سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

موسكو وأنقرة… تنافسٌ على منجمِ الثرواتِ الكازاخيّ

رامان آزاد_

استأثرتِ الأحداثُ الأخيرة في كازاخستان باهتمامٍ روسيّ وتركيّ لافتٍ، وقد استطاعت موسكو أنّ تحوّل تناقضها مع أنقرة حول سوريا إلى صيغةٍ تعاونٍ بالتلاعب بالمخاوف الأمنيّة التركيّة الافتراضيّة، وتجاوزت مطبَّ الحربِ بين أذربيجان وأرمينيا، لتكونَ شرق أوكرانيا هي العقدة، ولذلك فهي في سباقٍ مع الزمنِ لإنهاءِ الأزمةِ في كازاخستان، وإعادةِ الأوضاعِ على ما كانت عليه قبل 2/1/2022، والحيلولةِ دون دورٍ تركيّ فاعلٍ في البلد الذي يُعدُّ منجمَ الثرواتِ الطبيعيّة.
سعي تركيّ مُبكر
مع حل الاتحاد السوفيتي وإعلان استقلال كازاخستان في 16 كانون الأول 1991، كانت تركيا أول دولة تعترف باستقلالها وبدأت لعلاقات الدبلوماسية معها في 2/3/1992 تقيم علاقاتٍ دبلوماسيّة معها بعد عام واحد. وبرزت توجهاتٌ عثمانويّة وطورانيّة تطمحُ إلى توسيع النفوذ التركيّ من البحر الأدرياتيكيّ حتى حدود الصين. وجاء التحرك التركيّ في عهد الرئيس التركيّ تورغوت أوزال زعيم حزب “الوطن الأم” الذي أبدى حماسةً لافتةً وبذل جهداً لتأسيس تحالفات مع البلدان التركية آسيا الوسطى وكذلك أذربيجان في جنوب القوقاز واتبع سياسة انفتاحيّة على الجمهوريات التركيّة بهدفِ تفعيل العلاقات مع هذه الدول، وتوسيع رقعة الانتشار والتمدد الاستراتيجيّ التركيّ في مناطق آسيا الوسطى، وتطلع إلى إنشاءِ “رابطة العالم التركيّ”، تتبوأ فيه تركيا مركز القيادة فيه. وادّعى أوزال أن القرن الحادي والعشرين سيكون “قرن الأتراك” في تأكيد على الاستقطاب التركيّ للجمهوريات الحديثة.
وتشمل أوراسيا المنطقة الجغرافيّة التي تضم دولاً فيها أقليات تركية من جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز وكذلك منطقة البلقان، إلا أنّه وبسبب العلاقات الوثيقة بين دول البلقان والاتحاد الأوروبيّ اقتصر مفهوم “أوراسيا” حسب المفهوم التركيّ على جمهوريات آسيا والقوقاز.
أضاف تحديد الجمهوريات الناشئة من الفضاء السوفيتيّ السابق ذات القومية التركية بعداً قوياً لأنصار النزعة القوميّة لتطوير مفهوم أوراسيا في تركيا. فمن الناحية العملية، كان للحوافز الوطنيّة دورا بارزا في الظهور الأوراسيّ في الدوائر الأكاديميّة والفكريّة في تركيا فتم انشاء منظمة التعاون الاقتصاديّ للبحر الأسود BSEC، إضافة إلى أعمال الوكالة التركيّة للتعاونِ الاقتصاديّ والتقنيّ والتكنولوجيّ (TİKA) المقدّمة لمشاريع كبيرة في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان. كما تأسست العديد من المراكز البحثيّة ونشرت إصدارات في هذا المنحى لتعميم الأوراسيّة كمفهوم في الأوساط الأكاديميّة التركيّة.
بالمجمل واجهت أنقرة عراقيل في مسار توسيع نفوذها في آسيا الوسطى ولم تقبل خطواتها الانفتاحيّة بالحماسة المطلوبة باستثناء أذربيجان، وبسبب تأثر مجتمعات وثقافة تلك الدول بالهوية واللغة الروسيّة.
منجم للثرواتِ الطبيعيّة
عوامل كثيرة تقف وراء الاهتمام الدوليّ والإقليميّ بالأحداث في كازاخستان، فمن جهة هي الحديقة الخليفة لروسيا، وتعتبر أيّ متغيّر فيها تهديداً لأمنها القوميّ، ومن جهة ثانية تتوجس موسكو من توقيت الأحداث وتزامنها مع التوتر شرق أوكرانيا، فيما ترى تركيا أنّ كازاخستان امتدادٌ عرقيّ تركيّ. وحقيقة التنافس تتعلقُ بالجيوبوليتيك وحساسيّة الموقع، فضلاً عن الغنى بالثروات الطبيعيّة.
