No Result
View All Result
ديدوشكا آرمين_
تقع أرمينيا التاريخية، أو الحقيقية، والمقصود بها هي الأرض التي سكنها الأرمن تاريخيا بين خط العرض 41,5 شمالا إلى خط عرض .37,5 شمالا، ومن خط طول 49 شرقا إلى خط طول 47 شرقا، وهي بذلك تطل على البحر الأسود، وبحر قزوين معا، إنه موقع حيوي جداً، كونه يشكل عظمة المفصل بين عالمي الشرق والغرب، ما جعل أرمينيا التفاحة الحمراء لعبة الكبار، التي تشتهيها كبری الإمبراطوريات القديمة، والدول العظمى الحديثة، فأزاحت المشمش، والكرز عن موطنه الأصلي أرمينيا، وحولوا أرضها إلى تفاحة شقاق، ولنا فيما ذهبنا إليه، من قبيل المثل لا على سبيل الحصر:
أولاً: قسم من البحث الذي أجراء أستاذ التاريخ “آيف ترنون” والذي يتمحور حول مربط الفرس (الموقع الجغرافي)، وتوصل إلى نتيجة توضح كيف تحولت قلوب الأرمن دافئة في صدورهم إلى جمرة حارقة، حيث يعبر عن ذلك في نهاية ذلك الجزء من بحثه قائلا: (كم هو مرعب أن يكون لك وطن ذو موقع استراتيجي).
ثانياً: كلمة صدق قالها القاتل الأعظم، كما وصفه رئيس وزراء بريطانيا “كلادستون” والمقصود به السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وهو يسر بذلك إلى أحد مستشاريه: “إن أرض أرمينيا تختلف عن أرض أوروبا الإغريقية، اليونان أو أرض -البلقان -الصرب بلغاريا… الخ) كونها تشكل قلب الإمبراطورية العثمانية النابض، وبفقدها تزول الإمبراطورية”.
الصراع على عظمة المفصل –اجتماعياً- يظهر بأوضح صورة القضاء على التقاليد، وعلى القواعد الاجتماعية للعائلة الأرمنية والذي بدأ من عام 16 ميلادي، بين مطرقة الرومان، وسندان مكر العجم، حيث تشكلت طبقة “النخرار” الأرمنية بمساعدة البارثيين للخروج على التقاليد الإغريقية في أنظمة الحكم، وبعدها أي في أعوام ٢٢٤-٦٤٠ م، قامت الدولة الساسانية بصهر الأرمن دينياً وقوميا، فكان الرد أن انتشرت بدعة “البيالقة” سرا في أرمينيا وهي حركة اجتماعية بطابع ديني موجهة أساسا ضد طبقة النخرار الأرمنية، ولم تكتف كلتا الإمبراطوريتين بزرع بذور تقاليديهما في الحياة الاجتماعية الأرمنية، بل قسموا التفاحة الأرمنية لأول مرة في التاريخ إلى قسمين لوضع حد لصراعيهما:
ـ شرقية تمثل أربع أخماس التفاحة، وآلت إلى الدولة الفارسية.
ـ غربية وهي خمسها الباقي، وآلت إلى الدولة البيزنطية وفق اتفاقية إيسليسني عام ٣٨٧ ميلادي، وكان ذلك إيذانا بانهيارها، ولمواجهة ذلك، وحفاظا على الشخصية الأرمنية ولغتها كان الأرمن قد اتخذوا وسيلتي دفاع:
أ: ابتكار الحروف الأرمنية:
ب: التمسك بتقاليد وثقافة الكنيسة الوطنية الأرمنية: إن أهم ما يمكن استنباطه من ذاك الصراع هو كسر الركيزة الأساسية، التي يعتمد عليها الأرمن في مواجهاتهم، وهو الاقتصاد الأرمني ويظهر ذلك جليا مثل شمس أرمينيا الساطعة في المرحلة اللاحقة، ففي هذه المرحلة أي من عام 16-640 ميلادي، طوت أرمينية صفحة تعرضها اجتماعياً وثقافياً بالحفاظ على الشخصية الأرمنية فوق ثراها، في مواجهتها لصراع محتدم بين ثقافتين تفرضان وجودهما؛ الهيلينية “الإغريقية والرومانية” من جهة، والفارسية من جهة أخرى، أما بعد أواسط القرن السابع تبدأ عذابات الأرمن مع جريان سيول الوفود الجديدة، وهي قبائل بدائية، وأرض الجوار الأرمنية كردستان تشكل أرضية خصبة لاحتضان هؤلاء.
إن الفتوحات العربية ذات الصبغة الإسلامية، في جوهرها الاستيلاء على البلاد ذات الترف والنعيم، فبلادهم جرداء قاحلة، وهو ما أثبته أعدل وأوثق مؤرخي الفتوحات العربية “البلاذري” في كتابه “فتوح البلدان” كانت فطنة الأرمن سباقة في فهم الوافدين الجدد وكما يقول المثل (ربما يكون القادم من الأيام أحسن) ولكن هيهات لقد صبر الأرمن، وتحملوا عذابات كثيرة بدءاً من الاعتداءات البسيطة، التي يكتنفها الإذلال والإهانات إلى حد السحق، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما فعله محمد بن مروان الأموي بحرق ١٢٠٠ أسرة من النخرار الأرمن في كنيستين، فسلك الأرمن سبيلين في هذه المواجهة:
ـ قسم فضل الهجرة، ولم يعد يقوى على التحمل والصبر، وكانت هجرة ١٢٠٠٠ أرمني من ظلم العباسيين إلى دولة الروم على سبيل المثال.
