سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

سري كانيه وكري سبي… عامان على الاحتلالِ التركيّ  ـ2ـ

الاحتلال التركيّ لسري كانيه وكري سبي، استخدم الاحتلال ومرتزقته الكثير من الأساليب الممنهجة لترهيب أهالي المنطقتين وتهجير السكان الأصليين وتوطينِ آخرين بدلاً عنهم، وتمارسُ تركيا سياسةَ الصهرِ الثقافيّ بحقِّ الكرد، كما تعملُ على إعادةِ صياغةِ الثقافةِ السوريّةِ بالإجمال في المناطقِ المحتلةِ بما يتناسب مع مصالحها وأطماعها وإدامة البقاء، ليكون ذلك “الشكلَ الأعمقَ للاحتلال الذي يتجاوزُ القوةَ العسكريّةَ إلى العقول والتحكم بمسارات التفكير.
الانتقال من الاحتلال إلى الاستعمار الثقافيّ
تشهد مدينتا سري كانيه وكري سبي منذ احتلالهما من قبل جيش الاحتلال التركيّ ومرتزقته وإلى الوقت الراهن جرائم شبه يومية تشمل عمليات الخطف، وسرقة ممتلكات المدنيين، والاستيلاء على محال المدنيين العزل، وتأجيرها لأسر المرتزقة. وفي هذا السياق استدرجت سلطات الاحتلال التركيّ تمويلات من منظماتٍ إخوانيّة من جمعيات في دول الخليج وباكستان لإقامة مشاريع بناء المدارس والخدمات، لتكونَ أقنية تمرير الفكر المتطرفِ، وتبرر حضورَه في سياق الحياة العامةِ.
جاء العدوانُ التركيّ على شمال سوريا بعد أشهر قليلة لهزيمة “داعش” جغرافيّاً ليكونَ حبلَ النجاةِ لهم، وقد تداولت وسائل الإعلامِ في 30/10/2020ظهور مرتزقة “داعش” ورفعهم لراياتهم في مدينة سري كانيه، خلال تظاهرةٍ ضد الحكومة الفرنسيّة تزامنت مع توتر العلاقات بين أنقرة وباريس. وكان ذلك دليلاً على علاقة الاحتضان التركيّ لمرتزقة “داعش”، وأنها أوجدت حواضن بديلة لهم في المناطق المحتلة، كما شهدت مدينة كري سبي عودة مرتزقة “داعش” ونشاطاً ملحوظاً لهم بعد الاحتلالِ.
ويضاف إلى ذلك، عملية التتريك الممنهجة، من تغيير أسماء معالم المدينة، ورفع الأعلام التركيّة، بالإضافة إلى استخراج بطاقات “الكيملك” التركيّة للمدنيين، في ظل عملية التغيير الديمغرافي وتهجير السكان الأصليين من المدينة.
الاحتلال يتسبّب بتهجير 300 ألف مدني
وتسّببت هجماتُ وجرائمُ الاحتلال التركيّ في سري كانيه وكري سبي، بتهجيرِ أكثر من 300 ألف مدنيّ من سكانِ المنطقة، فيما تمَّ توطينُ أسرِ المرتزقة والعراقيين والأفغان والتركمان فيها بدلاً منهم، ويُمارسُ التغييرُ الديمغرافيّ بعد عملية التهجير.
وبحسب إحصائياتِ الإدارة الذاتية، فإنَّ نحو 100 ألف مدنيّ هُجّروا من مقاطعة كري سبي وريفها، ويقطن 6031 مهجّر في مخيم مهجري كري سبي الذي أُنشئ في 22 تشرين الثاني 2019 في بلدة تل السمن شمال مدينة الرقة، وتوزع بقية المهجرين في مدن الرقة والطبقة وكوباني.
وتوزع مهجرو ناحية سري كانيه في مخيم واشو كاني الذي أنشئ في 2019، والذي يضم 14714 مواطناً و2373 أسرة، وبعد تزايد عدد المهجّرين فتحتِ الإدارةُ الذاتيّة مخيماً آخر لمهجّري سري كانيه الذين كانوا موجودين في مراكز الإيواءِ بمدينة الحسكة، والذي يضم 14073 مواطنٍ مهجّر، و2815 أسرة.
وينتشر المهجّرون على هذا النحو 1150 مواطنٍ، 230 أسرة ناحية الدرباسية. و4500 مواطنٍ و900 أسرة في ناحية تل تمر، 2000 مواطن و400 أسرة توزعوا في زركان، وتوزّع 6590 مواطن، و1600 أسرة في أحياء مدينة الحسكة، بينما توزّع 9174 مواطن في بلدة العريشة.
وفي مقاطعة قامشلو: 694 أسرة و3470 مواطن في مركز مدينة قامشلو، وتوزع 323 أسرة و161 مواطن في ناحية كركي لكي، و310 اسرة و1550 مواطن في ناحية عامودا، و30 أسرة و150 مواطن في ناحية تل حميس، و193 أسرة و965 مواطن في ناحية تربه سبيه، و14 أسرة و70 مواطناً في ناحية تل براك، و115أسرة و575 مواطن في ناحية جل آغا، وفي ناحية ديرك 866 اسرة و4330 مواطن.

