رامان آزاد_
أصدرت لجنة التحقيق التابعة للأممِ المتحدةِ الخاصة بسوريا يوم الثلاثاء 9/3/2022 تقريراً جديداً حول مُجملِ ما وجدته انتهاكاتٍ لحقوقِ الإنسانِ من أعمالِ الاختطافِ والإخفاء القسريّ وعملياتِ التعذيبِ في مقراتِ الاحتجازِ لدى مرتزقةِ الاحتلالِ التركيّ وصلت حدَّ القتلِ وانتزاعِ الملكياتِ بالقوةِ، وإذ حمّل التقرير سلطاتِ الاحتلالِ التركيّ مسؤوليّة فضفاضة شكليّة عن الانتهاكاتِ، فإنه لم يصفها بالاحتلالِ، وخفّف التوصيفِ إلى الاعتقادِ دون الإدانةِ وتجاهل عملياتِ التغييرِ الديمغرافيّ والتتريكِ ليهبط إلى مستوى تقريرٍ لمجردِ العَدِّ والإحصاءِ دون قوةٍ قانونيّةٍ.
نقصٌ واضحٌ في المهنيّةِ
لا تنفكّ المنظومةُ الدوليّةُ تمارسُ سياسة الممالأة والقفزُ على الحقائقِ وتجاهل الأدلة الدامغة، وتصدرُ تقارير “ذر الرماد في العيون”، لتوحيَ للعالم بأنّها تتابعُ تفاصيلَ الانتهاكاتِ لحقوق الإنسان في أنحاءِ العالم، ومنها سوريا الجغرافيا المشتعلة منذ عقدٍ من الزمان، فالتقاريرُ لن تُطفئ الحريقَ ولن تُعيدَ الحقوقَ، وما تقومُ به اللجنةُ الأمميّةُ لا يتجاوزُ عمل الأفراد أو أدنى المؤسساتِ الإعلاميّة أو الحقوقيّة في صياغةِ تقارير ترصدُ الانتهاكاتِ على سبيلِ الإحصاءِ والعَدِّ، دون قوةٍ قانونيّةٍ فاعلةٍ، رغم أنّ الأممَ المتحدة يُفترضُ أن تمثّلَ أعلى مرجعيّةٍ قانونيّةٍ على سطحِ الكوكبِ، وألا تكونَ من الضعفِ لتتجاهلَ الحقائقَ وتستخدمَ ألفاظاً مخففةً لتوصيفِ الجريمةِ، فاللجنةُ تذكرُ أنّها تواصلت مع أطرافٍ عديدةٍ لاستقصاءِ الحقيقةِ، وخلصت فقط إلى مجردِ أنّ لديها أسبابٌ للاعتقادِ، دون استخدامِ مصطلح “الإدانة” القانونيّة في جرائمَ اُرتكبت عمداً.
لم يصفِ التقريرُ القواتِ التركيّةِ بأنّها “محتلة” ولا أساسَ شرعيّ أو قانونيّ لوجودها على الأراضي السوريّة، وأنّها جمعت كلَّ عواملِ الأزمةِ السوريّة في المناطق التي تحتلها وضمّت كلّ أنواعِ المرتزقة والبنادقِ المأجورةِ وبينهم الفارون من “داعش”، وفي إشارةٍ مخففةٍ ذكرت وجودَ محققين من الاستخباراتِ التركيّةِ أثناءِ استجوابِ المواطنين، ولم تذكر أنّ عناصرَ الاستخباراتِ التركيّة ينفّذون فعلاً أعمالِ المداهمة والاعتقالِ التعسفيّ، وأنّ سلطاتِ الاحتلالِ هي المرجعيّةُ الإداريّةُ والقانونيّةُ لكلِّ المرتزقةِ الذين ينفذون تعليماتها، وبعض المعتقلين يُنقلون إلى الأراضي التركيّة ويُحاكمون أمام القضاءِ التركيّ خلافاً للقانون الدوليّ، بل إنّ سلطاتِ الأمن التركيّة تعتقلُ الكرد السوريين على أراضيها أيضاً.
إنّ سلامة أيّ تحقيقٍ تبدأ من الحقائقِ الجوهريّة والتوصيفِ الصحيح، ولكلّ تفصيلةٍ للجريمةِ المرتكبة مصطلحٌ قانونيّ محددٌ، والاحتلالُ هو أساسُ المشكلةِ، والمناطق التي تحتلها تركيا تعيشُ حالة الفوضى والاحتكام للسلاح، وما ذكره التقرير من انتهاكاتٍ كان مما لا يمكن إنكاره.