ـ القسم الأعظم فضل البقاء والصبر، وتحمل المشقات وقد واجهها الأرمن بالتمرد وبالرفض المستمر، فتكللت جهودهم بالنجاح، فما إن بانت علامات الشيخوخة الهرمة على دولة الخلافة، وهدأ التوتر بينها وبين دولة الروم البيزنطية، والتي يحكمها ملوك ذو أصول أرمنية، واستعطافهم لأبناء جلدتهم (تهيأت الظروف الموضوعية) أرسلت الشمس الأرمنية أولى شعاعها للمارد الأرمني، الذي ضمد جراحه، ولملم نقاط قواته على العجل، معبراً عن نفسه بـدولة أرمينيا الكبرى فعادات للممارسة دورها التاريخي في الوساطة بين عالمي الشرق والغرب بدءاً من عام ٨٥٦-۱۰۷٩ ميلادي، فلم يرق ذلك لا للحكام (الملوك) الجدد لدولة الروم البيزنطية بعد انقطاع سلالة الحكام ذوي الأصول الأرمنية، ولا لمن استعانت بهم دولة الخلافة (القواد والجنود) الأتراك الذين حولوها إلى دمية.
إن أفول هذه المرحلة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجشع الطبقة العليا الأرمنية، التي كانت تزدري الطبقات الأدنى منها اقتصادياً، ففقد النسيج الاجتماعي الأرمني ترابطه وتعاضده، لأن هم هذه الطبقة هو أن تكتنز الأموال، ومارست في النهاية دوراً هداماً جداً، حيث عملت على اقتلاع الشعب الأرمني من جذوره وكان ذلك عام 1045ميلادية عندما تنازل الملك الأرمني “جاطيق الثاني البجراطي” لملك الروم “قسطنطين التاسع” عن أرمينيا مقابل اقتطاع قسم من كيليكيا لهم، فهجر الروم البيزنطيون الأرمن عنوة إلى كيليكيا، في حين أخفى قسم من الأرمن أنفسهم في أرمينيا، أو “خيموا” بجوارها، ولم يهنأ الروم بأرمينيا، فقد استعان الأتراك بالدولتين الكرديتين بني مروان، وبني شداد في السيطرة على أرمينيا بدءاً من “آني” عام 1064، م وكان النجاح حليفهم، واتبع هذا التحالف بمعركة “ملاذ كرد” عام ١٠٧١ ميلادي، وتنازل السلاجقة الأتراك عن مدينة “آني” الأرمنية ذات الألف كنيسة، وكنيسة عام ١٠٧٢ ميلادي للكرد عرفانا بالجميل الذي أسداه الكرد لهم.
إن نهاية هذه المرحلة مأساوية جدا، فهي تشكل منعطفا خطيراً في مسار الحياة الأرمنية (اقتصاديا اجتماعيا، أخلاقيا فنيا، فكريا …الخ) حيث نجح الرومان في ضرب عصفورين بحجر واحد كما يقول المثل، وبإبعاد الأرمن عن أرضهم وجذورهم خسروا الموقع الاستراتيجي لأرمينيا، والعماد الأساسي لأرمنية وهو الاقتصاد، وإن كانت ديدان الفساد تنخر قبل ذلك في الشجرة الأرمنية، وتعمل لتجعلها صالحة للموقد التركي فقط.
أكمل الأتراك السلاجقة سيطرتهم على أرمينيا، وهنا الرومان دقوا مسمارهم أيضا في النعش الأرمني، فتوسعهم في أوروبا وضمهم غالبية منطقة الشرق الأوسط، أدى إلى زحزحة حدود عالمي الشرق والغرب، ليصل شرق الأناضول أرمينيا إلى نهر التونة، ما وراء أوروبا) وفقدت أرمينيا الموقع الاستراتيجي، ومن هنا تحديداً الإبادة المؤثرة للهوية الأرمنية، وعمل الأتراك على تجفيف الينابيع الرئيسية، التي تغذي النهر الأرمني.
