سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

غويران… جوكرُ الرهاناتِ الخاسرةِ

عبد الرحمن محمد_

منذ إعلان داعش انطلاق أعمالها الاجرامية في العراق وسوريا، وفي مناطق شمال وشرق سوريا على وجه الدقة والعديد من دول العالم، انبرت العديد من الدول والأحزاب والحكومات بتصريحات رنانة، وبيانات خُلَّبيه مدعية وقوفها في وجه الارهاب الداعشي والظلام الأسود، الذي بات يهدد العالم في ظاهره.
لم يخرج داعش من قمقم ساحر، ولم ينهمر على غفلة من العالم كالمطر من السماء، إنما خُطِّط لولادته وإعلانه سنوات، وفي العديد من كبريات الدول الكبرى، التي جمعت المرتزقة، وتجار الحروب والمافيات، لتستخدمهم في ضرب الحركات والشعوب والمؤسسات كلها، وحتى الأفراد المتطلعون الى مجتمع متقدم بسلام ووئام، والساعون الى سلام وتآخ، وإنسانية متحابة.
والدول ذاتها التي نظمت ورعت وأسست الخلايا الأولى لداعش سعت لتأسيس تحالف دولي شبه وهمي، باسم التحالف الدولي لمحاربة داعش، ولو شاءت وكانت صادقة النوايا لما سمحت بوجوده أصلا بين أراضيها، ولوأدته قبل ولادته.
وفي سوريا كانت مثل هذه التناقضات والازدواجية، قبل تحرير الرقة، ومن ثم الباغوز، واضحة فأرتال مرتزقة داعش كانت تصول، وتجول في مناطق عدة بين مناطق من الداخل في ريف اللاذقية، والساحل، ومناطق البادية، ودير الزور، ولم تطلق دول التحالف طلقة واحدة باتجاهها، وبعد تحرير الباغوز تم تجميع عناصر داعش في سجون معينة، لتبقى قنابل موقوتة داخل مناطق شمال وشرق سوريا، بينما تم نقل العشرات، بل ومئات القيادات إلى أماكن مجهولة برعاية دول التحالف، وعلى رأسها أمريكا،  فما المغزى من نقل القيادات، وإبقاء أكثر من خمسة عشر ألف مرتزق كقنبلة موقوتة في شمال وشرق سوريا.
الإدارةُ الذاتيةُ… بيتُ القصيدِ
بعد ما شهدته بعض الدول العربية، فيما عُرف بالربيع العربي ومنها سوريا، كانت ثورة روج آفا التي لم ترق للكثيرين، لما حملته من مبادى إنسانية تحض على إخوة الشعوب، ومبدأ الأمة الديمقراطية التي بنيت على فكر وفلسفة القائد والمفكر الكردي عبد الله أوجلان، ولا يخفى على أحد العداء التركي الأعمى للشعب الكردي عامة، ولفكر وفلسفة أوجلان خاصة، والمقاومة المستمرة من قبل حزب العمال الكردستاني، لذلك رأت تركيا في ثورة روج أفا موتا محتما وتوأما لثورة حركة التحرر الكردستانية، فعملت بكل ثقلها على وأد هذه الثورة، وخاصة بعد إعلان الإدارة الذاتية، وعملت عبر جبهة النصرة والعشرات من فصائل المرتزقة، الذين آوتهم بحجة، إنها معارضة سورية لتدير الدفة باتجاه الإدارة الذاتية، وكأن اسقاط النظام، الذي نادت به هؤلاء المرتزقة سيتحقق من روج آفا!
عملت هؤلاء المرتزقة بثقلها كله؛ لتنشيط خلايا داعش، ودعمها بالإمكانات كلها، وجلبهم إلى معسكرات تدريب، ومنحهم جوازات سفر وأموال طائلة، وكانت تركيا الداعم الأول لداعش والجبهة الخلفية لها، كان تحرير كوباني ضربة موجعة لها، فبدأت بالاحتلال المباشر لعفرين ومن ثم سري كانيه، وكري سبي (تل أبيض)، بينما كان تحرير الرقة والباغوز آخر معاقل داعش الضربة القاضية لها، فباتت تعتمد على مرتزقتها في مخيم الهول، والخلايا النائمة في التفجيرات، والأعمال الإرهابية.
فالتحالف الأمريكي ـ التركي والتواطؤ التركي ـ الروسي، ليس بخاف على أحد، فأمريكا التي وضعت حركة التحرر الكردستانية على لائحة الإرهاب، والحليفة الأقوى لدولة الاحتلال التركي، وشريكتها في الناتو، وهي في الخفاء تدعم تركيا في احتلال مناطق شمال وشرق سوريا لتحصل على اتفاقات وامتيازات عسكرية بإقامة قواعد لها، وامتيازات اقتصادية باستثمارات البترول، وامتيازات إقليمية بتحجيم الدور الروسي والإيراني، مرة أخرى تدفع الإدارة الذاتية الضريبة من خيرة أبنائها وهي تحرس العالم، وتحميه من مرتزقته بعد أن قدم آلاف الشهداء لتحرير مناطق واسعة من شروره وآثامه، ولا حياة لمن تنادي من الدول، لتتكفل برعاياها المجرمين.
ومرة أخرى تتنصل المنظمات الدولية، ودول التحالف من مسؤولية إقامة محاكم دولية لهؤلاء المرتزقة، ولا تقدم الدعم الفني واللوجستي للإدارة، لتتكفل بتقديم الحماية والرعاية لمرتزقة لا يريدون لها إلا الشر والدمار، أما آن للعالم أن يتحمل شرور أبنائه وإجرامهم؟