كازاخستان تاسع دول العالم من حيث المساحةِ التي تتجاوز 2.7 مليون كم2، ويبلغ سكانها نحو 18.8 مليون نسمة، ويشكّل الكازاخ حوالي 70% من سكانها، فيما يشكّل الروس أقليّة فيها بنحو 18% بعدما تناقصت نسبتهم إثر انهيارِ الاتحاد السوفييتيّ، وهي دولة ناطقة باللغة التركية وعضو في (منظمة الدول التركيّة)، تعدّ من الدول الغنية بالغاز والنفط وأكبر اقتصاد في منطقة آسيا الوسطى، ويشكل النفط فيها نحو 21% من إجمالي الناتج المحليّ، وهي أكبر منتج لليورانيوم بالعالم، وغنية أيضاً بالمنغنيز والحديد والكروم والفحم، ومصدّر رئيسيّ لتلك المواد.

علاقات مع تركيا
لطالما راود ساسة أنقرة حلم جعل تركيا مركزاً عالميّاً للطاقة، فسعت السنوات الماضية إلى توطيد علاقاتها مع الدول المطلة على بحر قزوين للحصول على مصادر الطاقة الغاز والبترول الموجود لدى دول آسيا الوسطى ونقله عبر أنابيبها إلى أوروبا.
ووقّعت أنقرة على اتفاقيات للغاز الطبيعيّ مع روسيا وإيران وأذربيجان لنقله إلى أوروبا، وتمثل إمدادات الغاز الطبيعيّ الإيرانيّ ما يقرب من 80% من إجماليّ الاستهلاك التركيّ المحليّ من الوقود، وبرزت أهمية المشروع التركيّ بالنسبة لأوروبا عقب أزمة شبه جزيرة القرم، وفرض أوروبا عقوبات على الجانب الروسيّ الذي أوقف إمداداته بالغاز إلى الدول المشاركة في فرض العقوبات عليه.
وترجع الأهمية الكبيرة أيضاً للغاز الطبيعيّ بالنسبة لتركيا، كعاملٍ للنمو الاقتصاديّ المتزايد في تركيا، فينا تفتقر إلى موارد الطاقة.
في 21/10/2009 وخلال زيارة للرئيس الكازاخي نور سلطان نزرباييف إلى أنقرة تمَّ توقيع عشرات العقود واتفاقيات التعاون التجاريّ والعسكريّ والثقافيّ، ووضعت أسس مجلس التعاونِ الاستراتيجيّ الأعلى بين البلدين الذي لعب دوراً أساسيّاً في إنشاءِ مجموعةِ الدول الناطقة بالتركيّة عام 2011 والذي تحوّل خلال إسطنبول في 12/11/2021، إلى منظمةِ الدولِ التركيّة.
أرقام التبادل التجاري بين البلدين كانت الأقوى بين الجمهوريات التركيّة، تجاوزت أحياناً أربع مليارات دولار لكن الهدف المعلن رسميّاً كان رفع الرقم إلى 10 مليارات دولار في عام 2023. قرار كازاخستان الالتحاق باتفاقية خط الحديد باكو – تفليس – قارس باتجاه جنوب آسيا وبأن تكون جزءاً من خط أوراسيا الاستراتيجيّ كان بين مؤشرات التقارب والتنسيق بين أنقرة ونور سلطان أيضاً.
موسكو سبقت أنقرة
 ورغم تناقض المواقف بين أنقرة وموسكو ظاهرياً حيال كازاخستان، إلا أنهما أبديا موقف الاهتمام بالأحداث فيها وكلٌّ وفق مصلحته، إلا أنّه لا يُستبعد تكرار الموقف إزاء أذربيجان، فقد انتهت الحرب لصالح أذربيجان، وخذلت موسكو حليفها الأرمنيّ، وجاءت مبادرة موسكو فوريّة خشية تفاقم الأوضاع وانشغالها عن ملف أوكرانيا الأهم، والتي افتتحت فيها أنقرة مصنعاً للطائرات المسيّرة بيرقدار في 25/12/2021.
وقفت القيادة الكازاخية إلى جانب أنقرة أكثر من مرة في الأعوام الأخيرة ودخلت على أكثر من خط وساطة بينها وبين موسكو بعد حاثة إسقاط المقاتلة الروسية عام 2015، والتوتر التركيّ الإسرائيليّ والملف الأرمنيّ ودعم مشروع التكتل التركيّ في آسيا الوسطى، فلماذا تتخلى عن تركيا بمثل هذه السهولة والبساطة لصالح المزيد من النفوذ الروسيّ؟ هل شعرت بالخطر الحقيقيّ الكبير الذي يهدد الدولة أم هي أرادت استغلالها فرصة للتحرك من قيود إقليمية تطاردها حسمت الموقف فيها لصالح علاقتها مع الكرملين؟
من المؤكد أنّ موسكو لم ترسل قواتها إلى كازاخستان مجاناً لينخرطوا في أعمالٍ قتاليّةٍ ويتعرضوا للخطر في سياق علاقات اعتياديّة، بل قدّمت لائحة شروط ومطالب لنور سلطان نزرباييف مقابل دعمها العسكريّ بينها اعتراف كازاخستان بإلحاقِ روسيا للقرم وإنشاء قواعد عسكريّة روسية في كازاخستان وحكم ذاتيّ للأقليّة الروسية هناك. وهذا من شأنه أن يُبطئ من اندفاعات السياسة الكازاخيّة تجاه تركيا، إن لم يكن ذلك لازماً.
