سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حالة اللا أدب

 

د. محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث مصري)
ما إن نتحدث عن مصطلح “الأدب النظيف”؛ حتى نجد “الارتيكاريا” قد تملكت عددا كبيرا من أعضاء الوسط الأدبي الحالي، فالأدب النظيف، يعني رسالة قيمية وأخلاقية، هدفها غرس القيم والأخلاق في المجتمع، وهذا في زعمهم يتناقض مع مهمة الأدب، وسقفه الحر.
الحقيقة أنهم لا يكتفون بالدفاع عن الليبرالية في الأدب، وعدم وجود خطوط حمراء في موضوعاته، أو ألفاظه، بل يتعدون ذلك للسخرية من الأدب النظيف، وهدفه الوعظي، الذي افتخر بالدعوة له.
ومن بين عناصر الأدب لديهم دقة الوصف، وهو من أدوات الأديب الحاذق -لا شك في ذلك- لكن حينما يقترب الوصف من رسم العلاقة الحميمية بين الأحباء بدقة متناهية، وبأسماء الأعضاء الجنسية، بل ويتباهى أحدهم، بأن الأديب الماهر هو من يستطيع أن يصف تفاصيل جسد حتى محارمه ببراعة!!! هنا نتحول من الأدب إلى انعدام الأدب، ونخرج من حيز المنطق والاتزان، إلى الفوضى الفكرية، وغياب الوعي.
وكذلك حينما يتعلق الأمر بالتعدي على الذات الإلهية، يتحول الأدب إلى حالة اللا أدب، وأوجز في عدة نقاط بعض رسائل الأدب الحالية في أدب البعض، إن صح تسميته بالأدب واختصرها في الآتي:
1-السخرية من الدين ومن رجاله: وذلك بالتقليل من دوره في المجتمعات المعاصرة، وتصوير المتدينين دائما بالعنف والقسوة والارهاب أحيانا، وهو أمر يتناقض مع اختلاف البشر، وتوجهاتهم في الحياة بين صالح وطالح، علاوة على النيل من الأئمة، وتسفيه الآراء الفقهية.
نملك أن نختلف، أو نتفق مع الاجتهادات الفقهية، وهي مسألة مقبولة، والاختلاف في العموم مظهر صحي، وأدب الحوار من مكارم الأخلاق، لكن الحط من قدر العلماء، وتسخيفهم في نظر العامة، والدعوة للجرأة عليهم تنقل الأدب إلى انعدام الأدب، فالدين علم كسائر العلوم، له ضوابطه، ورجاله، ومختصوه.

2-الدعوة للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب: كلمة تداعب مشاعر الجوائز الأجنبية حول العالم، وتصعد الكتّاب العرب للمراكز الأولى فيها، وهناك الكثير من الكتّاب العرب، قد لبّوا دعوات هذا الاتجاه، مهرولين إليه، ولكن هل هذا الفعل أخلاقي؟
في هذا الوقت لا بالطبع،  فالدماء الذكية  قد أريقت، والمقدسات انتهكت، والهزائم توالت، ولا سبيل للتراجع  انتهى الوقت والتطبيع هنا انكسار… في الماضي، ومع نشوب الأزمة الفلسطينية الاسرائيلية في الثلاثينات/ والاربعينات، كان ممكنا احتواء الأزمة عبر النظرة الموضوعية والعقلانية لحقوق الأقليات داخل الدول العربية على اختلاف طوائفهم، وأجناسهم  كالإسرائيليين والكرد، والأمازيغ والأقباط، والدروز  وغيرهم، والمبادرة بعد زوال الاحتلال؛ لمنحهم حقهم في الاستقلال الجزئي، والكلي داخل مساحات من الأراضي، وما أكثر الأراضي لدى العرب! وما أقل استغلالها!
