م، حيث كان لهذه الحملة أثرٌ في إحياء الأدب العربي، وازدهاره، وبعد جلاء الفرنسيين عن مصرَ، في العام 1801م، اعتلى السلطة محمد علي، وهو جنديٌّ في الجيش العثماني، الذي أُرسل لمحاربة الفرنسيين في مصر، فكان لمحمد علي في العام 1805م، أثر كبير في إحياء الثقافة العربية بشكل عام، فقد أرسل البعثات إلى أوروبا، وأسّس المدارس التقنية في مصر، لا سيما المدارس الهندسية والطبية، وأمر بترجمة الكتب العلمية إلى العربية، وأصدر جريدة رسمية، وأسّس دارًا للنشر، ذلك كلّه لم يكن معروفا في العالم العربي، الذي كان يعاني من الجهل واللا مبالاة، وهكذا فإن اليقظة العربية قد بدأت في الحقول التقنية، ولكن سرعان ما وجدت التأثرات الأدبية، والثقافية أيضا طريقها للتطوّر، واحتلّت المشهد، حيث كان لسوريا ومصر الانغماس الشديد في تتبّع، وفي محاكاة الثقافة الغربية، بينما كانت في البلدان العربية الأخرى تسير ببطء شديد.
وهكذا أعطى الاتصال بأوروبا، عبر الاحتلال لمناطق من العالم العربي فرصة تنفّس فكريٍّ، وحضاريٍّ للمثقّفين والمؤلّفين العرب، وللمجتمع العربي عامّة، فقد لُفِتت الأنظار إلى إحداث يقظة عامة، ناتجة عن تنبُّه الناس إلى وجود طراز من الحياة متطوّر، ومختلف عن الطراز، الذي كان يعيشه الشرق آنئذٍ، وإثر هذه الاتصالات، والتأثّرات بالجوانب الثقافيّة، ومنها الأدب كان التأثّر في الرواية والقصّة، والشعر الوجدانيّ “الرومنتي” الأثر الكبير في محاكاة الغرب للفنون الأدبيّة، التي كانت سائدة هناك، ما جعل الكاتب جورج سالم، يؤلّف رواية العصاة على غرار رواية المحاكمة، لفرانز كافكا، تلك الروايتان اللتان تعدان بداءة عصر الاحتكاك، والتأثّر بالآداب العالمية، حيث اطّلع الرواة والقاصُّون إلى العالم الأوروبي، الذي كان في تلك الآونة قبلة الأدباء والشعراء، محاكين فكرا وموضوعاتٍ جديدةً تدور في الوجدانيّة والإبداعية في رموز فنية جديدة، حتى خلق هذا التأثّر عالما جديدا بارعا في فن القصّة والمسرحيّة، وتالياً في عالم الشعر الوجدانيّ، وفي ترجمة قصيرة عن الروائيين، فإنَّ جورج سالم  وُلد في حلبَ، عام 1933، تلقّى تعليمه في حلب، وتخرّج من جامعة دمشق، حاملاً الإجازة في اللغة العربيّة عام  1955، ودبلوم التربية عام 1956،عمل في التدريس ، وفي إدارة المركز الثقافيّ، ورأس فرع اتحاد الكتّاب بحلب.
أما فرانس كافكا (3 يوليو 1883 -3 يونيو 1924) (بالألمانية: Franz Kafka) كاتبٌ تشيكيّ، يهوديّ كتب بالألمانية، رائد الكتابة الكابوسيّة، يُعدّ أحد أفضل أدباء الألمان في فنِّ الرواية، والقصّة القصيرة، تُصنّف أعماله بكونها واقعيّة عجائبية.
فمن خلال قراءتنا، وتحليلنا لقصّة هذين الروائيين، نرى تشابها كبيرا، وتأثّرا واضحا ملموسا في رواية “في المنفى” لجورج سالم، برواية “المحاكمة لفرانز كافكا” في طريقة السرد، وفي المضمون.

