سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العلاقات الروسيّة التركيّة… بين التوافق والخطوط الحمراء

رفيق إبراهيم_

العلاقات الروسية التركية، مرت بالكثير من المراحل في العهد القديم (عهد الامبراطوريات)، وجرت حروب عديدة بينهما، وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى الوراء، فهي مثقلة بالمآسي والمشاكل، واليوم يحاول الطرفان إقامة علاقات بينهما، وبخاصة التجارية منها، وفضلا عن ذلك، أن روسيا تحاول احتضان تركيا، وإبعادها عن حلف الناتو.
كان للتدخل العسكري الروسي في سوريا، أثر كبير في تعامل الدولتين، حيث سعت موسكو، من خلال تركيا، اختراق حلف الناتو، على الرغم من الخلافات بينهما في العديد من الملفات، منها سوريا، وليبيا، وناغورنو كاراباخ واليونان، وقبرص، وأوكرانيا، حيث كان هناك تعاون وشراكة بينهما، بإمكاننا تسميتها بالخطيرة، وخاصة في مناطق الصراع “التعاون والعداء” في الحين ذاته.
لروسيا مآخذ على تركيا؛ بدعمها للإرهاب
تاريخ العلاقات بين الدولتين في المراحل الماضية، وحتى القريبة لم تكن جيدة، وعبر التاريخ هناك الكثير من الحروب، التي نغّصت العلاقات بينهما، ومهما حاولا التقرب، وإقامة علاقات متينة، فيعترض طريقها ماضي الدولتين، وإن تحدثنا عن تاريخ روسيا وتركيا، ما بعد الإمبراطورية في القرنين، العشرين، والحادي والعشرين، سنرى أن هناك فترات باردة وفترات ساخنة.
وبعد عام 2000 وعلى الرغم من التفاؤل، الذي ساد في الانفتاح بين الدولتين، غير أن الخبراء أجمعوا: أن التعاون لن يدوم طويلاً، وبالفعل حدثت بين الطرفين أزمات، البعض منها تم حلها، وهناك قضايا عالقة، لم يتم حلها حتى الآن؛ وهذا يعود لعدم وجود ثقة متبادلة بين الدولتين، فحادث إسقاط الطائرة الروسية الحربية، من طراز سوخوي – 24 إم، في 24 تشرين الثاني 2015، وقتل طيارها، لم يكن حدثاً عابراً، وكانت ضربة قوية، وُجِّهَت لتبدُّل العلاقات بين البلدين، وفي مختلف المجالات، حيث تم تجميد العلاقات، وخاصة التبادل التجاري الضخم.
وفي عام 2016 وبعد تقديم أردوغان اعتذاراً رسميّاً، عما حدث بخصوص إسقاط الطائرة، فتحسّنت العلاقات، ولكن تعاملوا مع بعضهم بحذر شديد؛ لأن الحادث قوّض أسس الثقة المتبادلة، وكان لذلك الحادث أثر سلبي بالغ على الشارع الروسي والتركي.
تُعَدّ تركيا الداعم الأول لنشاط المجموعات المرتزقة، وخاصة تلك المجموعات التي تواليها في سوريا، ومن هنا تأتي المخاوف الروسية، بالدرجة الأولى، فهي تعتقد: أن هؤلاء قد يصبحوا يوماً ذئاباً منفردةً، ومصدرَ قلقٍ بالنسبة لهم، إضافة إلى حادثة قتل السفير الروسي في أنقرة، أندريه كارلوف، في 19 كانون الأول 2016، على يد تركي متطرّف، كان سابقاً عنصراً في شرطة أنقرة، ذلك كله أكّد تلك المخاوف.
إس 400 ولعبة القط والفأر بسوريا
وما أرادته روسيا، حققته بحنكتها، وذلك من خلال صفقة شراء تركيا، لأنظمة الصواريخ الروسية المضادة للطائرات، “إس 400″، الأمر الذي أثار حفيظة شركاء تركيا في حلف الناتو، وكان بمثابة دق الإسفين الأخير في العلاقات التركية – الغربية، فحاولوا إيقاف تلك الصفقة، ولكن تلك المحاولات كلها باءت بالفشل، وفي النهاية فرضت عليها عقوبات، لإعادتها إلى حضن الناتو، ما أدى إلى ازدياد الهوة والشرخ، بينها، وبين الحلفاء، حيث تمسكت تركيا بالصفقة، وقالت: إنها ضرورية للحفاظ على أمنها، وهذا ما أراده الروس، وعملوا عليه.