إلى جانب ذلك قام الاحتلال التركيّ ومرتزقته بإخلاءِ وتهجير سكان 15 قرية إيزيديّة في منطقة سري كانيه ومحيطها والاستيلاء على 65 منزلاً وجميع أملاك الإيزيديين، وتدمير 80 منزلاً في قرى الداوديّةِ وخربة جمو، وبناء ثكناتٍ عسكريّة مكان تلك المنازل، بالإضافة إلى نبش قبور الإيزيديين وإخراج الرفات منها.

كما قام الاحتلال بتوطين 400 شخص من عناصر مرتزقة داعش العراقيين في سري كانيه وكري سبي، ونقل 1400 مرتزق سوري وأسرهم من إدلب إلى المنطقة، واختطاف 78 شخصاً بتهمة العمل في مؤسسات الإدارة الذاتية.

 

 

 

 

 

توطين العراقيين
وفي إطارِ سياسةِ التغييرِ الديمغرافيّ التي تنتهجها دولةُ الاحتلال التركيّ في المناطق التي تحتلها، وثقت وكالة هاوار في الأشهر الفائتة توطين الاحتلال التركيّ لعوائل من الجنسية العراقيّة في مدينة سري كانيه وعوائل لمرتزقة داعش.
كما كشف المرصد السوريّ لحقوق الانسان في 29 حزيران2020 استصدارَ ما يُسمّى “المجلس المحليّ لمدينة سري كانيه” بطاقاتٍ شخصيّةٍ للاجئين العراقيين الموجودين في المدينةِ.
تجنيد أطفال المناطق المحتلة جريمة حرب جديدة
وإلى جانب الجرائم بدأ الاحتلال التركيّ خلال هذا العام بتجنيد الأطفال للقتال في سوريا وخارجها.
وكان المرصد السوريّ لحقوق الانسان أعدَّ تقريراً سابقاً أوضح فيه بأنَّ عددَ الأطفال ممن هم دون سن الـ 18 وصل إلى 150 طفلاً ممن أرسلوا إلى ليبيا، وفي 25 حزيران من العام الجاري حصلت وكالة هاوار على صورةٍ من داخلِ مدينة سري كانيه لطفلٍ يحملُ السلاحَ ويظهرُ برفقةِ مرتزقة ما يُسمى “الفرقة 20” التابعة لدولةِ الاحتلالِ التركيّ، فيما كشفت مصادر خاصة أنَّ الاحتلالَ ومرتزقته يجنّدون الأطفالَ بأعدادٍ كبيرة، قد أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا في لائحة التي تجنّد الأطفال بسببِ مرتزقة “السلطان مراد” المقرّبة منها.
سياسات متوقعة تعكس أيديولوجية تركيا ورهاناتها
المعارض السوريّ ورئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا فراس قصاص تحدث حول ذلك قائلاً: “لم يكن متوقعاً البتة أن ينفذَ الاحتلال التركيّ في سري كاني وكري سبي/ تل أبيض سياسات غير تلك السياسات التي صدرت عنه وتعكس سقفَ حكومته الأيديولوجيّ ورهاناتها على الهيمنة وانغماسها في استعلاءٍ عنصريّ لا فكاكَ منه”.
وأضاف “إنّ الحكومةَ التركيّةُ التي لا تعترف بحق الكرديّ بأن يعكسَ هويته وأنماط تجربته على أرضه، أو يعكسها على مسارِ حياته وفقاً لإرادته واستجابة لتطلعاته، حكومة كتلك، مستعدةٌ بكلِّ تأكيدٍ لممارسةِ الحربِ والعدوانِ كنهجٍ لا يقفُ عند حدودِ الاحتلال، بل يذهبُ إلى أبعدِ مكانٍ يستطيع أن يصلَ إليه، وبما يصلُ إلى التغييرِ الديمغرافيّ، هذا تماماً ما كان متوقعاً منه وهذا بالضبط ما حصل، ويستمرُّ في الحصولِ في المدينتين السوريّتين المحتلتين وفي باقي مناطق الاحتلال التركيّ في سوريا”.
