سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ليلى محمد ومستقبل السوريين في تركيا

بكر صدقي_

أثارت جريمة التنكيل بالسبعينية السوريّة ليلى محمد في مدينة غازي عنتاب موجة غضب عارمة على وسائل التواصل الاجتماعي، شارك فيها أتراك أيضاً إضافة إلى السوريين.
وقعت هذه الجريمة في جو سياسي محموم بين السلطة والمعارضة، حيث يدور «نقاش» صاخب منذ أشهر حول إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مرفقاً بكمٍ كبير من الأكاذيب والتحريض الرخيص على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، القصد من هذه الإشارة هو أن جو التحريض هذا يتحمل مسؤولية مباشرة عن هذه الجريمة والاعتداءات الأخرى المتواترة على سوريين في مختلف المدن التركية.
غير أن للجريمة الجديدة وجوهاً أخرى لا بد من الإشارة إليها، أهمها المعدل المرتفع للجرائم الواقعة على النساء في تركيا، بوصفهن نساء. وفقاً لتقرير منصة «سنوقف الجرائم الواقعة على النساء» للعام 2021، تم قتل 280 امرأة في العام المذكور، إضافة إلى العثور على جثث 217 امرأة متن بصورة غامضة، وفي أكثرية الحالات يكون القاتل زوج الضحية (124) أو صديقها المقرّب (37) أو رجل من معارفها (24) أو زوجها السابق (21) أو أحد اقربائها (16) أو صديقها المقرب السابق (13) أو رجل غريب (3) أو رجل يلاحقها (1)…
ليس القصد هو إدراج حادث التنكيل بليلى محمد في إطار الجرائم الواقعة على النساء، بل الإشارة إلى استسهال الجاني للتنكيل بها بوصفها سوريّة وامرأة أيضاً، مما يضاعف من دوافعه الإجرامية.
يُذكر أن الجاني شاكر جكر هو من أصحاب السوابق الجرمية (9 جرائم بينها تسهيل الدعارة)، وتم إلقاء القبض عليه فأخذت إفادته وأُخلي سبيله، ثم أُلقي القبض عليه مجدداً بأمر من النيابة العامة فأدلى بأقواله أمام المحكمة التي أُحيل إليها ثم أودِع السجن موقوفاً، من جهة أخرى قام والي المدينة برفقة زوجته بزيارة الضحية في المستشفى تعبيراً عن التضامن معها، هذه سابقة لافتة لم نرَ ما يشبهها في وقائع أخرى مماثلة، الأمر الذي قد يمكن تفسيره برغبة السلطة في امتصاص موجة الغضب لدى السوريين، مع حسبان الحساب لنحو مئتي ألف سوري تم تجنيسهم في السنوات الأخيرة، وقد يجوز إضافة كتلة لا بأس بحجمها من عرب تركيا ذوي الأصول السوريّة.
وفقاً لنتائج دراسة نشرت في وقت سابق من هذا الشهر للباحثين روج غيراسون ومحمد آلغان، يقدّر عدد العرب المواطنين في تركيا بما يتراوح بين مليونين ومليونين ونصف من السكان (بنسبة 1,4 من عموم السكان) يتوزعون بين ولايات عدة كهاتاي (لواء إسكندرون) وأضنة ومرسين وأورفة وماردين إضافة إلى الحواضر الكبرى، ولا تشكل الهوية العربية رائزاً مهماً لدى هؤلاء، فغالبيتهم مندمجين في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية ويستخدمون اللغة التركية في حياتهم اليومية، في حين أن الأجيال الجديدة منهم لا يجيدون اللغة العربية.
سياسياً، لا يتصرف عرب تركيا ككتلة واحدة، وفقاً للدراسة المشار إليها، وتلعب العوامل المحلية دورها في خياراتهم السياسية، مع إشارة الباحثين إلى اختلاف هذه الخيارات بين السنّة والعلويين، جنباً إلى جنب غياب تأثير هذه الهوية المذهبية والثقافية لدى قسم آخر يتصرفون كمواطنين أفراد.
لا يمكن التنبؤ منذ الآن حول مدى التأثير المحتمل لإضافة نحو خمسة ملايين من السوريين النازحين في العقد الأخير إلى أولئك العرب الأصليين، هل سيوقظ لديهم ذلك شعورهم بهويتهم الأصلية (العربية) أم لا؟ والسؤال نفسه يطرح بشأن القادمين الجدد: هل سيميلون مع الزمن إلى الاندماج في المواطنة التركية أم سيشكلون تكتلاً ثقافياً سياسياً على أساس الهوية السورية؟ ذلك لأن الباحثين ينطلقان من فكرة أساسية هي أن أكثرية كبيرة من النازحين السوريين في السنوات العشرة الأخيرة سيبقون بصورة دائمة في تركيا، سواء حصلوا على الجنسية أو تأخر حصولهم عليها لسنوات إضافية.
يخالف الباحثان في توكيدهما هذا الرأي العام الطاغي على النقاش في الحياة السياسية التركية، حيث تتنافس الأحزاب السياسية ومعهم صنّاع الرأي في إطلاق الوعود والوعيد بإعادة السوريين طوعاً أو قسراً، جزئياً أو كلياً، سواء تم تطبيق حل سياسي مُستدام في سوريا أم لا، بالمقابل؛ فإن من يتبنون موقفاً إيجابياً من السوريين وغيرهم من المهاجرين ينطلقون عموماً من نظرة عقلانية تبدأ بالإقرار بوجودهم وبقائهم، فيحاولون قدر استطاعتهم مواجهة موجة العداء للأجانب والمهاجرين التي لا يمكنها أن تُقدم حلولاً للمشكلة بقدر ما تجلب عار العنصرية التي لا يرونها تليق ببلدهم.