وفيما يتعلق بسوريا، يلعب الطرفان لعبة القط والفأر، فمن جهة هناك اجتماعات بين الطرفين، إضافة للطرف الإيراني، في آستانا، والاتفاق على توزيع الحصص والمكاسب في سوريا، ومن جهة أخرى يتعارض موقف الدولتين في إدلب، فالروس يدعمون النظام السوري، ويسمون المجموعات المرتزقة السورية الموالية لتركيا بالإرهابيين، وتهاجمهم في الكثير من الأحيان، تحت أنظار أنقرة، التي تقف موقف المتفرج حيالها.
والموقف الروسي واضح وجليّ حول محافظة إدلب، حيت تعمل بجدية؛ لإعادتها إلى سيطرة النظام السوري، أما الموقف التركي، فهو عكس ذلك تماماً؛ كونها تخشى على مصير المجموعات المرتزقة الموالية لها، وأيضاً تعمل على التعاون مع (جبهة النصرة)؛ لتستخدمها كورقة ضغط على روسيا والنظام، فجبهة النصرة “هيئة تحرير الشام”، الإرهابية، تسيطر على معظم محافظة إدلب، والمناطق التابعة لها، وهناك اتفاق” سوتشي” بين الروس وتركيا؛ لتحييد جبهة النصرة، ومحاربتها، وإخراجها، ولكن فشلت أنقرة في الوفاء بالتزاماتها حتى هذه اللحظة، وفي الوقت نفسه، تقوم الدولتان بتسيير الدوريات العسكرية المشتركة على الطريق الدولي إم 4.
الكُرد وتناقض المواقف بين الروس والأتراك
والمسألة الأخرى، التي تعدّ من الأمور الأساسية بين الطرفين: هي التعامل مع الكرد، حيث تعدّ تركيا عموم الكرد السوريين إرهابيين، باستثناء بعض الجماعات الموالية لها، وهي قليلة نسبياً، وتتخذ هذه الحجة دائماً؛ للهجوم على مناطق المدن الكردية في شمال وشرق سوريا، لكن الموقف الروسي من الكرد في روج آفا، لا يشابه موقف تركيا على الإطلاق، على الرغم من الضبابية التي تكتنفه، فالروس هم الذين سمحوا للجيش التركي المحتل ومرتزقته باحتلال عفرين، لكن مع ذلك تدرك روسيا أن بقاء تركيا في الأراضي السورية مؤقت.
والأزمة في ليبيا تشغل بال الطرفين، التركي، والروسي؛ لأنهما على طرفي نقيض، فأردوغان يميل لدعم الإخوان، ومحاربة الجيش الوطني الليبي، وهو بالفعل كان له دوراً بارزاً، بإرسال المرتزقة السوريين بالآلاف إلى ليبيا، الذين حاربوا إلى جانب ميليشيات السراج، وروسيا دعمت موقف الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، ونادت غير مرة بضرورة خروج القوات الأجنبية، والمرتزقة من ليبيا، ورأي الدولتين بالشأن الليبي مختلف تماماً، ولكن لضرورة تحقيق المصالح بين الطرفين، يحاول الطرفان الآن تذليل الخلافات بينهما في ليبيا.
 وهناك أيضاً قضايا ساخنة بين الطرفين، تتابعها موسكو بكل جدية، حول اختلاف الرؤى في الكثير من القضايا العالقة في مناطق ما بعد روسيا، وتولي روسيا الاهتمام الكبير بها، أكثر مما هو الحال تجاه سوريا، والشرق الأوسط بالعموم، ومن بين هذه القضايا الهامة، التي تشغل السياسة الروسية، هي رفض أنقرة، حتى الآن، الاعتراف بضم روسيا لجزيرة القرم، وبأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من روسيا الاتحادية، ومن القضايا التي تثير الجدل الكثير بين الروس والأتراك، صفقات الأسلحة، ومن بينها طائرات من دون طيار، المباعة لأوكرانيا، أضف إلى ذلك  القضايا التي تتعلق بإقليم ناغورنو كارباخ، المتنازع عليها بين الأذربيجانيين والأرمن.
