تتعرض المواقع الأثريّة في كردستان للتدمير والإبادة في مسعىً لإخفاء تاريخ أعرق الشعوب في العالم، في ممارسات تنفذها تركيا وحلفاؤها، بموازاةِ حملةِ الإبادةِ الجسديّة والسياسيّة ضد الكرد. ولا تكادُ تميز بين ما تفعله الدولة التركيّة من مجازر دمويّة وحملات إبادة ثقافيّة ضد حاضنة التراث الإنسانيّ والتنوع العابر للعصور، وما كانت تفعله “داعش” أمام أنظار العالم، فالهدف واحد، وهو إنهاء الوجود الكرديّ وكلّ ما يتعلق به.
قصف وتدمير سور آمد
في الوقت الذي كانت داعش وأخواتها من “جبهة النصرة” وما يسمى “الجيش الحر” ينتهجون فيه فصل الرؤوس عن الأجساد وهدم المعالم الأثريّة والمقدّسة في سوريا والعراق وخاصةً المناطق الكرديّة، كانت الآلة العسكرية التركية تقصفُ بوحشيّة وتدمر “سور آمد” والمدينة العريقة التي تضرب جذورها في التاريخ لسبعة آلاف عام في باكور كردستان.
وتعرضت ستة أحياءٍ قديمة في مدينة آمد للهدم الممنهج خلال عامين ونصف، كما تعرضت أجزاء واسعة من سور آمد ثاني أطول وأضخم الأسوار في العالم بعد سور الصين العظيم للدمار؛ بعد قصفه بأسلحةٍ ثقيلة. وهدّمت الدولة التركية أجزاء من أحياء أخرى تاريخيّة في آمد تحت ذريعة “التحول الحضاريّ” منذ عام 2009، ما لاقى ردودَ فعلٍ صاخبةٍ.
إغراق بلدة “حصن كيف” التاريخية
في الجانب الآخر غمرت مياه سد أليسو الاصطناعيّ بلدة “حصن كيف” التاريخيّة التي يعود تاريخها لـ12 ألف عام؛ وتضمّ آثاراً من العصور الوسطى ومدارس دينيّة وتعتبر من أقدم المستوطنات البشريّة في العالم. جراء ملء بحيرة سد أليسو المشيّد حديثاً، وتشرّدَ سكان 200 قرية في باكور كردستان، أي ما يقارب 80 ألف موطنٍ كرديّ. وتعمدت حكومة العدالة والتنمية بناء سد أليسو بالقرب من بلدة حصن كيف، لتسبب في إغراق واندثار أحد أهم المعالم الأثريّة التاريخيّة في كردستان.
الآثار تُعبّر عن عراقة الشعب الكرديّ
مدير دائرة الآثار في مقاطعة الحسكة في شمال وشرق سوريا، عدنان بري، تحدث عن أهمية المواقع الأثريّة في كردستان وقال إنها “إرثٌ للإنسانيّة تعطينا رسائل عما عاشه أسلافنا، في كردستان، الآثار تعبّر عن هوية وعراقة الشعب الكرديّ، في الوقت الذي يسعون فيه لإبادة الكرد جسديّاً فإنهم يبيدون تاريخ الشعب الكرديّ أيضاً”.
تدمير ممنهج للآثار في عفرين
في روج آفا، تقول مديرية الآثار في عفرين إنّهم وثّقوا بالصور ومقاطع الفيديو، تدمير تركيا والمجموعات المرتزقة التابعة لها 64 موقعاً أثريّاً في مقاطعة عفرين المحتلة، إلى جانب 27 موقعاً دينيّاً لأديان مختلفة قد تعرضت للتخريب منذ ربيع عام 2018.
يقول الرئيس المشترك لمديرية الآثار في عفرين، صلاح سينو: إنّ موقع عين دارة الأثريّ الذي يعود تاريخه إلى العصر الآراميّ قبل الميلاد 1200 عام، قد قُصف بالطائرات الحربيّة التركية أثناء الهجوم على مقاطعة عفرين في ثاني يوم للعدوان.




وكان الرئيس التركيّ أردوغان قد “أهدى” الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال زيارةٍ له إلى الولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي، نسخة من مسلّة أثريّة “عمود حجريّ” من موقع خراب رشك “غوبكلي تبه” في باكور كردستان، ستعرض بشكلٍ دائمٍ في حديقة الأمم المتحدة.