لم يقف الأرمن مكتوفي الأيدي رغم وقوعهم في مصيدة المخطط “أرمینیا سپس كيليكيا” فعيونهم كانت مشدودة صوب قبلتهم، موطن الكرز (أرمينيا التاريخية) فاتخذوا ما كتبه وجمعه الفقيه والمشرع الأرمني “غوش” في مؤلفاته القانونية أساسا للقوانين الأرمنية، لتنظيم حياتهم الاجتماعية، وأسس قواعد العائلة الأرمنية، بينما قام المؤرخ “هيتوم جيراجوس” بجولته ملتمسا دعم وتفهم أمراء أوروبا الغربية المسيحيين، وتقديم مخطوط مطبوع بعنوان “تاريخ بلدان الشرق” يعتمد على الحقائق في جولته الدعائية تلك، وفيها يجعل قاعدة انطلاق الحملات لاستعادة أرمينا التاريخية، وفي المرحلة بين عامي (۱۰۸۰ -۱۸۷۸ ميلادية) نجد حقيقة عجائب الحياة الأرمنية فرغم ممارسة معظم الإمبراطوريات – البيزنطية العثمانية الفارسية- القهر والإذلال إلا إنها تستطيع تخفي عجزها عن اجتثاث الجينات الأرمنية عن أرضه أرمينيا، وبقيت راسخة رغم أنوفهم، فالنجاح كان حليف “مخيطار هيثوم جیراجوس” وآخرين يعملون على الفكر والفهم للحياة الاجتماعية.
عودة الأرمن تدريجيا إلى أرمينيا أثناء انقسامها قسمين شرقية فارسية، وغربية عثمانية، فكيف يمكن للسلطان العثماني الفاتح أن يُهجِّر أربعين ألف أرمني إلى قسطنطينية 14٧٢-1473 ميلادي كان سكنهم (سيواس إرزنجان أرض الروم)، وتهجير الفرس لخمسين ألف أرمني إلى أصفهان العاصمة في الأعوام ١٦٠٣-١٦١٨ للمساهمة في تجديد الاقتصاد (تجاريا وصناعيا) وتطوير الحياة الاجتماعية في العاصمة.
فوجئت الدول العظمى بقوة كمون الحياة الاجتماعية الأرمنية، وفي المحصلة كانت الغاية منع روسيا من القيام بدورها، التي كانت تحاول الظهور به كحامية للمسيحيين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى زرعت بذور الفساد، والانشقاق في الحياة الاجتماعية الأرمنية من جهة، وبين الأرمن والمكونات الأخرى، ويتضح ذلك جليا كشمس أرمينا الساطعة في كبد السماء من خلال مراسلات القناصل والسفراء في كلتا الدولتين الفرنسية والإنكليزية (الكتاب الأصفر الفرنسي والكتاب الأزرق البريطاني)، وما جاء على لسان قنصل أرضروم (إن أوروبا تستخدم بلا حياء الحماس الرعوي بحصر المعنى لدى المرسلين من مختلف المذاهب في غايات سياسية)، وما نطقت به ألسنة الكهنة فيما بعد منهم يوسف تفنكجي: (تتسلل البروتستانية إلى كل مكان، وتشن حملة إبادة على الكثلكة)، لقد فُرض على الأرمن و-عذرا على اللفظ – التذكير بمقاطعة بوماريا الواقعة بين فرنسا وألمانيا أي (الطاعة العمياء لأسيادها)، وهو ما مفاده قوة الدول العظمى لتصل إلى شن الأرمني حملة ابادة على الأرمني، وبالقوة ذاتها شنت المكونات الأخرى إبادة على الأرمن، ألا يقول المثل “حين سقوط الضحية يكشر الكل عن أنيابه” وهذا هو حال من يقبل الطاعة العمياء، أي تناول الخبز الأسود جاهلا مكوناته.
لقد أدرك الأرمن ذلك لكن بعد فوات الأوان وابتلاعهم الطعم، وإلا فكيف تحولت خلافات المذاهب المسيحية الأرمنية الجادة إلى خلافات نظرية هشة.
تشكل أعوام ۱۸۰۰-۱۸۷۸م بالنسبة للدول العظمي أعوام تهيئة، وتحرير الكثير من البلدان والدول (اليونان الصرب الجبل الأسود. بلغاريا رومانيا. الخ) فبعد استرضاء روسيا بالسيطرة على أرمينيا الشرقية عام ١٨٢٨م، تحولت التفاحة الحمراء إلى زر أحمر لا يجوز المساس به أو مجرد لمسه، والسبب في ذلك إبقاء الإمبراطورية العثمانية على قيد الحياة بقلبها النابض وشلل أطرافها (إنه سوء طالع أرمني فبإمكان الدول العظمى إبرام الاتفاقيات الدبلوماسية كلها عن طريقها، وعلى حسابها دون أن يكون لها دور مؤثر (تغیير مسار الاتفاق بشكل جاد) وهذا ما مفاده تهيئة الظروف الموضوعية للبدء بتوسيع نطاق الابادة الأرمنية من ممارسة اعتداءات محدودة إلى ممارسة اعتداءات السحق والإبادة، وهو ما يوضحه فكتور برار: (تقوم الاعتداءات الجديدة على ثلاثة أسس، السرقة المنظمة، والقتل المشروع، واغتصاب مكافئة) وهو ما تم تلقينه وزرعه في رأس سلطان مجتمع الرعاع، وهذا ما رواه المستشرق المجري المعروف “أرمينوس” صديق السلطان حينما أسرَّ له أن التخلص من المسألة الأرمنية يكمن في التخلص من الأرمن ذاتهم.

No Result
View All Result