سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التضييقُ على الإيزيديّة في عفرين.. بناءُ مدرسةِ “الإمام الخطيب” نموذجاً

رامان آزاد_

لم تكتفِ أنقرة بالاحتلال العسكريّ وفرض السيطرة على منطقةِ عفرين المحتلةِ باستخدام القوة العسكريّة الخشنة، فكان التغيير الديمغرافي والثقافيّ الشكلَ الأعمقَ للاحتلالِ، بما له من آثارٍ مديدةٍ في تغييرِ هويةِ المنطقةِ وإلغاءِ خصوصيتها، لتكونَ مستنداً في شرعنةِ الاحتلالِ، وكانت الديانة الإيزيديّة بمزاراتها وأتباعها محلّ الاستهدافِ المباشر، باعتبارها أحدُ التفاصيلِ التاريخيّة والثقافيّة المميّزةِ لعفرين، ولذلك أُحيلت إلى غياهبِ الإلغاءِ.
في مسعى لترسيخِ الثقافة التركيّة وتعميمِ أسلوبِ التعليمِ التركيّ تم إنشاء مدرسة “الإمام الخطيب” بدعمٍ من “جمعية الشيخ عبد الله النوري” الكويتية ذاتِ الخلفية الإخوانيّة، فيما تولّت إدارة “منظمة الأيادي البيضاء” السوريّة ــ التركيّة تنفيذها بالتنسيقِ مع المجلس المحليّ لمدينة عفرين التابعِ للاحتلالِ التركيّ.
بتاريخ 29 تموز 2020، أعلن المجلس المحلي في مدينة عفرين التابع لما يسمى “الحكومة السوريّة المؤقتة” وضع حجر الأساس لإنشاء مدرسة باسم (عفرين) بدعم وإشراف من “جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيريّة” ومقرها دولة الكويت، وتنفيذ وإدارة “جمعية الأيادي البيضاء”، وبتاريخ 23 أيلول 2021، تم افتتاح المدرسة والتي تغير اسمها ليصبح “مدرسة الإمام الخطيب”، وتأتي خطة إنشاء المدارس والمساجد في عفرين المحتلة في إطار تعميق آثار الاحتلال عبر “القوة الناعمة”، بعد استخدام القوة العسكريّة في احتلال المنطقة الخشنة.

 

 

 

 

 

 