مخطط تركي لصياغة البلد السوريّ
وحول أهداف الاحتلال التركيّ من ذلك قال قصاص: “تهدف تركيا إلى ممارسة الامحاء الثقافي بحق الشعب الكرديّ في سوريا بالدرجة الاولى كاستمرار لما يمارسه بحق الكرد في تركيا منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة”.
وأضاف “يريد أيضاً بالدرجة ذاتها تحقيق الهيمنة على الوضع السوريّ وصياغة بلد ما بعد آذار من عام ٢٠١١ على قده الاستعلائي الطوراني المغروس في  بيئة مشبعة بنوستالجيا عصابية لمرحلة الدولة العثمانية، استعلاء وغطرسة وتعالي منثورة في كل مكان في الاجتماع السياسيّ التركيّ، تراها في كم الاعلام الوطنية التركيّة التي لا تستثني أي مكان لترمز عن أزمة العصاب الوطني المتطرف وتراها في اللغة التي لا تكف عن استعادة هذا الاستعلاء ونسخه في الوعي الجماعي دون تردد لترى عشرات المقولات التركيّة عن تفوق التركيّ وعلو شأنه وحيث يؤكد جلها أن تركي واحد يساوي العالم كله”.
وأوضح قصاص “كل هذا الجنون المؤسس والممتد في مؤسسات الدولة التركيّة وفي إعلامها ونظامها التعليمي وفي طبقتها السياسيّة، كل هذا بالضرورة سينتج ما نراه من اعتداء على تاريخ مناطقنا المحتلة في سوريا، على سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض ومحاولة لتغييرِ هوية هذه المواقعِ ذات الخصوصيّة الثقافيّة والإثنيّة وطمس تراثها الثقافيّ وذاكرة الإنسانيّة فيها”.
وبحسب ما وثقته منظمة حقوق الانسان في إقليم الجزيرة فقد 136شخص لحياتهم من بينهم 14 امرأة وجرح 293 شخص من بينهم 74 امرأة منذ الاحتلال التركيّ للمنطقتين حتى نهاية شهر آب المنصرم.
وخلال عام 2020-2021 في منطقتي سري كانيه وكري سبي اختطف حوالي 121 شخص بينهم ست نساء، وهذا التوثيقُ جزءٌ من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال التركيّ بحق المدنيين في المناطق المحتلة.
موقفٌ دوليّ مخجلٌ
وبسببِ التضحياتِ الكبيرةِ التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية والإنجازاتِ الكبيرةِ التي حققتها خلال حربها مع مرتزقة “داعش” اكتسبت هذه القواتُ أصدقاءً كثراً في العالمِ، حيث ترافقتِ الهجماتُ من قبل الاحتلالِ التركيّ مع ردودِ أفعالٍ شعبيّةٍ منددةٍ بهذه الهجماتِ. وحول الموقف الدوليّ من الجرائم التركيّة قال قصاص: “للأسف، مخجلٌ بحق، ضعيفٌ ومتخاذلٌ إلى درجةِ تؤشر في أحيانَ كثيرة إلى ما يمكن أن نسميه بـ “التواطؤ”. وأضاف” ناهيك أن لا أدوات عملية متوفرة لمنظمات حقوق الانسان غير الحكومية ذات الوزن الدوليّ كي تطبقها، وليس هناك من لدنها إلا بيانات الادانة والتوصيف والقياس إلى ما يتفق عليه القانون والعرف الدوليّ بأنه جريمة. في ظل هذه الصورةِ يبقى الاحتلالُ التركيّ وتستمرُّ انتهاكاته معه في هذه المرحلة وليس علينا وعلى شعبنا إلا البقاء عند حقوقنا إلى آخر نفس”.
تواطؤ أمريكيّ