كان يمكن بذلك تجنيب منطقتنا العربية ويلات الكثير من الحروب، والصراعات المنهكة، والتي لا طائل منها، خاصة وأن مسألة الحدود الوطنية مستحدثة على منطقتنا العربية، والأصل أننا شعوب واحدة، تجمعنا حضارات مشتركة، لا مكان فيها للصراعات على الأرض، والأرض تسع الجميع مع حقوق متساوية، لا تعرف للعنصرية على أساس اللون، والدين والعرق سبيلا..
3-الترويج للشذوذ الجنسي وحرية الشواذ: وهي من الرسائل الفاسدة والمبتذلة في الأدب، والتي تخرجه لدائرة اللا أدب واللا ثقافة على الإطلاق، فالشذوذ دينيا وطبيا وأخلاقيا ونفسيا، منهي عنه؛ لضرره الجسيم، ولمخالفته للفطرة السوية… نعم نبّه يا عزيزي الأديب، للأمر الفاسد في المجتمع، مع التأكيد على فساده، وليس تزيينه في عقول الناس، ولا تترك الداء دون أن تنبه إلى عواقبه، ودون أن تنبه للدواء، وهو العودة إلى الله، وترك المنكرات والاقلاع عنها فورا، وهي النهاية الضرورية، إن أردت أن يكون أدبك حقا أدبا شريفا وخلاقا.
في الماضي، كنت استغرب دعوة الدين إلى التعوذ من العلم، الذي لا ينفع، وكنت أسأل نفسي وغيري، عن معنى هذا المصطلح؟! فالعقل والمنطق، يقولان، إن العلوم كلها نافعة، ولكن مع الوقت، ومع تقدم العمر، وجدت أن قراءتي لـ “حظك اليوم” الذي كنت مدمنا عليه علما لا ينفع، فهل الإجرام السماوية تملك من أمرها شيئا، أو تعرف عن مصيرها شيئا ؟! وهي تنفجر وتتصادم من وقت لآخر، حتى تنتشلني أنا الإنسان المسكين المهموم بمشاكل الحياة من مصير قادم، أو قائم… إذا علاقة حياة الإنسان، وغده بحركة الإجرام السماوية علم واه، ولا يجدي نفعا.

 ومع دخولي معترك الكتابة، وجدت أن الرواية كاستعراض للعضلات في السرد الممل، وإحياء المصطلحات المهجورة في اللغة العربية، أمر يمكن التغاضي عنه إلى حد ما، ولكن حينما يستفيض في وصف العلاقات الجنسية، والشذوذ فهو أمر مستهجن، ومعه يصبح هذا النوع من الروايات علماً ضارّاً.
4-التغني بتعدد الآلهة: منذ سنوات كنت أدرس في محفل للدراسات الإسلامية، وكان من ضمن المواد المقررة مادة تتحدث عن مسار التشريعات والقوانين القديمة، وكان أستاذ المادة -رحمه الله- قامة قانونية، ودستورية كبيرة بلا شك، لكن كان متيما بالاستشهاد، بأقوال تتحدث بلسان الآلهة المتعددة، فجاء كتابه الدراسي حافلا بها، وكان الزملاء من الأزهريين يتذمرون، وهم يدرسون هذه المادة، ولهم كل الحق، لكن الامتحان لا يعرف الرفض.
الحقيقة، أن استشراء أمر الإشارة لتعدد الآلهة سواء أكان من قبيل المباهاة بتراث الأجداد، وحضارتهم ضمن الإطار العلمي، أو من قبيل التندر بآلهة للتحرش والمسخرة!! وانتقال ذلك للمؤلفات الأدبية، لهو من الأمور المؤسفة.
