سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أبو العتاهية وعتبة

هذه قصة شاعر اُشْتُهرَ بشعر الزهد في الأدب العربي، كما لم يُشْتَهر ْبه أحد، لكن، لسنا هنا بصدد الحديث عن زهدياته، بل بصدد الحديث عن جانب آخر من جوانب حياته – ما قبل التنسك – وهي قصة عشقه التي ذاق منها الأمرّين.
هو إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، أبو إسحاق، ولد في عين التمر سنة 130هـ، ثم انتقل إلى الكوفة. وأبو العتاهية، كنية غُلِبتْ عليه لما عُرف به في شبابه من مجون ولهو.
وكان أبو العتاهية في مبدأ نشأته – كسائر أهله – خزافاً، يصنع الجرار، ويزينها؛ ليحصل على رزقه من بيعها، وقد أُغرم بالشعر منذ صغره ثم اُشتُهر به، فكان الشبان يأتون إليه ويستنشدونه شعره، ويكتبونه على ما تكسر من خزفه، فلما أنس في نفسه القدرة على قول الشعر الجيد، ترك الكوفة ورحل إلى بغداد؛ رغبة منه للوصول إلى الخلفاء والأمراء، حتى استطاع الوصول إلى المهدي، وكان وصوله إليه عن طريق جارية من جواري الخيزران، بنت عطاء أم ولد المهدي، تُدعى ”عتبة“.
مرت عتبة بأبي العتاهية يوما مع عدد من جواريها، فاستوقفها وكلّمها، فأنفت أن تتكلم، أو تقف عليه، وأمرت غلمانها بتنحيته. ومنذ ذلك اليوم وقعت في قلبه. فكان يحتال للقائها، فحدث يوماً، أن خرجت بصحبة رئيس حرس القصر، وكانت زوجة المهدي قد أعطته أموالا يشتري بها من سوق الرقيق من يرى من العبيد والإماء، ويعتقهم لوجه الله. فانتهز أبو العتاهية الفرصة، وجاء إلى عتبة متنكرا في ثياب شيخ متنسك، فقال لها: “جعلني الله فداكِ، شيخ ضعيف كبير، لا يُقوى على الخدمة، فإن رأيتِ شرائي وعتقي، فعلتِ مأجورة”.
فأقبلت عتبة على رئيس الحرس فقالت له: أرى هيئة ًجميلةً، وضعفا ظاهرا ولسانا فصيحا، فاشتره وأعتقه. فأجابها. فقال لها أبو العتاهية: أتأذنين لي – أصلحك الله – في تقبيل يدك؟ فأذنت له، فقبل يدها وانصرف، فضحك رئيس الحرس والتفت إلى عتبة، يقول لها: أتدرين من هذا؟ إنه أبو العتاهية، وإنما احتال عليك؛ حتى قبل يدك. ومضى أبو العتاهية في نظم الشعر مصرّحا بحبه لعتبة، ومن أقواله فيها:
يا عُتبُ ما شاني وَماشانِك
تَرَفَّقي سِتّي بِسُلطانِك
أَخَذتِ قَلبي هَكَذا عَنوَةً
ثُمَّ شَدَدتيهِ بِأَشطانِك
اللَهَ في قَتلِ فَتىً مُسلِمٍ
ما نَقَضَ العَهدَ وَما خانِك
حَرَمتِني مِنكِ دُنواً فَيا
وَيلِيَ ما لي وَلِحِرمانِك
ثم تجرأ أبو العتاهية، فنَّوة بحبه لعتبة في مقدمة قصائده التي يمدح بها المهدي، وينشده إياها في مجلسه، وهو بين حاشيته وغيرهم من الشعراء. وهذه المجاهرة بحبه أمام المهدي دليل على صدق مشاعره.