وفي إشارته إلى واقع مخيم الهول وروج اللذان يضمّان آلافاً من عوائل داعش والنازحين العراقيين، يصوّرهم التقرير على أنّهم مجردُ محتجزين، يعيشون ظروفاً صعبة، متجاهلاً حقيقة الظروف المعيشيّة الصعبة في كلّ أنحاء سوريا وضعف الإمكاناتِ لتخديم مخيمٍ يضمُّ أعداداً من الناسِ بحجمِ مدينةٍ يحمل معظمهم أفكار التطرف، كما يتجاهل حقيقةَ التخاذلِ الدوليّ لحلِّ معضلةِ بقايا “داعش”، وتقصير الدول باستعادةِ رعاياها، وأنّ آلاف العراقيين يجب أن يعودوا إلى بلدهم، كما أنّ المناطق التي تحتلها تركيا أضحت الملاذَ الآمن لمرتزقة “داعش” وهي مقصدُ الفارين منهم عبر عملياتِ التهريب، واكتفى التقرير بتجديدِ الدعوة للدولِ لإعادةِ رعاياها من النساء والأطفال من المخيماتِ، وأشار لوقوعِ أكثر من 90 جريمةِ قتلٍ و40 محاولةِ قتلٍ في مخيم الهول وحدة بالعام الماضي.
المهنيّة من أهم شروط التحقيقات الجنائيّة والحقوقيّة والدوليّة، وتعني استخدام المصطلح الملائم في التوصيفِ، وعندما يميل التقرير إلى الإنشائيّة، وينأى بنفسه عن الجزم إلى مجرد الاعتقاد فإنّ ذلك يُحمل على نية متعمدة بتمييع الجريمةِ وتخفيف المسؤوليّة.

جرائم حرب
ذكر تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أنَّ مرتزقة ما يُسمّى “الجيش الوطنيّ” ارتكبوا خلال الأشهرِ الماضية فصائل ما يسمّى “الجيش الوطنيّ”، جرائمَ حربٍ ضمن المناطق الخاضعة فعليّاً للسيطرةِ التركيّة، وذكر منهم تحديداً مرتزقة “السلطان مراد والحمزة”، وأنّها سلبت أشخاصاً حريتهم بصورةٍ غير مشروعة، ومارست أعمالَ تعذيبٍ ومعاملةً قاسية واعتداءاتٍ على الكرامةِ الشخصيّةِ، بما في ذلك أشكالاً من العنفِ الجنسيّ، ووصفتها بأنّها أعمالٌ تشكّلُ “جرائم حربٍ”. واعتبر التقرير تلك “الفصائل” مسؤولةً عن ممارساتٍ ترقى إلى مستوى الاختفاءِ القسريّ ومصادرةِ الممتلكات الخاصة وعملياتِ القتل والتعذيب، وحمّل تركيا المسؤوليّة، وطالبها بتحمّلِ المسؤوليّةِ ما يجري ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها شمال سوريا.
وقالتِ اللجنةُ في تقريرها: إنَّ التصعيدَ الأخيرَ في أعمالِ العنفِ وتدهورِ اقتصادِ الحربِ والأزمةَ الإنسانيّة المدمّرة في البلاد أديا إلى مستوياتٍ جديدةٍ من المشقةِ والمعاناةِ للسكان المدنيين الذين عانوا أكثر من 10 سنوات من الصراعِ”.
نقتبس من التقرير:
75- واستمرت فصائل الجيش الوطني السوريّ في سلب الحرية بما يخالف القانون، وتعرض المحتجزون للتعذيب وسوء المعاملة، وأُبلغ أيضاً عن حالات وفاة أثناء الاحتجاز وحالات اختفاء، ومع استمرار فصائل الجيش الوطني السوري في احتجازِ مدنيين بدعوى ارتكابهم جرائم “متعلقة بالأمن” وانتقاد السلطاتِ القائمةِ، أُلقي القبض على آخرين عندما حاولوا استعادة أراضيهم، وفي عفرين شهد موسم حصاد الزيتون زيادةً في العنفِ والابتزاز المرتبط بالاعتقال والانتهاكات المتصلةِ بالسكنِ والأراضي والممتلكات، وعلى الرغم من الأوامر الصادرة عن الجيش الوطنيّ السوريّ، والتي اطّلعت عليها اللجنة، بحظرِ تجنيد الأطفال، أُبلغ عن زيادةٍ في حالاتِ تجنيد الأطفال واستخدامهم من قبل فصائل الجيش الوطني السوريّ، وهي حالات قيد التحقيق حالياً.

انفجارات وعبوات ناسفة ومغالطة
وإذ جاء التقرير على شكل بنود فقد ورد في البند 76، استمرار العبواتِ الناسفةُ في قتل الناسِ عشوائيّاً وإلحاقِ أضرارٍ ماديّة بريف حلب الشمالي، بما في ذلك في مدن عفرين والباب وإعزاز وجرابلس وما حولها، ووثق ما لا يقل عن 35 حادثةَ قصفِ وتفجير بعبوات ناسفةٍ في النصف الثاني من عام 2021؛ وتسببت هذه الحوادث بمقتل 34 شخصاً وإصابة أكثر من 120 آخرين.