في المنفى، رواية لجورج سالم، رواية قصيرة رمزيّة، تعالج مشكلة الغربة الروحيّة للإنسان في مفهوم البراءة، والخطيئة الأصليّة، وتشابهها القويّ مع رواية، المحاكمة، لفرانز كافكا، حيث يقدّم جورج سالم في رواية “في المنفى” قصة معلّم المدرسة، الذي يَفِدُ إلى بلدة غريبة، لا يتكلّم فيها الناس مع بعضهم، ولا يتعاطفون، وتقع هذه البلدة الصغيرة تحت نفوذ حاكم خفيّ، لا يراه الناس، وتلتفّ حول هذا الحاكم طبقة مترفة من الأعيان، الذين كعادتهم يسهرون في ملهى بسيط، تُحي أمسياتِه مغنيةٌ غامضةٌ، ويقتحم  معلّم المدرسة  هذا الملهى المحرّم على غير الأعيان، ويُحدث أن تقع المغنية في حبّه، وتتطوّر أحداث الرواية، حتّى يقع أحد تلامذة المدرسة غرقا في النهر، ويتّهم المعلّم بقتله؛ لأنّه سار معه بمحاذاة النهر في إحدى المرات، وتحاول المغنية إنقاذ المعلّم، وتبذل قصارى جهدها مع الحاكم، ومع القاضي، ولكن دون جدوى؛ إذ يُقاد المعلّم إلى مكان مهجور، ويُرجم بالصخور، حتّى يقضيَ نحبَه.
وعند مقارنتنا برواية المحاكمة لفرانز كافكا، يتّضح التشابه الحادّ بين الروايتين، ما يمكننا القول: إن جورج سالم، قد تأثّر بالرواية تأثّرا كبيرا، وهذا يعدّ مدى تأثر الأدب العربي، بالأدب الأوربي على نطاق واسع، وفي ملخص رواية المحاكمة لفرانز كافكا: تدور أحداث الرواية في عام 1925، تبدأ عندما وجد جوزيف “ك”، وهو مصرفيٌّ مرموق، نفسه يُحاكم من قبل محكمة، لم يسمع بها من قبل؛ بسبب جريمة، لا يعرف ما هي، وبالرغم من أن “ك” حاول الدفاع عن نفسه منطقيا، إلا أن النظام القانوني المحيّر أرهقه باستمرار، في عيد ميلاده الثلاثين، يستيقظ جوزيف “ك” ليكتشف أنه قيد الاعتقال؛ بسبب جريمة لم يقترفها، ولا يعرف ما هي، يعتقله حارسان، لكنهما يبلّغانه أنّه يمكن له ممارسة أعماله الاعتيادية، ثم يذهب إلى عمله موظفا بالبنك، ثم يشرح لسكان العمارة، سبب اعتقاله، وفي صباح يوم الأحد التالي، يحضر “ك” الجلسة الأولى لمحاكمته، يصل إلى مبنى سكنيّ مهجور، ويدرك أنه لم يُعطَ العنوان بالضبط، يوبّخه قاضي التحقيق؛ لتأخّره، ويبدأ الجلسة بمخاطبته باسم مختلف، ينتقد “ك” اضطراب المحكمة، ويحاول إحراج القاضي، الذي يدير محكمة غامضة، ثم يكتشف أن الحضور، هم أعضاء المحكمة.

يعود “ك ” إلى المحكمة يوم الأحد التالي؛ ليكتشف، عدم وجد جلسة استماع مقرّرة، يلتقي بامرأة تعمل في غسل الملابس، وهي زوجة حاجب المحكمة، تحاول إغواءه، وتعرض مساعدته في قضيته، إذا وعد بأخذها بعيدا عن هذه المحكمة الرهيبة، وتقع في غرامه متوسّلة إليه، أن يهرب بها خارج المحكمة.
بعد سماع أخبار محاكمة “ك ”، يزوره عمه كارل؛ لمساعدته في قضيته، يقوم هو وعمّه بزيارة الهر هولد، وهو محامٍ مريضٌ للغاية، وطريح الفراش، تصادفَ وجود مسؤول في المحكمة في غرفة هولد، يجلس “ك” على مكتبه، ويفكر في كيفية استمراره في زيارة هولد، لكنه شعر بالإحباط؛ من تردّد هولد في الكشف عن تقدّم سير القضية مع مسؤولي المحكمة، يعتقد “ك” أنه يجب عليه استبدال هولد، وتولّي مسؤولية القضية بنفسه، ثم يلتقي برسّام اقتنع أنه أفضل من عمه المحامي.

في منزل عمه يلتقي بكاهن الكنيسة المظلمة، فيخبره أنه قسيس السجن، وقد جاء ليحدثه بشأن قضيته، لكن الكاهن حكى له قصة القانون، التي لم ترق ل “ك” في الليلة التي سبقت عيد ميلاد “ك” الحادي والثلاثين، وصل رجلان يعملان في المحكمة إلى غرفته، أخذاه من ذراعه إلى محجر خارج حدود المدينة، في ضوء القمر، جرّداه من ملابسه، ووضعا رأسه على حجر مسطح، بينما أمسك أحدهما برقبته، بينما الآخر، قام برشق سكينا طويلا حادّا في قلبه، فيصرخ “ك ” وهو يموت قائلا: “مثل الكلب!”.
