زرياف المقداد_
أنْ تعرفَ أنّك وظلك متلاصقان، تلك ليست نادرة، أمَّا أنْ، تدركَ أنك طوال تلك السنين، كنت تعيش بلا ظلٍّ فتلك هي النادرة.
أنْ تدركَ طعمَ الجوعِ ليست القصة، لكن أنْ تموتَ جائعاً والخبزُ في يدك، فذاك زمن الخبز والدم، عندها ستعرفُ كيف يكونُ بكاءُ الرجالِ في مُدننا البائسة!!
في حارةٍ بائسةٍ تسكنُ فيها منذ زمنٍ بعيدٍ رائحةُ الطينِ، وتتطاولُ الجدرانُ والأبنيةُ حولها، فلا يعلمُ بها إلاّ خالقها – كنت أعيشُ- وكانَ بجوارِ غرفتي شجيرةُ ياسمينٍ بأزهارٍ بيضاءَ رائعة، تتسلقُ كلَّ يومٍ جدرانَ الغرفةِ الطينيةِ. أجلْ في زمنِ الإسمنتِ ما زالتْ غرفنا الطينيةِ كما هي، لم تلحقْ بالزمنِ، الذي جعلَ الأبنية تعلو وتعلو، وتحجبُ رائحةَ الطينَ عن النوافذِ العالية.
كانتْ الياسمينةُ شقيةٌ تتسلقُ الجدارَ كلَّ يومٍ، وتطرقُ بأناملَ رقيقة شفافة على النافذة، توقظني برائحةٍ لمْ أعرفْ ما يشبهها في أي زمن من أزمنة الأرض الغارقة بالوجع.
تلك الرائحة تخترقُ الجدرانَ الحديديةَ المتربعةَ فوق صدري في هذا الزمنِ، وتلامسُ شغافَ قلبي، فتُذهِبُ عني ما أوجد العالمُ من حولي منْ حقدٍ وهمٍّ وحزنٍ، كانتْ هي الوحيدةَ القادرةَ على إيقاظي كل صباح، رغم رائحةِ الدُخانِ والعثِّ، وأصواتُ الفئرانِ تتهامسُ على قطعةِ الخبزِ، التي قدمتها الجارة للقطِّ الراقدِ تحتَ ظلِّ النافذةِ.
والغريبُ في الأمرِ، أنني كنتُ كلما خرجتُ من حارتي الصغيرة أُضيُّعها؛ لا أستطيع أنْ أستدلَ على مكانها في الخارطةِ، فلم يكنْ لها اسمٌ جغرافي في دائرةِ التخطيطِ، كانتْ خبراً في ماضٍ اندثرْ، وربمّا تلاشى، وبقيتْ منْه هذه البيوت الطينية، التي تشهدُ على يومٍ ما مرَّ من هنا… وربما تسمعُ أرواحاً، عزَّقتها الأنظمةُ ذاتِ زمن.
وكنتُ أتساءلُ كيفَ توجدُ مثل هذه البيوتِ في مدينة كبيرةٍ، ومع ذلك أنا هنا منذ الأزلِ، لا زلتُ أحتفظُ بمكاني، ولن أبيعه لحلمْ فأرةٍ، كنتُ أنسى مكان حارتي وبيتي الصغير، لكنَّ رائحة الياسمين هي غزل وعشق يسكن دمي، تُعيدني كلمّا ضعتُ في الشوارعِ المزدحمةِ بالبشرِ تتطلعُ باتجاهٍ واحدٍ منتظرةً شروقَ الشّمسِ، أو تنفّس رغيفَ الخبزِ في طابورِ فرنٍ طويلٍ، الجميعُ يركضُ وراءَ رغيفِ الخبز،ِ هكذا قالَ أبي ذاتَ مرّة، وقد أضعْتُه!!!.أجلْ أنا رجلٌ بائسٌ ضيّعتُ أبي، كنتُ أركضُ كالجميعِ وراءَ لقمةِ العيشِ، لن تسألني كيفَ أحصل عليها، لأنني لا أعرفُ! لن تسألني ما لقمة العيش؟ فأنا لا أعرفُ! ربما هو خبزٌ مالحٌ معجون بالدم أمام الطرقات العابرة، وفي شوارع أجسادنا المتعبة! وهو خبز مرٌّ كما لمْ أعهدْ شيئاً مراً في حياتي، وهكذا عاقبتُ نفسي، وأبي لأنه أنجبني لهذه المرارة!
كنت أشاركُ الناسَ الشمسَ التي يستدفئون، والهواءَ الذي نتنفس، وكُلنا يركضُ وراءَ رغيفِ الخبز، ووراءَ لقمةِ العيشِ، ونقضمها كأمرِّ من قضمِ الصّوان، ومع ذلك لا أحد يعلمُ منا بالآخر، لا أنا منهم، ولا هم مني، نحن الغرباء في عتبةِ الدار الواحدةِ، هكذا تعوّدنا منذُ أربعين عاماً! ومع ذلك فقدْ علمتْ هي بي، أصرتْ على المرورِ أمامي، بل أمامَ وجهي، لقد كنت رجلاً بلا وجه!!