77- وثّقتِ اللجنةِ تسعة انفجارات بعبوات ناسفة في الفترة بين تموز وتشرين الأول 2021، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً وإصابة العشرات، وانفجرت العبوات الناسفة في مناطق مكتظةٍ مثل الأسواق والشوارع المزدحمة وفي مخزنِ للوقودِ، وكذلك على الطرق، وأشار التقرير إلى أنّ الحادثة الأكثر فتكاً وقعت في مدينة عفرين في 11/10/2021 حوالي منتصف النهار، بانفجار عبوةٍ ناسفةٍ محمولةٍ على مركبة (عربةٍ مفخخةٍ) عند دوارٍ مزدحمٍ قربَ سوق الخضار، ما أسفر عن مقتلِ 7 أشخاص وإصابة 20 آخرين، ولم تتلقَ اللجنةُ معلوماتٍ كافيةً للخروجِ بأيّ استنتاجٍ بهذا الصدد، ولم يُعلن أيّ طرفٍ مسؤوليته عن أيّ من حوادثِ العبواتِ الناسفة المرتجلة التي سُجلت.
في البند 78 يذكر التقرير وقوع حوادث أخرى في عفرين ومناطق أخرى مجاورة لتل رفعت، ويقول إنّه توجدُ فيها قوات سوريا الديمقراطيّة، فضلاً عن قواتٍ سوريّة وروسيّةٍ. وفي شهري تموز وآب 2021 وقعت عدة حوادث قصفٍ مدفعيّ، أسفرت حسب التقارير عن مقتل 10 مدنيين وإصابة ما لا يقل عن 74 آخرين. وبهذا التوصيف جانب التقرير الحقيقة، فالحوادث التي وقعت في بلدة تل رفعت وجوارها تضم أهالي عفرين المهجرين قسراً والحوادث كانت نتيجة ألغام من بقايا الإرهابِ بالمنطقةِ، ولا دليل ميدانيّ من أيّ نوعٍ على وجودِ قوات سوريا الديمقراطيّة بالمنطقة.
اعتقالات تعسفيّة وغياب الإجراءات القانونيّة
يذكر التقرير في البند 82 أنّ معتقلين سابقين أفادوا بأنّ “الفصائل” اعتقلت وكانت مسؤولة عن إدارةِ مرافقِ الاحتجازِ، وإن مسؤولين من المخابراتِ التركيّة حضروا أحياناً في الاستجوابات أو وجّهوها، وأفاد كثيرٌ من المعتقلين بأنّهم لم يمثلوا قط أمام قاضٍ، وأنَّ إطلاقَ سراحهم تمَّ بدفعِ رشاوى أو بضغط خارجيّ، وأفاد آخرون بأنّهم لم يروا قاضياً إلا قرب نهاية فترة احتجازهم، وفي بعض الحالات بعد عدةِ سنوات.
في البند 83 يُذكر استمرار ورود تقارير عن احتجازِ مدنيين اتُهموا بجرائم أمنيّةٍ مزعومةٍ وبانتقادِ “الفصائل المسلحة”، وإن صحفيين جرى احتجازهم تعسفيّاً، واحتُجز أشخاص آخرين على سبيلِ الانتقام في نزاعاتٍ شخصيّةٍ أو نزاعاتٍ على الأملاك، بمن فيهم أفراد قدّموا طلباتٍ رسميّةٍ لاستردادِ أملاكهم، ويذكر البند 84 استناداً لإفاداتِ أفرادٍ مفرج عنهم مؤخراً ارتكابِ التعذيبِ وسوءِ المعاملةِ في مركز احتجازٍ تابعٍ للمرتزقة في وقتٍ سابقٍ من عام 2021.
وفيما وقعت جرائم قتلٍ تحت التعذيب يصف التقارير ذلك بادعاءاتٍ بممارسةِ التعذيبِ حتى الموتِ. أنّه يُدّعى أنَّ التعذيبَ وسوءَ المعاملةِ وقعا أساساً أثناء جلساتِ استجوابٍ، وشملا الضربَ ووضعياتٍ مجهدةً، واستخدامَ مسدساتِ الصعقِ الكهربائيّ، والصدماتِ الكهربائيّة، بما في ذلك على الأعضاء التناسليّة، كما صُوّرت محتجزاتٌ بملابسهن الداخليّة، وأفيد بوقوعِ معظمِ هذه الممارساتِ في مراكزِ الاحتجازِ في مقرِّ “مرتزقة الحمزة” في حوارِ كلس والراعي، وكذلك في مواقع غير رسميّة للاحتجازِ المؤقتِ، وإنّ معظمَ الادعاءاتِ تتعلق باتهاماتٍ ضد مرتزقة “الحمزةِ والسلطان مراد”.





