سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

باتريس لومومبا.. ومويس تشومبي وحركة عدم الانحياز

رجائي فايد_

ملحوظة أولية: (رغم موقفي الحالي من الناصرية وعبد الناصر إلا أنه كان له مواقف عظيمة وهذا ما تتطرق إليه هذه الكلمات). اهتمَّ عبد الناصر بالبُعد الإفريقي وشجع مواطني هذه الدول وزعمائهم على نضالهم للتخلص من الاستعمار، و”باتريس لومومبا” كان أحد هؤلاء، كان زعيماً وطنياً كونغولياً، ناضل من أجل استقلال بلاده، والتخلص من الاستعمار البلجيكي، ولأنه كان مؤمناً بالوحدة الإفريقية فكانت له في قلب عبد الناصر مكانة خاصة، فكان يغرد خارج سرب القوى الاستعمارية، مما دفع بأحد الجنرالات لتمرد مسلح دعمته بلجيكا للقضاء على هذا العدو، وفي الوقت الذي رفضت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والأمم المتحدة مساعدته، فقد توسع التمرد وأدى إلى اعتقال “لومومبا”، وانتهى الأمر بإعدامه رمياً بالرصاص.
ولوحشية غريمه الانفصالي “مويس تشومبي”، فقد قام بالتهام كبده بعد أن مثّل بجثته وأذابها في الحامض إرضاءً لأسياده من القوى الاستعمارية، ولا يزال يعتبره معظم الأفارقة شهيداً لحركة الوحدة الإفريقية ومازال اسمه يتردد حتى الآن كأحد رموز النضال الإفريقي، في حين أن المتوحش “تشومبي” لم يحمهِ تحالفه وعمالته للمستعمر البلجيكي، إذ دارت به الأيام واتُّهم بالخيانة العظمى وصدر عليه الحكم بالإعدام، فهرب إلى روديسا ورغم أن روديسا كانت مستعمرة إلا أنه أمام الغضب الإفريقي لم يحتمل بقائه على أراضيها، فانتقل إلى إسبانيا، ثم طُرِد إلى الجزائر حيث وضِع في الحبس الانفرادي المنزلي، ورفضت الجزائر كافة الضغوط الدولية للإفراج عنه لتنتهي حياته عام 1969، وبالرغم من رفض الجزائر تسليمه حياً إلا أنها رفضت أن يُدفن في أراضيها ويلوثها بل إن السلطات الكونغولية رفضت هي أيضاً أن يُدفن فيها ويلوث جثمانه ترابها، ولم تجد جثته العفنة مكاناً للدفن في الأرض إلا أن يُدفن عند أسياده في بلجيكا، وتلك كانت النهاية الطبيعية لمن يستقوي بالأجنبي المحتل لبلاده.
أما عن حكاية “تشومبي” مع حركة عدم الانحياز، فهي تستحق أن تروى، لقد بدأت إرهاصات تلك الحركة في أوائل ستينات القرن الماضي عندما اجتمع عبد الناصر مع “جوزيف بروز تيتو” في جزيرة بريوني في يوغسلافيا، واتفقا على تأسيس حركة لا تتبع الشرق ولا الغرب وتكون محايدة في ظل الحرب الباردة القائمة بين الطرفين، وانضم بعد ذلك إلى تلك الحركة “جواهر لال نهرو” ثم “سيكوتوري” و “سوكارنو”، وزعماء آخرين من الذين يبحثون عن الاستقلال بعيداً عن أي من القوتين ليكون القرار السياسي وطنياً خالصاً دون أي تبعية.
وفى 5 أكتوبرعام 1964 احتضنت القاهرة مؤتمراً ضخماً لحركة عدم الانحياز، واتصل “مويس تشومبي” بالسفارة المصرية في الكونغو لمنحه تأشيرة دخول إلى مصر للمشاركة في هذا المؤتمر، فاعتذرت السفارة بحجة أنها تنتظر موافقة القاهرة، وبطريقته الهمجية التي جُبِل عليها قرر السفر بطائرته إلى القاهرة دون إذن من سلطاتها.
أخطرت السفارة السلطات المصرية بأن طائرة “تشومبي” في الجو، وفى طريقها للقاهرة، ووصلت الطائرة وعندما حلقت في سماء المطار لم يؤذن لها بالهبوط، ووصل الخبر لعبد الناصر فوجد أن ملابسات الحادث من الممكن أن تكون درساً بليغاً لـ ”تشومبي” وأمثاله الذين يستقوون بحماية أسيادهم، فأصدر تعليماته بالسماح للطائرة بالهبوط بدون أن يتجه “تشومبي” إلى المؤتمر ولكن إلى قصر العروبة، فظل سجيناً فيه إلى أن ينتهي المؤتمر، وبالفعل اُقتيد إلى هذا القصر في حي مصر الجديدة، وشاهده العالم في شرفة القصر وهو يهدد ويتوعّد، وأذكر أنني ذهبت إلى الساحة المطلة على القصر وشاهدته مع العالم كحيوان متوحش هارب من حديقة الحيوان.