في العمقِ ثمّة صيغة للتنسيق بين واشنطن وموسكو في سياق عملية كبيرة لتقاسم المصالح والنفوذ في أكثر من بقعة إقليميّة في العالم، والمحادثات بين الطرفين هي ترجمة لهذه التفاهمات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والبحر الأسود وشرق المتوسط وشمال أفريقيا بحسب مراقبين. وقال الناطق باسم الخارجيّة الأمريكيّة نيد برايس للصحافيين إنَّ “الولايات المتحدة، وبصراحة ستراقب للكشف عن أيّ انتهاك لحقوق الإنسان قد تمهّد للسيطرة على مؤسسات كازاخستان، وسنترك حكومة كازاخستان لتبرر دعوتها إلى تدخّل منظمة معاهدة الأمن الجماعيّ التي تقودها روسيا.
ردة فعل الصين حيال تطورات المشهد في كازاخستان وتأييدها لروسيا يربك الحسابات التركيّة، وهي مدعاة قلق من وجودِ تفاهمات ثلاثيّة أمريكيّة ــ روسيّة ــ صينية إقليمية على حسابها، ولعله رد متوقع على سياسة أنقرة الخارجيّة وموقفها السلبيّ فيما يتصل بإقليم شينجيانغ الصينيّ ودعم الإيغور، مقابل التنسيق فيما يتصل بخط الحرير، الذي تتطلع أنقرة إلى الشراكة فيه، وأن يكون لها سهم من العوائد الضخمة لنقل السلع بين الصين وأوروبا.
هل تستدرك أنقرة خطوتها المتأخرة؟
مصادر مطلعة غير رسميّة قالت إنّ سلطاتِ الاحتلالِ التركيّ في مناطق شمال سوريا بصدد الاستعداداتِ لتجهيزِ مسلحين مرتزقة مما يسمى “الجيش الوطنيّ” لإرسالهم إلى كازاخستان. وبكلِّ الأحوال فإنَّ أنقرة حريصةٌ على تأكيد وجودها في أكبر بلدٍ في آسيا الوسطى وأقوى اقتصاد فيها، والمسألة متعلقة بعدة عوامل أولها الطاقة (الغاز والنفط)، والعامل القوميّ.
أعلن أردوغان، عن موقف التضامن مع كازاخستان في اتصال هاتفيّ مع الرئيس الكازاخيّ قاسم جومارت توكاييف. وأمله في أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة في أقرب وقت ممكن وأن ينتهي التوتر في وقت قصير. وقال أردوغان إنّ أنقرة مستعدة “لتبادل جميع أنواع المعرفة والخبرة التقنيّة إذا لزم الأمر”. بالمقابل يعلن الرئيس الكازاخي توكاييف أنَّ عصابات إرهابية دولية تلقّت تدريباً في الخارج تتحرك لاستهداف أمن واستقرار البلاد وأنّه ينبغي اعتبار هجومها عملاً عدوانيّاً. وهو التبرير السياسيّ والتقنيّ الذي سهّل دخول روسيا عسكريّاً إلى كازاخستان، لكن المشكلة ستكون عندما تطلق القوات الروسيّة والأرمنيّة النار على الناس من دون سابق إنذار كما تعهد توكاييف قطاع الطرق والإرهابيين.
ويوم الثلاثاء 11/1/2022 عُقِد اجتماعٌ طارئ لوزراء خارجيّة منظمة الدول التركيّة لبحث التطورات في كازاخستان، وأعلنت دعمها لأجندة الرئيس الكازاخيّ توكاييف، وهي خطوة استدراكيّة بعد التدخّل الروسيّ وحركة الطائرات الروسيّة في المدن الكازاخيّة محملةً بقوات النخبة.
لا شك أن أنقرة عوّلت على تفجّر الأوضاع في كازاخستان، وأنّها ستكون مناسبة تمنح منظمة الدول الناطقة باللغة التركيّة فرصة تأكيد علاقاتها وتمتينها. إلا أنَّ الرئيسُ الكازاخي لم يطلبِ دعماً من الجمهوريات التركيّة والتنسيق مع أنقرة، بل اختار موسكو، التي تقود منظمة معاهدة الأمن الجماعيّ (روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا وطاجكستان وقيرغيزستان)، وقدّم شكراً خاصاً للرئيس الروسيّ بوتين على استجابته السريعة لدعمه وإرسال القوات.
بالمجمل الخطوة الروسيّة كانت بمثابة كسب نقاط في سباق النفوذ، ولم تقطع الطريق تماماً على أنقرة التي تعوّل على العامل القوميّ وطبيعة السياسة التي تنتهجها كازاخستان في تواصلها مع موسكو بالتوازي مع علاقة جيدة مع واشنطن وأنقرة وتبادلٍ تجاريّ مع إسرائيل، ولذلك يمكن القول إنّ ما حدث لم يتجاوز بعد مساعي الحفاظ على الوضع القائم وبقاء السلطة الحالية بقوة النار والقمع بذريعة نظرية المؤامرة، وإصدار الرئيس الكازاخي توكاييف أمر إطلاق النار المثير للجدل.