لكن عتبة ضاقت بذلك، حتى كان يوم دخل فيها المهدي إلى جاريته الخيزران، فوجد عتبة؛ تشكو إليها ما يلحقها من ضيق وهي تبكي، فقام المهدي واستحضر أبا العتاهية، فلما حضر ووقف أمامه قال له: أنت القائل في عتبة:
“اللَّهُ بيِّني وَبَيـن مولاتي
 أَبِدتِ لِي الصَّدَّ وَالملاَمَاتِ
فمتى وصلتك حتى تشكو صدها عنك ؟؟ فاحتال أبو العتاهية ليلهي المهدي ببعض المديح، لكنه لم يفلح، فأمر المهدي بجلده، ثم أُخرج متوجعاً منكسرا، فلقيته عتبة، فقال لها:
“بخٍ، بخٍ، يا عتَبُ، مِن مِثلكُمْ
 قـد قُتِل المُهُدِيُّ فيكُمْ قتِيلُ”
فاغرورقت عيناها، وفاض دمعها، ودخلت على الخيزران باكية، فوجدت المهدي عندها فسأل: ما لعتبة تبكي؟ فقيل له: لأنها رأت أبا العتاهية مجلودا، وقال لها ما قال، فأمر له المهدي بخمسين ألف درهم، ففرقها أبو العتاهية على من بالباب، فلما علم المهدي بذلك وجه إليه من يسأله، ما حملك على أن تقسم ما أكرمتك به من مال ؟ فأجاب: ماكنت لآكل ثمن من أحببت! فوجه إليه بخمسين ألف درهم غيرها، وحلف عليه ألا يفرقها، فأخذها وانصرف.
ولكن أبا العتاهية استمر في أشعاره يلهج بحب عتبة، وانتهز حلول يوم نيروز، وهو يوم رأس السنة عند الفرس قبل الإسلام، فكانوا يتخذونه عيدا، فلما جاء العباسيون أحيوا هذا العيد، فانتهزه أبو العتاهية، وأهدى إلى المهدي برنية صينية ثمينة، وهو وعاء شبيه بالمزهرية، وكان فيها ثوب مضمخ بالمسك كتب عليه بالغالية، وهي خليط سائل من العطور، هذين البيتين:
“نَفسي مِنَ الدُّنيَا بِشَيءِ مُعلِّقَةٍ
اللَّهُ وَالقـائِمُ الْمُهُــدِيَ يَكفِيهَــا 
إِنّي لِأَيـأسَ مِنهَا ثُمَّ يُطمِّعُنِي
 فِيها اِحتِقارُكَ لِلدُّنْيَا وما فِيهَا”
فهمَّ المهدي أن يدفع إليه عتبة هبة، فلما عرض عليها ذلك قالت له: يا أمير المؤمنين مع حرمتي، وخدمتي، تدفعني إلى بائع جرار يتكسب بالشعر؟ فبعث المهدي يقول له: أما عتبة فلا سبيل لك إليها، وقد أمرت لك بملء البرنية مالا. وخرجت عتبة فوجدت أبا العتاهية يجادل الكتاب في أمر هذا المال، وهو يقول: إنما أمر لي بدنانير –أي ذهب – وهم يقولون بل بدراهم – أي فضة – وقد كان أبو العتاهية من أشد الناس حرصا على المال، حتى أيام زهده، فلما رأت عتبة هذا الجدال قالت: أما لو كنت عاشقا لعتبة لما اشتغلت بتمييز ذهب الدنانير، من فضة الدراهم !!