إن مضمون الشيء هو ما يصنع أهميته، وبقاءه على المدى الطويل، ومدى استفادتنا منه على الوجه الصحيح، هو ما يبقيه حيا، ومتجددا في نفوس الناس، وراسخا في عقولهم، فقديما في الحضارات القديمة كانت الملاحم ناقلة لتجارب الناس، وسعيهم لمعرفة الله، فشاءت الأقدار أن تبقى هذه الملاحم، لا ليستعرض الجهلاء تعدد الآلهة فيها، ويتغنون به الآن، ولكن ليعرف الإنسان المعاصر قيمة التوحيد لله، وأنه لو كان هناك آلهة غير الله، لتصارعوا، وتلاعبوا بمصيره، وفسدت الأرض، واختل نظمها المحكم، وهو ما تشهد عليه هذه الملاحم بجلاء.
5-التعرض لصفات الله بالبطلان والاستهزاء: فتجد أدباء يوضعون في مصاف العظمة، بجوائزهم العالمية، وتسمي المدارس الأدبية بأسمائهم، والاقتراب من أدبهم جريمة لا تغتفر، حيث ينبري بهاليلهم في الدفاع عنهم، لآخر رمق … فالبعض من هؤلاء الأدباء، إن جاز تسميتهم بالأدباء، لا يتورعون عن اتهام الله بالظلم على ألسنة أبطال رواياتهم، فهو تارك المستضعفين، والفقراء دون حماية، أو اتهامه بالغفلة وسوء التقدير، فيما يتعلق بترك المتجبرين دون ردع أو عقاب، بل والسرقة أيضا في رواية أحدهم، إذ سرق من ضلع آدم ليخلق حواء؟!
هراء ليس بعده هراء، فهل هذا هو الأدب المطلوب من الناس تصديقه، وتناوله بالشغف والاحترام، واعتباره من القيم الأدبية الإنسانية الخلاقة؟! .
6-عوالم الجن والأبالسة والسحر: إنه أدب الخرافات، والبحث في الغيبيات، لكن يحلو للبعض تسميته بأدب الرعب والفنتازيا، والحقيقة أن يبقى أمرا لا فائدة للقارئ منه، سوى متعة وقتية، لبضع ساعات يقضيها مع الرواية تؤثر في نفسه، فيبحث عن كتب للسحر وتحضير الجان، وقد أقبرتها الأمم، وقد تسلبه هذه الروايات نومه؛ فيصبح مع كثرة قراءتها أسيرا للقلق والاضطراب، ما يؤثر على صحته النفسية والجسدية.
7-الدعوة إلى الإلحاد: وما أكثر الروايات التي تدعو للإلحاد في ظاهرها وباطنها، وما بين سطورها، فالله لدى البعض فكرة كانت تحتاجها القبائل البدائية، لأنها لم تكن تمتلك الأدوات، التي تتصدى فيها لقوى الطبيعة، فتطوعها، وأن الجنة والنار قائمتان داخل نفوسنا، لا مكان لهما في الكون، وأن العبرة بما نراه نصب أعيننا، لا ما تتحدث عنه كتب سماوية، لا ندري مدى صدقها، ولم نشهد نزولها!
مسائل لا يمل أصحابها من ترديدها جيلا بعد جيل، تحت مسمى العلمانية المعاصرة، والحداثة والتقدمية، وإضلال الشباب في مقتبل عمرهم بها، والرد عليهم بسيط؛ فهل طوعت الطبيعة يا حضرة العلماني التقدمي المعاصر، المثقف، فلم تعد أنت في حاجة إلى الله؟! ألا ترى الرياح والأعاصير إلى اليوم تزيل مدناً بأكملها؛ والبشر عاجزون أمامها، وأغلبها في دول متقدمة تصدر إليك التكنولوجيا، ومنها جوالك، الذي تكتب عليه هذه المهاترات، أو جهازك اللوحي؟!
وهل شاهدت أيا من القوى الكونية الأربعة المسيطرة، وأمسكت بها بين يديك، وعلى رأسها الجاذبية، والتي ترى تأثيراتها في التطبيقات الفيزيائية من حولك؟!