وبدوره أكد المعارضُ السوريّ وعضو لجنةِ علاقات في مجلس سوريا الديمقراطية علي رحمون: “إنّ العملياتِ العسكريّة التركيّة بشنِّ غاراتٍ جويّةٍ على البلداتِ السوريّةِ والحدوديّةِ جاءت بعد انسحابِ القواتِ الأمريكيّةِ من تلك المناطق ويعتبر ذلك تواطؤاً أمريكيّاً لصالحِ المحتلِ التركيّ”.
وأشار رحمون إلى أنّ الاجتياحَ التركيّ لمنطقتي سري كانيه وكري سبي تسبب بدمارٍ هائلاً وتخريبٍ كبيرٍ، ولا يزال الاحتلالُ التركيّ يرتكبُ إلى اليوم، وتصنّف وفق أغلب المنظمات الدوليّة كجرائم حرب، وتهجير ممنهج وحرب منازل واختطاف ومحاولات تغير ديمغرافي مستمرة وإلى جانب محاولات إقامة مستوطنات من خارج المنطقة منهم سوريين ومنهم غير سوريين مثل العراقيين وبعض أهالي دواعش، ولا تزال تركيا حتى الآن تمارس أفظع أنواع الانتهاكات بحق الشعب السوريّ الموجود في تلك المناطق رغم وجود اتفاقيات مع الجانب الأمريكيّ والجانب الروسي”.
الأطماع التركيّة مستمرة ولا سبيل إلا المقاومة
تواصلُ دولةُ الاحتلالِ التركيّ شنَّ الهجماتِ على مناطقِ شمال وشرق سوريا وتهددُ دائماً باحتلالِ مناطقَ سوريّةٍ جديدةٍ، وحول مواصلة تركيا لتهديداتها، قال المعارضُ السوريّ فراس قصاص: “لا تنتهي الأطماعُ التركيّة في بلادنا ما دمنا نفقدُ كسوريين قابليتنا البنيويّة في أن نسمحَ لأيّ طرفٍ خارجيّ يطمع بالهيمنة علينا في فرض إرادته على حياتنا”.
وأوضح “التركيّ سيستمرُ باقتناصِ كلِّ فرصة في سوريا ليعبرَ عن عقده السياسيّةِ والثقافيّة إزاء شعوب المنطقةِ لا سيما الكرد، لن يردعه عن فعلِ ذلك إلا حصولُ ثورةٍ تركيّةٍ ذاتيّة تطيحُ بسقفِ القيمِ السياسيّةِ التي تأسست عليها الدولةُ التركيّةُ. ثورة تُبقي قيمَ العلمانيّةِ التركيّة بعد انفتاحِها على الحريّةِ في أوسع مفاهيمها وتسقِط الطورانيّة والوطنيّة التركيّة الاستعلائيّة من وجودها المعنويّ كله، وهذا يبدو بعيدَ الحصولِ حتى على المنظورِ المتوسط والبعيدِ، فكيف بالمنظورِ القريب، على أنّه ربما ثمّة رهان أقل صعوبةً قد يسهمُ في لجمِ الأطماعِ التركيّةِ في الهيمنةِ على أوضاعنا وحياتنا، يتمثل بصعودِ تحالفٍ سياسيّ جديد في تركيا يُسقِطُ حكومةَ العدالة والتنمية  وحليفته الحركة القوميّة (العنصريّة) في الانتخاباتِ، تحالف يشغلُ فيه حزب الشعوب الديمقراطيّ أحد أهم مراكز الثقل والقوةِ والفاعلية”.
وأضاف “ربما في ظهورِ جوٍ سياسيّ جديدٍ كهذا في تركيا يمكنُ أن نتوقعَ انحسارَ العدوانِ التركيّ ومراجعةَ سياساته الاحتلاليّة في سوريا، إلا أنَّ هذا السيناريو أيضاً لا يمكن توقعُ حصوله قبل عام ٢٠٢٣، لذلك وحتى ذلك الحين ليست ثمّة احتماليّة نتوقعُ بموجبها من تركيا الكفَّ عن إرادةِ التوسّعِ والاحتلالِ وممارسةِ عملياتِ التذويبِ الثقافيّ للمناطقِ المحتلةِ عبر وسائل التغيير الديمغرافيّ التي تستخدمها فيها. وليس علينا إلا المقاومةُ إزاءه وبكلِّ الوسائلِ الممكنةِ والمشروعةِ”.
وكالة هاوار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.