إلغاء وتضييقٌ كليّ
كانت فترة الإدارة الذاتيّة في عفرين استثنائيّة بالنسبة لأتباع الديانة الإيزيديّة فقد رُفعت القيودُ عنهم، واُفتتحت مدارسٌ في القرى الإيزيديّة لتعليمِ الأطفالِ والشباب قواعد وأصول ديانتهم ومارسوا طقوسهم بصورةٍ طبيعيّة.
تمّ تأسيسُ “اتحاد الإيزيديين الثقافيّ عام 2013، وفي تشرين الأول 2013 اُفتتح المقر في شارع الفيلات، وتمَّ اتخاذُ (مبنى الشبيبة سابقاً) مقراً له، كان ذلك سابقة في تاريخ الإيزيديين الذين لطالما عانوا من حرمان مضاعف فمن جهة بقية الكرد في الحرمان من الحقوقِ القوميّة والثقافة واللغة، ومن جهة ثانية الحرمان من ممارسة الطقوس الدينيّة والاحتفال بأعياد الخاصة مثل عيد الأربعاء الأحمر وعيد “بيخون الإيزيدي أو “خضر إلياس”، ولم تعترف الحكومة السوريّة بالديانة الإيزيديّة وتم تسجيلهم أتباعها على أنّهم مسلمين.
خلال العدوان التركيّ على مقاطعة عفرين، أُطلقتِ الكثيرُ من التهديداتِ من قبل المرتزقة المتطرفين بالقتلِ والذبحِ والسبي للإيزيديين، ووجّهت تهمة التكفيرِ لعموم الكرد، وشهدتِ الفترةُ ما بعد الاحتلالِ التضييقَ على أهالي المنطقةِ وبخاصةٍ الإيزيديين الذين تناقص عددهم ولم يبقَ منهم إلا كبارُ السنِ، وعملوا على إرغامهم على اعتناقِ الإسلام تحت طائلة التهديدِ بالقتلِ وفُرض على نسائهم اللباسُ الإسلاميّ، وبُنيت في قراهم المساجد، ولم يُسمح لأهالي قرية بافليون بالعودة إلى بيوتهم ليُستولى عليها بالكاملِ، وتعرّض الإيزيديون لعمليات اختطاف وقتل، وتم تدمير المزارات الخاصة بالديانة الإيزيديّة، وطال التدمير مقر “اتحاد الإيزيديين الثقافيّ”، في حي الفيلات بمدينة عفرين، وكان يحتوي  المئات من الكتب النادرة التي تخص الديانة الإيزيدية، وضمن حرم مقر الاتحاد انتصب مجسمُ “قبة لالش النورانيّ” و”تمثال زردشت” اللذان تمَّ تخريبهما أيضاً.
في 2 آب 2018، وصفت منظمةُ العفو الدوليّة الوجودَ التركيّ في منطقة عفرين بالاحتلالِ العسكريّ، وكشفت النقابَ عن مجموعةٍ واسعةٍ من الانتهاكاتِ التي يعانيها أهالي عفرين، ويرتكبها مرتزقة الفصائل التابعة لتركيا.
القرى والمزارات الإيزيديّة 
يتوزع أبناء العقيدة الأزداهية في مدينة عفرين واثنين وعشرين قرية، بعض إيزيدية خالصة، وأبرزها القرى: باصوفان، وكوندي مازن/ الذوق الكبير، وباعي، وكيمار، وغزاوية، وإسكان، وشاديره/ شيح الدير، وبرج عبدالو، وکفرزیت، وعین دارا، وترندة/الظريفة، وقيبار، وقطمة، وبافليون، وقسطل جندو، وسينكا/سنكرلي، وماتينا/ الضحى، وفقيران أو فاقيرا/ الرأس الأسود، وأشكا/ أشكان شرقي وأشكان غربي، وجقلي/جقلا جومة، ومسكه جورن/ مسكه فوقاني ومسكه جيرين/مسكة تحتاني.
وتتوزع في منطقة عفرين 19 مزاراً خاصاً بالديانة الإيزيديّة، تعرض معظمها للسرقة والنهب والتخريب والتدمير مثل موقع عين دارة الأثريّ، ومن هذه المواقع: مزاري بارسه خاتون و شيخ حميد في قرية قسطل جندو، ومزار شيخ غريب في قرية سينكا، ومزارات جيل خانا و ملك أدي و برج جندي وزيارة حجري في قرية قيبار، و مزار شيخ جنيد في قرية فقيرا، ومزار هوكر في قرية قره جرنة، ومزار شيخ بركات في جبل شيخ بركات، ومزار شيخ علي في قرية باصوفان، ومزار شيخ ركاب في قرية شاديره، ومزار شرف دين في قرية بافليون، ومزار بيلا منان في قرية كفرجنة، ومزار بير جافير/ جعفر، ومزار مشعله قرب زيارة حنان، ومزار شيخ عبد القادر في قرية ترندة، ومزار شيخ كراس في قرية دير بلوط، ومزار أبو كعبة في قرية أبو كعبة، ومزار شيخ قصاب في قرية برج قاص.

 

 

 

 

 

 

 