في وقفة تحليلية مقارنة بين هذين العملين الفنيين، نرى تحييد الجانب الفلسفي؛ لأنّ ذلك يخلق احتمالاتٍ عديدةً، ولكن نستطيع أن نقف على العناصر الفنية المختلفة، حتى نصل إلى المقارنة الفكريّة، فهما يحملان قيمتهما الفكرية من خلال قيمتهما الفنية، فحينما نتناول البحث، والتقصّي لما بين الروايتين، نرى أن بطلي القصة المعلم عند جورج سالم، وجوزيف ك عند كافكا متشابهان مضمونا وشكلا إلى حدّ بعيد، فكلاهما غريبان سلفا، دون أن يدركا السبب، أو يشعرا على نطاق الوعي العقلي، بأنهما ارتكبا أيّة خطيئة، ولربما يبدو البعد الفكري عند بطل رواية كافكا، أعمق وأبعد تأثّرا في حياته.
وقد كان مصير المعلم عند جورج سالم متشابها، لمصير جوزيف ك عند كافكا، إن لم يكن متطابقا تماما، فتفصيلات مشهد الإعدام عند جورج سالم، تذكرنا بتفصيلات المشهد الأخير في رواية كافكا، على الرغم من اختلاف وسيلة التنفيذ، إذ إن المعلم يحبس في معبد مهجور بعيد عن القرية، ثم يُرجم رجما وحشيًّا بالحجارة، وبالصخور خارج المدينة، وهناك عند كافكا في العراء يقوم مرافقا” ك” بعملية إغماد السكين في قلبه بوحشية مرعبة، ومقزّزة، حيث كلّ من البطلين يلتقي مع الفتاة، التي تربطه بها علاقة ومودة وتعاطف قبل موته بلحظات، فالمعلّم يرى الفتاة المغنيّة، وجوزيف ك يرى فراولين بيرستنر قبل لحظات موته، وقد نجد أن مشهدي إلقاء القبض على البطلين متطابقان تقريبا، وفي كلتا الروايتين يقصد رجلان غامضان صارمان، يرتديان ملابس رسمية مسكن البطلين في الصباح الباكر، قبل تناول الفطور، ويلقيان القبض على البطلين، دون إعطاء تفصيلات عن التهمة، ونجد أن قاضي التحقيق هو نفسه في القصتين، بفساده، وبغرابة أطواره ولا مبالاته، وعدم استعداده للفهم، وفي الروايتين كليهما تتقدّم لمساعدة البطلين امرأة، لها علاقة مشبوهة بالقاضي، وبالسلطان، الأولى في رواية كافكا تتعلّق زوجة محضر المحكمة بجوزيف، وفي رواية سالم تتعلّق المغنية، التي كانت شبه محظيّة بالحاكم، ومهوى أفئدة الأعيان بالمعلّم، وتتخطّى الممنوعات في سبيله، وتبذل جهدها؛ لإنقاذه، وفي مطلق الحكم، والحاكم، يتشابه الاثنان في وصف شخصية الحاكم، فظَلَّ الحاكم في الروايتين مختفيا، وغامضا، ومجهولا، ولم يستطع أحد أن يراه، أو يتعرّف عليه.

ومهما يكن من أمر، فإنّ التقدّم الفكريّ الثقافيّ والأدبيّ، الذي جلبه التناصُّ، والتواصل، والتصاق بالفكر الغربي، جلب ثقافة وعلما كبيرا نافعا، انبرى له الأدباء، والمفكرون، والشعراء، في تلك المرحلة؛ ليؤلّفوا جانبا مهمًّا من أدبنا لدراسة الثقافة عامّة، ومن هنا نجد التطابق العميق بين روايتي فرانز كافكا، وجورج سالم منضوياً تحت هذا التناصّ الأدبيّ، ولكن تبقى رواية كافكا، رواية مقنعة لاحتوائها العناصر الفنية الواقعية للقصة الفكرية؛ لتشابك صفات الدقّة، والتنوّع، والإيحاء، والوصف المفصَّل، بحيث نجد الإغراق في الرمزية عند جورج سالم، وافتقارها إلى المراوغة البوليسية، حيث أعطى المعلم جانبا فكريا منمقا، لا لغزا رمزيا، كما عند كافكا.
لكن تبقى رواية” في المنفى” عند جورج سالم رواية قيّمة، ذات بعدٍ فنيٍّ لصياغة الرواية المتقدمة، والشاملة للعناصر الفنية للقصة، وإعطاء القصة السورية في ذلك الوقت، لونها الفكري الداعم لبذور فنّ القصة الفلسفي المشوِّق.