أزحتُها… فعادتْ للالتصاقِ بي. وفوراً استسلمتُ لإصرارها البليد، فابتعدتُ عنها متفادياً رجوعها، لكنني اصطدمتُ بشخصِ كانَ يقفُ ورائي، فالتقطتْني فوراً، وتمركزتْ فوق وجهي، وبدأتْ بالطنينِ، لقد كانتْ ذبابةً كبيرةً.. كبر أحقادِ العالمِ على كلِّ ما هو جميلٌ وهادئ.
غضبتُ!!! أنا رجلٌ غاضبٌ، ضربْتُها، يا للهولِ الضربةُ خرتْ صاعقةً فوقَ وجهي! (نحنُ نضربُ وجوهنا!) ضحكَ رجلٌ يقفُ خلفي، شعرتُ بالخجلَ مني! وبدأتُ أحسبُ لوجودِ الذبابِ في المدينةِ، ظننتُني سمعتُ دقاتٍ خفيفةٍ على البابِ، فسارعتُ لفتحه متأملاً زائراً قد ذكرني؛ لم أجدْ شيئاً، وبدأتُ أعدُّ الشاي منتظراً نفسي، كي تشاركني جلستي، ولكنَّ الذباب
حوّمَ حولي بصورةٍ عجيبةٍ مخيفةٍ، وبدأ بالطنينِ، ثمَّ تجمّعَ سربٌ كثيفٌ منْه حولي، وانتزعْ مني كوبَ الشاي! إحساسٌ ما بالذبابِ الذي بدأَ يتكاثرُ بطريقةٍ عجيبةٍ وغريبةٍ، إنَّه يتكاثرُ بسرعةٍ هائلةٍ، صارَ يلتصق بالنافذةِ، وبالأشياءِ الشفافةِ الجميلةِ، ويسرق الليلَ مني، أُغطي رأسي بالوسادةِ من أجلِ تفادي صوته البغيض… دونَ فائدة…زئيرهُ يحدُّ من تفكيري، ويمنعني من رؤيةِ السّماءِ، وصوتُه يحاولُ أنْ يُبعدني عن أصواتٍ صاخبةٍ بدتْ كالبركانِ في الشوارعِ، يلتصقُ بي وأحكُّ جلدي.. أحكّهُ أكثرْ، أحاول أنْ أمسح الأوساخِ كلها، العالقةِ بجدرانِ الغرفةِ… دون فائدة!
ليلاً… كانتْ هي… الذبابةُ الكبيرةُ، وكانتْ كبيرة جداً، أصبحتْ قدماها أكبر من رأسي، وضعتْ يدَها فوقَ فمي، وراحَ الجنونُ يعصفُ بي، اعتلتْ بقدمها فوقَ صدري، كادتْ تخنقني، وهي تضحكُ بجنونٍ مخيفٍ ومرعبٍ، تركتْني أسترقُ نَفَساً قصيراً، وتوجهت كالبرق صوبَ أوراقي…عرفتْ مقتلي… تكاثرتْ هناك؛ كيف؟ لستُ أدري!
وضعتْ بيوضاً كثيرةً، وفقستْ البيوضُ في ثوانٍ، وبدأتْ أقدامُ الذبابُ الصغيرةٍ تضربُ كلَّ أشيائي، تحطمتْ زجاجةُ العطرِ الوحيدةِ التي لديَّ، وانتشرَ منْها روائحُ كريهة.
هناك من يضرب النافذة! أسمعُ صوتَ الزجاج يتحطمُ، أخرج لأبحثَ عنْ الحطامِ… لا أجدُ شيئاً! إذاً الجن يركضُ أمامي! أنا سمعتُ صوتَ الزجاجِ يتحطمْ! أقسمتُ على ذلك للجميعَ، ورأيتُ أقدامَ الذبابِ تتراكضُ مبتعدةً.
أغرسُ أظافري في جسدي، وأتحسسُ الدماءَ، التي فارتْ على وجهي حارةً، أحكُّ عنقي بشدةٍ، توقظني ضحكةٌ باكيةٌ من جدرانِ الغرفةِ! صِبْيةٌ في الخارج، أصواتُ ضحكاتهم غزلٌ يعانقُ الهواءَ، ويغريني كالضوءِ في لجة العتمة بالخروج! يطرقونَ البابَ!
أخرجُ. ألمحُ بينهم جسديَ الصغيرَ يركضُ على غيرِ هدى… أنا وهم صغارٌ بعمرِ الوردِ، يركضونُ وراءَ الذبابِ، ويرمونه برسوماتهم وأقلام التلوين، يسوّرون الأشجار والأرصفة بأجسادهم الندية، يفتحون الطرقاتِ، ويتساقط الصدأ العالق في الهواء… ويرسمون قوس قزح في السماء! أبكي عليَّ!