بشار جرار/واشنطن_
تلك ألف مقصورة لا ياء، وبذلك نتساءل: هل حكى روبرت فورد سفير الولايات المتحدة السابق لدى دمشق، هل حكى الحكاية في تصريحاته الأخيرة؟ هل هي تسريبات مقصودة أكثر منها تصريحات انفعالية، تنم عن إحباط ما بعد زوال المنصب، أو نهاية الخدمة؟!
أخطر ما في تصريحات فورد – عرّاب إدارة الرئيس الأسبق باراك حسين أوباما – في رعاية “الثورة” السورية ضمن إطار ما عرف زورا وبهتانا بـ”الربيع العربي”، أخطر ما فيها ليس إقراره بانتصار الأسد، وعدم نية واشنطن التدخل لإسقاطه، وإنما التوطئة لما يخشى البعض أن يكون تكرارا أكثر سوءاً من الانسحاب الكارثي من أفغانستان، فورد تنبّأ بـ”زوال” مشروع الإدارة الذاتية ناصحاً مجلس سوريا الديمقراطية “مسد” – إبراء للذمة – بالتواصل مع دمشق والتفاوض على مستقبلها، ومستقبل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
سبق وأن نشرت لي في واشنطن مقالة باللغة الإنجليزية في “ديموكراتيك سيريا تايمز” حول الموضوع، وما زالت أقول باستبعاد تكرار كارثة جو بايدن الطالبانية، فسوريا غير أفغانستان، وقوات سوريا الديموقراطية، ليست الجيش الأفغاني المخترق، والفاسد حتى النخاع.
لكن في المقابل، تصريحات أو بالأحرى تسريبات فورد، وفي هذا التوقيت الحساس، ليست كما يقال “لله”، فثمة شيء ما يتم طبخه على نار ما زالت هادئة، هذه التسريبات يمكن قراءتها بدقة وتمعن، لأنها صادرة عن جهة ما، لها اليد العليا الآن بملفات شرق أوسطية عديدة، وفي مقدمتها إيران، الغاية هي تقديم ما يحفّز دمشق على إحداث تحول كبير بحجم “إعلان النصر” بمعنى شكر “الحلفاء” والطلب منهم “مشكورين” الخروج من سوريا، وفوقها “حبة مسك” كما يقال باللهجة الشامية.
بالتوازي، الجار التركي مطالب بانسحاب على غرار الانسحاب الإيراني من سوريا، مرتزقة تم نقلهم إلى كازاخستان، على غرار ما تم من قبل في الاشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان، ومن قبل في ليبيا، كما يبدو أن تحرير إدلب يتم بالتفريغ التدريجي، والتفخيخ الداخلي، من خلال الاقتتال بين فصائل الإرهابيين، والمرتزقة من هيئة تحرير الشام “هتش” وغيرها، وسيتصاعد الاغتيال ويستعر، وقد يطال رأس زعيم النصرة “الجولاني” ببدلته المدنية أو العسكرية!
يريد من يقف خلف فورد، تأمين الانسحاب الأمريكي من سوريا، بعد إتمامه من العراق أولا، وإنجاح مفاوضات فيينا، وهي الأهم ثانياً، والمؤشرات كلها تدّل على مرحلية الاتفاق إن تم، بمعنى حاجة واشنطن كما طهران، إلى إظهار الأمر على أنه تسوية الرابحين، وسلام الشجعان!
وبصرف النظر عما يسمع القادة في مكاتبهم، وثكناتهم، أو يشعر به الناس بما يجري على الأرض في سوريا عموما – بعد توقيع دمشق اتفاق طريق الحرير مع بكين-فإن الحكمة تقتضي الاستعداد لسيناريوهات كلها، والإبقاء على ما هو أهم، ما يسمى “شعرة معاوية”، وهو مقعد على مائدة التفاوض، لا مقعد خلفي ولا جانبي، وإنما على منضدتها، بعيدا عن الاتهامية والتخندق، والتشنج، ثمة حكماء دائما هم الأقدر على البقاء، وبذلك اتفق تماما مع “نصيحة” فورد، التفاوض هو الحل، أن نربح معا.