سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هلاوسُ الخوفِ

لمياء حسو_

الاسئلة الكبرى والجديد في الفلسفة، والآداب، والفنون، والطب، تُطرح بعد المحن الكبرى التي يعبرها الإنسان، محن الخراب، والموت، والدمار، والخوف، والألم.
من ضمن تلك الأسئلة الكبرى فكرتا “الموت” و”الخوف” اللتان صاحبتا الإنسان في رحلته التاريخية، رحلة قائمة بين البناء والهدم.
وفي ضوء تلك الأزمات الحادة الكبيرة، تتأسس مقولات جديدة، تتأسس جماليات جديدة، تتأسس بلدان، وتمحى بلدان وجغرافيات، وتختفي لغات، وتنكمش ديانات وتتوسع أخرى.
وفي كل كارثة يتوجّه الإنسان بخطابه العاقل، أو الروحاني إلى أمرين أساسيين:
الأول: هو السماء (الدين والقوى الغيبية)، بالرغم من الممتلكات العلمية والعقلية كلها، التي اكتشفها واكتسبها الإنسان، إلا أن السماء تظل حاضرة في وعي لا وعيه، وهو ما يسمى “بالدعاء” ومناجاة الله والتوكل عليه.
أما الثاني: فهو العلم (البحوث والمخابر)، وهو ما أُطلق عليه بمعركة العقل في اكتشاف الغموض، التي يحيط بحياتنا، ومن هذين الأمرين: تتولد القوة والطاقة، اللتان تعيدان إحياء الحياة، بعد كل كارثة ومحنة كبرى، ومن خلال هذين الأمرين، يريد الإنسان، وهو في لحظة صراع ضد وحشية نفسه، (وحشية الإنسان المتوحش)، وضد (توحش الطبيعة)، التغلُب على الموت ومواجهته.
منذ الأزل، كان كل تفكير الإنسان، ردع فكرة “الخوف”، الخوف الذي يسكنه حيال حالات “اللافهم” والعجز المادي والمعنوي للعالم الغامض، وفكرة “ردع الموت” هي عملية بحث عن الاطمئنان، أي الاستمتاع “بشهوة الحياة” من دون التفكير في “خطر الموت”.
في كل منعطف يُلبس “الخوف” الإنساني لبوسًا جديدًا، حسب المحيط الاجتماعي، والسياسي والطبي، والاقتصادي، والطبيعي، لذا تظل مقاومة “الخوف” هي هاجس الإنسان، كلما أراد مطاردته، عاد إليه على هيئة أشكال أخرى، فالإنسان كثيرًا ما يصنع الخوف، ثم يحاربه، كلما اعتقد أن سقف بيته أصبح يحميه، اكتشف بأن شيئًا ما آخر يهدد الأرضية، التي يقوم عليه البيت برمّته ومن أساساته، كلما اعتقد أن سلاحًا جديدًا يحميه، اكتشف سلاحًا أشرس منه في يد خصمه، وكلما اعتقد أن دواءً أوقف هذا المرض، ظهر وباء آخر يهدد انتصاره، فالحروب مفتوحة من وعلى الجبهات كلها، والموت في كل زاوية من زوايا الحياة، لِذا الخوف قائم والبحث عن مقاومة الخوف قائمة.
وهنالك اختلاف بين فكرة الخوف “من الموت ومن الفناء” حسب مصدرها:
ـ فكرة الخوف من الحروب: الحروب قتلت ولا تزال تقتل، أثارت الخوف والهلع لا تزال تزرعها شرقاً وغربًا شمالًا وجنوبًا، الحروب الكلاسيكية، الحروب الفروسية بالسيف، وحروب البارود وحروب الرصاص، والحروب التكنولوجية الجراحية كما يقال!.
هذه الحروب كلها، زرعت في قلوب البشرية الخوف، خوف الصغار والكبار والنساء والرجال، خوفٌ عرفه الإنسان عبر أزمات التاريخ، وهي الأكثر شراسة في الفتك بالإنسانية.