تفخيخ وليس قصف جويّ 
بعد احتلال اتجيش التركي ومعه مرتزقة الفصائل المسلحة في 18/3/2018، تمّ تفخيخ مقر “الاتحاد الإيزيدي” وتفجيره، كما تمّ هدم نصب “لالش النوراني” و”تمثال زردشت” المقامان داخل حديقة المقر، على يد عناصر من الفيلق الأول والفيلق الثاني. وأحيل المكان إلى ركامٍ وبقي على حاله حتى عام 2020، عندما عرضت “جمعية الشيخ عبد الله النوري” على المجلس المحليّ للمدينة بناء مدرسة فيه باسم “مدرسة عفرين”.
يُشار إلى أنَّ تقارير إعلاميّة أفادت بأنَّ المبنى تم تدميره بقصفٍ جويّ خلال العدوان، ولكن تبيّن أن ذلك غير صحيح، فقد أكّدت عدّة مصادر داخل فصائل المرتزقة لسوريين من أجل الحقيقة والعدالة، أنَّ المبنى تم تفجيره عمداً من قبل المرتزقة بواسطة ألغام إبان بعد سيطرتهم على المدينة، ولم يُعرف السبب المباشر لاعتماد التفجير في تدمير الموقع، وفيما إذا كان بسبب وجود رموز إيزيديّة/ كردية فيه أم لأسباب أخرى غير معروفة.
بناء مدرسة “الإمام الخطيب”
تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة” مع مصدر من داخل المجلس المحلي لمدينة عفرين والذي قال بأنَّ المجلس المحليّ قد وضع يده على الأرض التي كان يشغلها مقر “الاتحاد الإيزيديّ” بعد تفجيره باعتبارها ملكية عامة من أملاك الدولة السوريّة، رغم أنّ الاستيلاء حدث في سياق الاحتلال العسكريّ التركيّ لجزء من الأراضي السوريّة، وتابع المصدر قائلاً: “عادةً ما تقوم المنظمات بعملية استطلاع للأراضي أو المباني الفارغة بالمدينة، وتتواصل مع المجلس المحليّ لمعرفة المالكين لهذه العقارات وإمكانية إقامة مشاريع فيها، وهذا ما حدث في حالة مدرسة الإمام والخطيب، حيث تواصلت معنا منظمة الأيادي البيضاء وأبلغتنا برغبتها ببناء مدرسة على هذه الأرض، وتم تسليم الأرض لهم بموجب عقد حمل رقم 60706 وتم توقيعه بتاريخ 10 أيار 2020″.
وبعد توقيع العقد بين المجلس المحلي لمدينة عفرين من جهة و”منظمة الأيادي البيضاء” الممثلة لجمعية عبد الله النوري الكويتية من جهة أخرى، تمّ الإعلان عن وضع حجر الأساس والمباشرة ببناء المدرسة، وفتحت المدرسة أبوابها للعام الدراسي 2021-2022، وتضم وفق إعلان المجلس المحلي 29 قاعة صف وغرف إداريّة، وهي مدرسة مجانية للطلاب باستثناء رسوم اشتراك رمزيّة تُفرض على الطلاب بحسب مصدرٍ من المجلس المحليّ.
اختار القائمون على المشروع اسم (الإمام الخطيب) للمدرسة على غرار المدارس الدينيّة التابعة لوقف الديانات التركيّ، وذلك من أجل الحصول على التسهيلات التي تُمنح عادةً لوقف الديانات داخل الأراضي السوريّة المحتّلة.
أمّا منهاج مدرسة الإمام الخطيب) فهو المنهاج المعتمد من قبل ما يسمّى “الحكومة السوريّة المؤقتة”، ويتم تدريسها باللغةِ العربيّة إلى جانب اللغة التركيّة كمادة إضافية في المواد الإلزاميّة، فيما يتم تدريس اللغة الكرديّة للطلاب الكرد مادةً اختياريّة وليست إلزاميّة مثل المواد التي يتمّ تدريسها باللغة العربيّة أو التركيّة.
ويتضمن المنهاج الدراسيّ ثلاث مواد دينيّة حول مبادئ الشريعةِ الإسلاميّة، بينما تعتمد مدارس “الإمام الخطيب” التابعة لوقف الديانات التركيّ، على اللغة التركيّة بشكلٍ كامل، وجميع موادها هي حول الشريعة الإسلاميّة.
المكانة الدينية والثقافية للموقع