غويران لعبةُ الأنظمةِ القذرةِ
دعم دولة الاحتلال التركي لمرتزقة داعش في مخيم الهول وغيره من المعتقلات، من أهم الفرص وأنجحها، وربما آخرها، فبعد أن تم جمعهم في هذه المعتقلات من قبل دول التحالف، ولغاية في نفس يعقوب، التي تعرف بقنابل موقوتة، وبعد فضح تركيا وتوثيق مخططاتها القذرة بصلاتها ورعايتها لعشرات الجرائم داخل مخيم الهول، وإحراق مخيم عين عيسى، وعمليات التهريب من مخيمي عين عيسى والهول، فكانت الوجهة الى سجن غويران، الذي لم يشد الانتباه إليه من قبل وهو يضم في غالبيته مرتزقة داعش من الجنسيات الأجنبية.
أما اللافت فهو موقف النظام، الذي استبشر خيرا في بداية إعلان الحادثة، وانبرى إعلامه الرسمي بنشر الأخبار العاجلة بشكل عشوائي خال من المهنية، حتى أن بعض عواجل قنواته جاءت على الشكل التالي: “سقوط قتلى من ميليشيا قسد في الحسكة” انتهى الخبر.
ورغم إعلان إعلام الإدارة الذاتية، وعشرات القنوات والمنصات للخبر، ونقلة، وبث عشرات التقارير، وإعلان فرار العشرات من المرتزقة الدواعش، وأن الوضع على “كف عفريت”، كانت قنوات النظام وإعلامه تصور الأمر كمجرد حادثة عادية، بل تروج أنها عمليات انتقامية، وإنها لتهجير وترويع السكان، وتوجتها ببيان لمسؤول رسمي في الخارجية السورية بالقول: “إن ما يحصل في الحسكة هو جريمة حرب تقوم بها قسد..”، في الوقت الذي يقوم فيه النظام بما يُسمى بالتسويات، والمصالحات، ويحشد الرأي العام للوقوف بوجه الإدارة، وبث الفتن العشائرية والطائفية، ومن المؤكد أن لبعض من أولئك المجيّشين، تواطؤ وتنسيق في الاعداد للعملية، وإلا فكيف توزع مرتزقة داعش بالعشرات في أماكن ومنازل حول السجن؟ ومع أن المربع الأمني للنظام لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن سجن غويران، إلا أنه لم يحرك ساكنا، وليس غريبا والحالة هذه أن تكون قد قدمت الدعم والمساندة لمرتزقة داعش! وإلا فما معنى استبشارها بالعصيان، ووصفها السيطرة على السجن بجريمة حرب؟ أم أن النظام نسي ادعاءاته بأنه يحارب داعش! وعاد ليتبرأ من مسؤوليته في الدفاع عن الحسكة وغيرها ناسياً أنها جزء من سوريا؟ أم أنه يقر وينادي بأنها جزء من سوريا فقط، عندما يتعلق الأمر بالثروات!
رغم هول الحادثة، فالعديد من القنوات ووسائل الإعلام الخاصة والرسمية تعامت عن الخبر، وحتى الإعلام الرسمي للكثير من الدول، بالتأكيد من بينها تلك الدول التي لها رعايا مجرمون في سجن غويران، وبدلًا من أن تتحمل مسؤولية مرتزقتها تقف موقف المتفرج، فتركيا والنظام مدبران للهجوم، ووجهتان واضحتان مسؤولتان عن العملية، في ابتزاز سياسي، وضغط عسكري بالتزامن مع ذكرى بدء العدوان التركي لاحتلال عفرين، وذكرى تحرير كوباني وانتصار مقاومتها والإعلان عن الإدارة الذاتية.
فدولة الاحتلال التركي خططت ودعمت وساندت، والنظام سهّل وتعاون مع الخلايا النائمة، وأمّن لها التموضع والتحرك في الخلف، والعالم المتخاذل في أغلبه وقف في صمت مستهجن.
إرادةٌ دوليةٌ للإبقاءٍ على داعشَ
الإبقاء على داعش، استمرار للتهديدات على المنطقة، وبالتالي فهو يخدم الأجندة التركية سواء بالتهديد المباشر عبر التفجيرات والهجمات، أو بإبقائهم كشوكة في حلق الإدارة الذاتية، واستخدامهم كورقة تهديد، كذلك فهو أداة تنفيذ بيد النظام السوري، لتنفيذ عمليات تخريب وبث الفوضى، وعدم الاستقرار الأمني، وزرع النعرات القومية بين شعوب شمال وشرق سوريا؛ ليلعب على الورقة الطائفية والقومية، ليضرب شعوب المنطقة ببعضها،  وكذلك فهو يخدم الأطماع الروسية التي تسعى للسيطرة على كامل سوريا بما فيها مناطق شمال وشرق سوريا التي تمثل الخزان الاقتصادي الرئيسي في سوريا، ولا ننسى اللاعب الإيراني الذي يرى في الإدارة الذاتية عدواً مستقبلياً، لأنها تُدار وتحمل صبغة كردية بشكل أو بآخر، وتختلف في كثير من التفاصيل مع النظام، وتتقاسم مع روسيا النفوذ والإدارة، وحتى القرار السياسي السوري.
أما اللاعب الأبرز على الساحة السورية، فهو أمريكا بلا شك، حيث لها “ثلثا الخاطر” كما يقال، فمجمل التصريحات الأمريكية تقول بما معناه نحن باقون وداعمون لقوات سوريا الديمقراطية، وللإدارة الذاتية، فما زال هناك تهديد من داعش، فهي وإن كانت تحارب داعش بيد، إلا أنها تمد بعمره بيد أخرى، وما إخفاء وتهريب الكثير من قادة داعش، وترحيلهم إلا جزء من مخطط الإبقاء عليها، وجود داعش يمنحها الحجة للبقاء في شمال وشرق سوريا، وبذلك ترضي حليفتها تركيا، وتلجم نفوذ إيران، وتخرج مناطق الإدارة الذاتية من حسابات الدب الروسي.
بالمحصلة، فإن الإرادة الدولية للدول صاحبة القرار تتلاقى في الإبقاء على داعش، ولو تلاقت على إنهائه، لأنهته والأصح لما كان أصلاً.