ماذا تريد هذه الروايات غير تحييد الدين، وتغييبه عن التأثير في واقعنا الحالي … هذه ليست دعوة مني لأسلمة المجتمع، ويا ليت الإسلام يسود؛ ولكن آمن يا عزيزي العلماني بأي دين سماوي شئت… آمن بالدين باعتباره الموروث الثقافي الحافل بمكارم الأخلاق، والقيم الإنسانية، التي تستطيع أن تتعايش بها داخل المجتمعات بأخلاق.
8-قواميس الشتائم والسباب: مؤخرا قرأت أجزاء من رواية لكاتب شهير، حمل غلاف الرواية قدمي امرأة!!! والرواية رشحت لجائزة كبيرة، وللأسف هالني كل هذا الكم من السباب، والشتائم السوقية، التي تحفل بها صفحات الرواية، وكأنه طفح للمجاري، تجسد في صورة ورق عليه حبر… الغريب أن صاحب الرواية محسوب على الفئات الملهمة للشباب كصاحب قضية ورأى ورسالة… أي قضية، وأي رأي ورسالة مع هذا الابتذال، لا أدري!
في النهاية ماذا جنينا من هذه الصور الثمانية، التي أسلفناها، وتحفل بها كتب الأدب؟! غير انتشار الجرائم، وفساد الأخلاق والابتذال والحروب، وانتشار العنف والخرافة وغياب التراحم داخل المجتمع.
لذا لا غرو أن نجد لذلك أيضا انعكاسا على العلاقة بين الأدباء المعاصرين، وقد غابت الأخلاق في التعاملات بينهم.. لقد تناولت في كتابي صفحات من التاريخ الأخلاقي بمصر جزءا من هذه المسألة في الماضي، لكن الحاضر يحمل لنا صورا أكثر بؤسا وأعظم مرارة، فالنقد بين الأدباء لا يلبث أن يتحول إلى سب، ولعان فاحش من مستصغر الشرر، وعلى أمور ليست بالجوهرية.
وأغلب الخلافات عنوانها الاقتباس، والاقتباس من الفكرة، والبناء عليها، وتطويرها ليس عيبا، ولو كان من فيلم وثائقي أو مسلسل أو من التراث، فالاستلهام ليس عيبا، والروايات ليست خرقا للطبيعة، أو اختراعات مذهلة لها ملكية فكرية، فالأفكار في غالبيتها أصبحت مستهلكة، ومتكررة حول العالم شرقا وغربا، والتشابه بينها مسألة متوقعة تماما، كالألحان الموسيقية، غير أنه من المستحسن الإشارة إلى مراجع لأفكار الرواية إبراء للذمة، وإراحة للبعض، أما الاقتباس الحرفي وبحدود معينة  دون ذكر المصدر،  فهو سرقة أدبية، لا خلاف في ذلك.
لذلك وجود آلية إلكترونية للكشف عن السرقات في المؤلفات العربية، وإن كانت مسألة صعبة التحقيق لعوامل كثيرة من أهمها غموض اللغة العربية في بعض تراكيبها، وسهولة التخفي من خلال استبدال بعض الكلمات الدارجة في النص الأصلي،  بكلمات نادرة الاستعمال، أو ذات معان شتى  في  النص المقتبس عنه، ما يربك البرنامج الالكتروني، فلا يستطيع كشف الاقتباس بدقة، وكذلك عدم إتاحة المؤلفات العربية بشكل كامل، أو جزئي على المواقع الإلكترونية، ما يسهل على البرامج تتبع السرقات الأدبية بين المؤلفات المختلفة، ومضاهاتها وتحديد مواضع الاقتباس، ونسبته وتواريخ النشر الأسبق والأحدث منها.
تفعيل دور التكنولوجيا في حياتنا يسهل الكثير من الأمور، فضلا عن أهمية الترفع عن صغائر الأمور، وسفاسفها في النقاش، والانتصار لفكرة النقد الأدبي كعلم، وليس “خناقة” على مقهى شعبي!!.