ومات المهدي سنة 169هـ، وتلاه أخوه الهادي على الملك ستة أشهر فقط، ثم جاء هارون الرشيد فعظمت عنده منزلة أبي العتاهية، فقرّبه إليه في مجالسة وأسفاره لظرفه ونوادره ومدائحه، وبقي ينظم الشعر في عتبة إلى أن بلغ الرشيد يوما شعره إلى الخليفة:
“أَلَا إنّ ظَبيَا لِلخَلِيفــةِ صادَنِي
 ومالِيَ عن ظَبي الخَليفةِ مِن عُذْر”
فغضب الرشيد وقال: أسخرَ منّا ؟! فأمر بحبسة ودفعه إلى سجّان فظ غليظ، فبالغ في إساءته، فأرسل وهو في الحبس بيتين إلى الرشيد:
إِنَّمـا أُنَّـتْ رحمــةُ وَسـلامةُ
 زادك اللَّهُ غِبْطَة وكرَامـةَ
قيَّل لِي قد رُضِيتْ عَني
فَمِنْ لِي أن أَرى لِي
على رِضَاُكَ عَلاَمة”
فقال الرشيد: لله أبوه، لو رأيته ما حبسته، وإنما سمحت نفسي بحبسه؛ لأنه كان غائبا عني، ثم أمر بإطلاقه وعاد إلى تقريبه، فلما رأى ذلك أبو العتاهية عاود الرشيد؛ يسأله عتبة، فوعده بتزويجها بعد أن يسألها في ذلك، فإن أجابت جهزها وأعطاه مالا كثيرا.
فانشغل الرشيد، ونسي أمر أبي العتاهية، فأراد ان يذكره بوعده، فأرسل إليه هدية، وهي ثلاث مراوح كتب على كل منها بيت شعر. وعندما وصلت المراوح إلى الرشيد قرأ على الأولى:
“ولِقدْ تَنَسَّمْتُ الرِّيَاحَ لحاجتي
 فـإِذَا لِهَا مِن راحتيك نَسيمُ
فقال الرشيد: أحسن الخبيث. وقرأ على الثانية:
“أَشَرِبْتُ نَفْسي مِن رَجائِكَ ما لَهُ
عَـنَقٌ يَخُبٌّ إِلَيكَ بِي، ورسيمُ”
فقال: قد اجاد، وقرأ على الثالثة:
“ولِرُبَّما اِستَيأَستُ ثم أقول لا،
إِن الَّذِي ضِمنَ النّجَاحَ كريمُ
فقال: قاتله الله، ما أحسن ما قال، ثم دعا به وقال له:
ضمنت لك عتبة، وفي غد نقضي حاجتك إن شاء الله. وبعث إلى عتبة، أن لي إليك حاجة، فانتظريني الليلة في منزلك. فأكبرت ذلك منه، وسارت إليه تستعطفه، وتطلب أن يذكر لها حاجته، فحلف لها ألا يذكر حاجته إلا في منزلها، فلما كان الليل سار إليها مع جماعة من حاشيته، وقال لها: لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها. فقالت: أنا أمتك، وأمرك نافذ في، ما خلا أمر أبي العتاهية، لأني حلفت لأبيك بكل يمين يحلف بها بر وفاجر، وبالمشي إلى البيت الحرام حافية، كلما انقضت عني حجة لا أقتصر على الكفارة، وكلما أخذت شيئا تصدقت به، إلا ما أصلي فيه من ثياب، وما يمسك رمقي من طعام. وبكت بين يديه، فرق لها ورحمها، وانصرف عنها.
فلما غدا عليه أبو العتاهية، قال له الرشيد: ما قصرت في أمرك، ومسرور، وحسين، ورشيد من رجال قصري شهود لي بذلك، وشرح له الخبر.
قال أبو العتاهية، يحكي عن هذا الموقف: فلما أخبرني بذلك، مكثت مليا لا أدري أين أنا، قائم أو قاعد، وقلت للرشيد: الآن يا أمير المؤمنين، يئست منها إذ ردتك، وعلمت أنها لا تجيب أحدا بعدك.
ومنذ ذلك الحين أحس أبو العتاهية خيبة آماله في عتبة، وترك نظم الشعر فيها وفي غيرها، ومال إلى التنسك والزهد، وانصرف عن ملذات الدنيا، وانشغل بخواطر الموت، توفي في بغداد، وأُختلف في سنة وفاته بين 213هـ و217 هـ في عهد المأمون.