كلمةٌ لا بدَّ منها
هذه القنابل الموقوتة، التي تتجلى في الهول وغويران وغيرها من بؤر تجتمع فيها مرتزقة داعش، لا تهدد الإدارة الذاتية فحسب، بل العالم أجمع، وهم ليسوا من رعاياها لتتكفل برعايتهم، وتقديم المأوى، والمأكل، والرعاية، ولتتكفل بالحراسة؛ لتقي العالم شرهم، وأبناء الإدارة الذاتية أولى بما يُصرف على هذه المعتقلات في ظل حصار خانق تعيشه المنطقة، ألا يكفي أنها قدمت الآلاف من الشهداء! لماذا تهب دول العالم، وبخاصة في أوروبا لمقتل أحد مواطنيها، وتستنفر حكوماتهم لإنقاذ قطة، بينما يتركون أبناءهم العاقين يعيثون فساداً وقتلاً في مناطقنا!
فيجب على المجتمع الدولي معاقبة الدول الراعية لداعش، وإقامة محاكم عادله دولية للمرتزقة وإجبار الدول على تسّلم رعاياها، يكفي للإدارة الذاتية أنها عانت الأمرّين من إرهابهم، فهل ستبقى تتحمل ايواءهم؛ ليبادلوها ذلك بالقتل والاغتيالات.
قدمت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وعبر مختلف صنوف قواتها العسكرية الآلاف من الشهداء؛ لتقف في وجه إرهاب عالمي، وقدمت قافلة من خيرة أبنائها شهداء في سجن غويران؛ لحماية للعالم أجمع، انتصرت إرادة الحرية والمقاومة، ولكن آن للعالم أجمع أن يتحمل مسؤولياته، فالقادم من الأيام قد لا تحمد عقباه.