سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سارة.. شابة تتحدى قسوة الغربة بإيمانها القوي

الإمارات/ غزال العمر ـ

سارة عويشي شابةٌ تحمل الجنسية اللبنانية لأبٍ لبناني وأمٍ سوريّة من دمشق، في العقد الثاني من عمرها؛ تعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أربع سنوات، تواجه قسوة الحياة بابتسامتها وصبرها وإرادتها القوية، ليكون لها موعد مع العودة إلى البلد.
 بلدانٌ كثيرةٌ تُجبِر شبابها على الهجرة لأسبابٍ كثيرة، كالحروب وتردي الأوضاع الاقتصادية والانهيار السياسي والانقسامات الطائفية، شبابٌ ضاقت بهم سبل الحياة بأوطانهم لتتسع أفقهم ببلاد المهجر، يواجهون قسوة الحياة ومرارة الغربة بإرادة وتحدي بعزيمةٍ وصبر.

مواجهة الصعوبات
تتحدث الشابة لصحيفتنا “روناهي” عن تجربتها في الغربة وصعوبة التحديات التي واجهتها وتغلبت عليّها بمفردها: “ما أنّ تخرّجت من كلية علم النفس “سيكولوجي” حتّى دخلتُ ميادين العمل، وبدأتُ رحلة الكفاح في بلدي، لكن دون فائدة فقد فشلت في فتح عيادتي الخاصة لصعوبة الظروف”.
تأثرت لبنان بالأزمة السوريّة التي تضرر اقتصادها بسبب توافد المُهجرين وكثرة اليد العاملة مما تسبب بتدني الأجور والرواتب بحسب تعبيرها.
علاقتها مع السوريين وطيدة
وتتابع الشابة بأنّها عملت في وزارة الصحة والمنظمات الإنسانية ببلدها: “كنت أُقدّم اللقاح والمساعدات لسكان المخيمات من النازحين السوريين”. فلكلِّ خيمةٍ في المخيم قصة تتبعها غصة بحسب وصفها.
تستذكر سارة كم كانت سعيدة عندما استطاعت إدخال السعادة لقلوب أناسٍ تتعطش أرواحهم ليوم الرجوع، فأطفال المخيم لا تظهر البسمة على وجوههم إلاّ عندما تستقر السكاكر التي تجلبها لهم بكفوف أيديهم.
قرار الهجرة
وتتابع الشابة حديثها: “ظروفٌ معيشية صعبة ورصاصةُ غدرٍ طائشة استقرت بصدر أخي الذي فارق الحياة على إثرها، أجبرتني على السفر”، فحالتها النفسية التي وصلت لها أوصلتها لطرقٍ مسدودة بحسب تعبيرها.
حقيبة الثياب وجواز السفر وورقاتٌ من شجرة الأرز اللبنانية وحفنة ترابٍ من قبر أخيها، هذا ما حملته سارة معها لبلادٍ تسمع عنها وترى بوسائل التواصل الاجتماعي لا أكثر هذا ما قالته وهي تبتسم.
وتواصل سارة حديثها بعد حجزها لتذكرة الطيران ووداعها لأهلها وأصدقائها/ فما أنّ وضعت نفسها في الطائرة وجلست بمقعدها المخصص لها، حتّى خفقَ قلبها خفقةَ خوفٍ من المجهول.
وتستمر سارة في وصف الحالة النفسية التي كانت بها: “وصلت لمطار دبي بمفردي أجرُّ بحقيبة سفري حائرة، بلادٌ متطورة، أبراجٌ عالية وبنايات وأُناس يتحدثون عدة لغات وألوانٌ وأجناسٌ من البشر”.
وتسترسل سارة بحديثها الشيّق المفعم بالحيوية والمشبع بالتحدي: “تجرأت على الخروج خارج المطار لتوصلني سيدةٌ هندية لأقرب فندق”، تحمد سارة الله أنها تتكلم اللغة الإنكليزية، لأنها كانت ستجد صعوبةً بالتعامل مع بلدٍ فيه أكثر من ٢٤٠ جنسية من مختلف أنحاء العالم.
“عَمِلت سائقة”
أمام ذهول الشابة بدأت رحلة البحث عن العمل ببلدٍ إلكتروني لتجد نفسها أخيراً بعد شقاءٍ وبحث سائقةٌ لشركة طلبات: “أخرج في الصباح وأرجع منتصف الليل” تقطع سارة مئات الكيلو مترات باليوم، تلف مدن الإمارات كلّها ساعيةً وراء رزقها.
لم تستمر الشابة بمهنتها المتعبة فقد تعبت من تحمّل الأغراض والصناديق وتنزيلها، ليستقر بها المطاف بعد عامٍ من الكفاح بمكتبٍ لبيع السيارات وتأجيرها، ترأس عشر موظفين تحت يدها من كافة الأجناس: “في هذه البلد تشعر بالمعنى الحقيقي للإنسانية الجميع متغرّب لنعيش كلنا سواء”.
الكلّ هنا تحت مظلة الاغتراب سوقُ عملٍ مفتوحة والمجتهد من يغتنم الفرصة، ليؤمّن رزقه ورزق أهله في بلاده.
شخصية اجتماعية مُحِبّة
وتسترسل الشابة بسرد محطات عملها لتبتسم عندما تمر من مكان عملها السابق، لترى جيرانها وزملائها القُدامى، تلاطف هذا وتمازح ذاك: “أرباب كيف حالك أنت زين” أرباب: تعني رب العمل وهي كلمة يتداولها الهنود والبنغاليين بكثرة هناك.
أما اليوم فسارة اللبنانية كما يُطلق عليّها أصحاب المولات الكبيرة والشركات تعمل مديرة مبيعات لها اسمها وثقلها بسوق العمل، وتحقق نسبة أرباحٍ عالية لشركة المنظمات التي تعمل بها حالياً وسعيدة بعملها.
هذا ولا تتوانى الشابة عن تقديم يد العون لكلِّ وافدٍ جديد إلى البلد، أما باستقباله بالمطار أو تأمين سكنٍ واستضافته.
تحدي وأمل
واختتمت الشابة سارة العويشي حديثها بنصيحةٍ وجهتها لكلٌ شابٍ وشابة يفكر بالسفر والاغتراب قائلةً: “ستجوع وستبرد، ستمرض وتنام باكياً بليل غربتك الطويل، ستغير سكناً وتلتقي بأشخاص جدد.. لكنّك ستكون أقوى بكلِّ مرة”.
ظروف الحياة القاسية أجبرت سارة ومن بعمرها من الشباب، البحث عن فرصةٍ وأملٍ جديد فالفقر بالأوطان اغتراب.
 ومع هذا يبقى بلدها “لبنان” هاجساً يداعب مخيلتها وذكرياتها كلَّ يوم، لذا لا تفارقها نغمات أغنيةٍ تسمعها كلِّ صباح أثناء ذهابها لعملها “عاود عالضيعة يمي.. اشتاقت للزرع زنودي.. يا سنابل لا تهتمي.. راجعلك الحصودي”.