سوريا وأوكرانيا والقوقاز البركان الهائج
ويقول الخبير العسكري الروسي الشهير رسلان بوخوف في ذلك: “لا يمكن عدُّ الوضع الحالي في منطقة الصراع مستقراً، وإن لم تظهر فرص للانتقام الأرمني في المستقبل المنظور، فإن أذربيجان، ستسعى إلى السيطرة الكاملة والنهائية على كامل أراضي ناغورنو كاراباخ”، وهذا ما تعمل علية تركيا الآن، وإن حدث ذلك، فإن الروس سيكون موقفهم صعباً، وليس من السهولة بالإمكان إعادة الأمور إلى نصابها بعد ذلك، والروس يلعبون أدوارهم بحرفية ونجاح في الكثير من القضايا، وعلى الرغم من علاقاتها المتينة مع أرمينيا، التي ساهمت بشكل كبير في سيطرة أذربيجان على “ناغورنو كاراباخ”؛ لتحتفظ بتلك العلاقات مع أرمينيا، وأيضاً تقربت من أذربيجان؛ لتصبح شريكاً لها، لكن السؤال هنا هل من الممكن استمرار الأمور بهذا الشكل إلى ما لا نهاية، أم لا؟ وإلى متى ستنظر تركيا إلى روسيا، أنها الضامن الوحيد للاستقرار والسلام في جنوب القوقاز؟ وهل بالإمكان أن تصبر روسيا على التدخلات التركية في سوريا؟ وما مدى التوافق بين الروس والأتراك، حول بقاء النصرة من عدمها في إدلب؟
هذه الملفات كلها، تنتظر الأجوبة عمليا على الأرض، وخاصة في الملفات الساخنة” كسوريا، وناغورنو كاراباخ” وأوكرانيا، حيث تحدّث العديد من المحللين الروس، وأكدوا أن الدلائل كلها، تدل على أن أذربيجان تستعد لخوض حرب جيدة، ويربطون قيامها بالعلاقات التركية – الروسية، وفي سوريا هناك انتظار حذر، وترقب؛ فيما ستؤول إليه الأمور، حول إمكانية توافق الطرفين، بحتمية تواجد جبهة النصرة في إدلب وما حولها، وأيضاً فيما يخص شمال وشرق سوريا، وتهديدات تركيا المستمرة، والتوافق حول الملفات الأخرى، التي- وباعتقادي- ستبقى معلقة، لأن الأتراك يحاولون اللعب على الكثير من الحبال، وهذه السياسة قد لا تنجح مع الروس في ظل دهاء بوتين، ومحاولته الجادة في جر تركيا لمعاداة حلف الناتو، الذي بات على دراية تامة، بأن تركيا تبتعد يوماً بعد يوم؛ لتغوص في دهاليز الدهاء الروسي، وهذا قد يؤكد أن طريق العودة منه محفوف بالمخاطر.
ومن هنا إذا كان هناك توافقٌ روسيٌّ تركيٌّ في مسائل عدة، هناك أيضاً الكثير من القضايا المعلقة والشائكة، التي قد تؤدي إلى الاصطدام بينهما، وعند ذلك ستُفتح نار جهنم على أردوغان، بحيث لا يمكن العودة إلى الوراء، وقد تكون الأثمان عند ذلك باهظة التكاليف، ونفيسة، فالمعارضة التركية تتحين تلك الفرصة، للفظّ أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية الحاكم، وقد يتجنب أردوغان الصدام في حالة واحدة، وهي الرضوخ للمطالب الروسية، والقبول بالأمر الواقع؛ لتلافي أي هزّة، قد تؤدي إلى الانهيار الكامل للدولة التركية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.