– خوف المجاعات: هي حرب من نوع أخرى قتلت الملايين، وروّعت الملايين، من مجاعات خلّدتها نصوص دينية أو أدبية أو تاريخية قديمة، كابدها الإنسان في القرن التاسع عشر والعشرين، دفعت تلك الحروب البشرية إلى أكل أنواع الحيوانات، والحشرات، والدود، وجذور الغابات، وأكل جثث بعضهم البعض، حدث هذا في كل مكان في إفريقيا، وآسيا، وأوروبا وأمريكا، لكن هذا الخوف كان في غالب الأحيان موسميًا وعابرًا.
– الخوف من الكوارث الطبيعية الشرسة، وتذكرنا الكتب المقدسة من التوراة مرورًا بِالإنجيل، والقرآن الكريم، بكوارث طبيعية مهوّلة، كما هي في قصة سيدنا نوح، وَقصة سيدنا لوط.
وقبلها تذكرنا ملحمة جلجامش بالطوفان، ولا تزال صور ال “تسونامي” المرعبة حاضرة في أذهاننا، ولا تزال الطبيعة تفاجئنا بغضبها في كل لحظة، وأعتقد أن “الخلل الإيكولوجي” وارتفاع حرارة الأرض، وما تنتج عنه من ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي للأرض، سيكون كارثة أخرى وخوف آخر.
الخوف من التكنولوجية المتوحشة، وتضم ما يسمى” بالحرب البكتيرية”، القادرة على مسح “الحياة” من على وجه الأرض، فالإنسان المعاصر، أصبح يخترع أشياء تصبح في لحظات معينة أكثر ذكاء منه، فلا يستطيع التحكم بها، لذا يدعو فلاسفة الأخلاق إلى “أخلاق التكنولوجيا” التي هي الطريق الوحيد لتخليصها من “التوحش”، الذي ستكون نهاية الحياة على يديه.
فاليوم والبشرية أمام ” هلع والخوف ” من وباء فيروس “كورونا، كوفيد 19″ ، يختلف عن خوف ” الحروب وخوف المجاعات، و خوف الكوارث الطبيعية، إنه خوف من توحش الإنسان لنفسه، خوف من “عقل” الإنسان المتوحش إنها “الوحشية” المعاصرة.
في كل مفصل تاريخي مأساوي، كانت الكتابة ترافق ذلك بإعادة النظر في شكلها وأسئلتها.
في مواجهة “فلسفة الخوف”، طرح الأدب والفلسفة والسينما، والعلم أسئلة جديدة عقب الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وطُرحت أسئلة أخرى بعد وصول الإنسان إلى سطح القمر، وأخرى بعد زرع أول قلب صناعي للإنسان، واليوم وأمام فيروس “كورونا، كوفيد 19” وفي ظل هذا الحجْر، الذي يدخله الإنسان، وهو في ذلك يشبه “الفأر” المروع في جُحره المظلم، فإن الإنسان سيطرح أسئلة جديدة في الفلسفة، والطب، والآداب، والشعر، ستدخل الكتابة، كما السينما والطب، منطقة جديدة لمساءلة الطبيعة والعالم والحياة!؟.
أمام وباء فيروس “كورونا، كوفيد 19″، يأخذ الخوف شكلاً آخر، لأن الصور المجسدة له، تتجلى في الشوارع والساحات الفارغة المخيفة في كبرى المدن، تتجلى في صور أماكن العبادة التي لطالما كانت “بيوتاً” للآلهة، إليها يلتجئ المؤمن هرباً من “الخوف”، فإذا هي مغلقة، خالية، مهجورة، وقد كانت بالأمس دعاءً، وصلوات، وطوافاً، وبخوراً، وأنواراً، وهذه الصور لا تتوقف عن شاشاتنا، وَتَصِلُنا على “المباشر”، إنه “الخوف” على “المباشر”، فيلم “رعب” حيث الواقع أكبر من الخيال.
أمام كورونا التي تعد منعطفاً خطيراً على وجود “الحياة” على كوكب الأرض، فمن المؤكد أن هناك أسئلة جديدة، ستُطرح غداً أمام الفيلسوف والأديب والفنان، وأنها ستكون ظلاً على الإبداع في العشر سنوات القادمة، تفتح “الأمل” وتسأل “الخوف” مرة أخرى، بحثاً دائماً عن “طمأنينة” مفقودة، وسعياً إلى خلود مَحلومٍ أو موهوم.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.