بعد تأسيس “اتحاد الإيزيديين الثقافي” وتخصيص بناء عام 2013، بات المبنى مكاناً لعدة لجان تعمل من أجل خدمة المجتمع الإيزيدي وإدارة شؤونه وحل المشاكل وتسيير مسائل الأحوال الشخصية وتنظيم الأمور الدينية، ومن كان من بين هذه اللجان؛ لجنة التدريب الديني ولجنة الشيوخ ولجنة المرأة ولجنة الشباب ولجنة الثقافة والفن ولجنة الصلح ولجنة المثقفين.
تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مع الشيخ” زهر الدين حسن عبدالو”، أحد شيوخ اتحاد الإيزيديّين سابقاً في عفرين، والمقيم حالياً في منطقة الشهباء، حيث قال في شهادته ما يلي: “كان الاتحاد الإيزيدي في عفرين مرجعاً للإيزيديين في كلِّ مجالاتهم الحياتية، فقد كان ينظّم أمورَ الأحوال الشخصيّة ويقوم بدورِ محكمة صلح لهم، وكان يتولى التعليم الدينيّ والتعريف بعادات وتقاليد الإيزيديين لأتباع الديانة الإيزيديّة إضافة إلى رعاية الحفلات والمناسبات والطقوس الدينيّة.
مَن هي المنظمات التي أنشأت المدرسة؟
جمعية الأيادي البيضاء: بحسب ما عرّفت عن نفسها في موقعها الرسمي، هي جمعية خيرية تعمل في جميع قطاعات الإغاثة الإنسانية، حصلت على الترخيص للعمل في تركيا وإنشاء مكتب في مدينة إسطنبـول بتاريخ 27 شباط 2013، تحت اسم BEYAZ ELLER YARDIMLAŞMA DERNEĞI، وفي 24 أيلول 2014، حصلت على ترخيص لمكتب أنطاكيا، المعني بتنفيذ المشاريع ومتابعة الوضع لقربه من الحدود السوريّة التركية.
وبحسب المواد والتصريحات الإعلامية التي تنشرها المنظمة على حساباتها الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي فإنها تتلقى تمويلاً بشكلٍ أساسيّ من “جمعية عبد الله النوري” الكويتيّة، وكان مصدر في المجلس المحليّ بمدينة عفرين قال في حديثه مع “سوريون” إنّ منظمة الأيادي البيضاء كانت قد فاوضتِ المجلس حول إنشاء مدرسة “الإمام الخطيب” نيابةً عن الجمعية الكويتيّة، إذ إنه من المعروف لدى المجلس أنّها الواجهة الإداريّة والعاملة على الأرض باسم الجمعية الكويتيّة.
جمعية “الشيخ عبد الله النوري” الخيريّة: بحسب ما عرّفت عن نفسها في موقعها الرسميّ، هي جمعية كويتيّة خيريّة تساهم في بناء وتنمية المجتمعات المحتاجة من خلال برامج تعليميّة ودعويّة، عبر تعزيز التواصل مع الداعمين والمستفيدين، واستثمار أمثل للموارد البشرية والماليّة.
ظهر اسم الجمعية واللوغو الخاص بها وعلم الدولة الكويتيّة بشكل واضح في صور ومقاطع فيديو وضع حجر أساس وافتتاح مدرسة “الإمام الخطيب.
أردوغان درس في الإمام الخطيب
يُذكر أنّ قانون توحيد التدريس الذي أقره البرلمان التركيّ في 1924، لم يلغِ أنواع التعليم السائدة في عهد الدولة العثمانيّة، إلا أنّه أكّد على هوية الدولة العلمانيّة وألزم بتجفيف منابع التعليم الدينيّ وإغلاق مؤسساته، وبذلك تم اعتماد نموذج مدارس الإمام الخطيب.
وقد تخرّج من هذه المدارس كثير من السياسيين بينهم أردوغان وعبد الله غول، ونحو ثلث نواب حزب العدالة والتنمية، ونحو 40% من طلاب الجامعة من خريجيّ ثانويات الإمام الخطيب، وبذلك يمكن فهم معنى الترويج لهذا النوع من المدارس في المناطق المحتلة.
لم يقتصر عمل جمعية “الأيادي البيضاء” التركية BEYAZ ELLER في التغيير الثقافيّ عبر بناء المدارس العديدة، بل كان سهم كبيرٌ في عملية التغيير الديمغرافيّ عبر تنفيذ مشاريع القرى الاستيطانيّة مثل مستوطنة بسمة في قرية شاديريه الإيزيديّة بتمويل من “جمعية العيش بكرامة لعرب 1948″، ودعم من الجمعية الخيريّة العالمية للتنمية والتطوير (تنمية)، والتي تمت تنفيذ مرحلتين منها.