سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حربُ الشعبِ الثوريّة… ـ1ـ

دجوار أحمد آغا-

قبل تحوّلِ الإنسانِ من المجتمعِ الطبيعيّ الى المجتمعِ البشريّ، كان على علاقةٍ جيّدةٍ مع الطبيعةِ، يحترمُ قوانينها ومتأقلماً معها، ويحافظُ على كلِّ ما هو حي فيها. لكن؛ فيما بعد، وخاصةً بعد وصوله إلى مرحلةِ “الإنسانِ العاقلِ”، بدأ بالتحايلِ على الطبيعةِ وبدأ عمليّاً مرحلةَ الأخذِ دون مقابلٍ ما أدّى إلى انحسارٍ كبيرٍ في العلاقةِ بين الطرفين وحدوثِ دمارٍ هائلٍ في الطبيعةِ.
مع ظهورِ نظامِ الدولةِ وبروزِ السلطةِ، وعاشتِ المجتمعاتُ حالةً من التردّي وانعدامِ العدالةِ والمساواةِ ونشوءِ جملةٍ من القضايا، والمشاكل التي أفرزتها السلطةُ بهرميّتها الدولتيّةِ، خاصةً مع تحوّلِ نموذجِ الدولةِ الى الدولةِ القوميّةِ التي قامت بعملياتِ الاحتكارِ من خلال السيطرة الداخليّة والخارجيّة (الاستعمار) ونهبِ وسلبِ خيراتِ الشعوبِ والأممِ، وبالوصولِ إلى عصرِ الحداثةِ الرأسماليّةِ وتطورِ أشكالِ العنفِ والاضطهادِ الممارسِ بحقِّ المجتمعاتِ تمهيداً لوصولها إلى حالةِ الخنوعِ والخضوعِ الكاملِ لتحقيقِ رغباتِ وطموحاتِ وأهدافِ فئةٍ محددةٍ من الشعبِ تحت مسمّى الطبقةِ الحاكمةِ التي وصلت إلى الثراءِ الفاحشِ بينما بقية المجتمعِ تعيشُ في فقرٍ مدقعٍ. إضافةً إلى ذلك، الحملاتُ الشرسةُ التي شنّتها الدولُ القوميّةُ بحقِّ الشعوبِ بحيث جعلتِ الحياةَ لا تُطاقُ وغير قابلةٍ للاستمرارِ ما وضعَ المجتمعاتِ والشعوبِ أمام خيارٍ وحيدٍ لا بديلَ عنه ألا وهو الثورةُ والانتفاضة بوجه الدول المتسلطة بكل أشكالها في كل بقاع الأرض وأصبحت الحرب الثوريّة الشعبيّة هي الصيغة الأمثل والأنسب لمقاومة الشعوب في مواجهة هذه الوحشية المفرطة التي تُمارس بحقها.
تعريف الحرب الشعبيّة الثوريّة
يُمكننا أن نُعرّف الحرب الشعبيّة الثوريّة على أنّها “حرب طويلة الأمد تعتمد في أساسها على الدعم الشعبيّ للقوات المسلحة الشعبيّة والتي تعمل وفق نظرية ثوريّة”، بالإضافة إلى اندماج المقاومة المسلحة مع الشرائح الشعبيّة الواسعة المساندة لها (عمال، فلاحيين، مثقفين ثوريين، شبيبة، نساء) واستقطاب عناصر جديدة لقواتها.  لا بد من أن تستند الحربُ الشعبيّة الثوريّة إلى نظرية ثوريّة، “لا حركة ثوريّة دون نظرية ثوريّة” لينين. كما أن الاستراتيجية المتبعة في هذه الحرب هي دفاعيّة، فهي ليست هجوميّة ولا تعتدي على أحد، جوهرها يكمن في الدفاع عن المجتمع والشعب ضد كل أشكال الاحتلال والاستعباد والظلم والطغيان والاستبداد وحملات الإبادة والصهر. نستطيع القول بأن الحرب الشعبيّة الثوريّة عبارة عن حرب “أن نكون أو لا نكون” أي حرب الوجود، حرب الشرف والكرامة، حرب الشعوب من أجل التحرر من نير العبوديّة والظلم والاضطهاد وتحقيق الاستقلال الحقيقيّ وبناء نظام ديمقراطيّ يتمتع بالحرية والعدالة الاجتماعيّة.
الفرقُ بين الثورةِ والانقلابِ
لدى الحديثِ عن الحربِ الشعبيّةِ الثوريّةِ لا بد لنا من شرحِ وتوضيحِ مفهومِ الثورة كونها ترتبط بشكلٍ وثيقٍ مع هذه الحربِ الشعبيّةِ. يمكننا تعريفُ الثورةِ بأنّها “ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ تقومُ بها فئةٌ أو جماعةٌ من الشعبِ بهدفِ تغييرِ الواقعِ الموجودِ والمعاش بشكل جذريّ”، تعملُ على تحقيقِ طموحاتِ التغييرِ من نظامٍ مستبدٍ إلى نظامٍ اجتماعيّ سياسيّ عادلٍ يؤمّنُ الحقوقَ والحريةَ لكافةِ أبناء المجتمع، كما يُعبر عن انتقالِ الإدارةِ من الدولةِ أو السلطةِ الموجودةِ إلى المؤسساتِ التي يديرها الشعبُ بنفسه والتي تمثلُ رغباته وطموحاته.
الثوراتُ عبر التاريخِ لعبت دوراً مهماً ومباشراً في إسقاطِ العديدِ من الأنظمةِ السياسيّةِ المستبدةِ ودفعتها إلى تغييرِ دساتيرها في العالم وكذلك تغييرِ شكلِ الحكمِ من الأنظمة الملكيّة المطلقة إلى أنظمةٍ برلمانيّةٍ، (الثورة الفرنسيّة 1789 / 1799 والثورة الاشتراكيّة في روسيا عام 1917) نموذجاً.
بالتأكيد هناك فرقٌ بين الثورةِ والانقلابِ؛ “فالثورةُ في جوهرها تعني تغييرَ النظامِ السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ السائدِ في بلد ما، وإحلال نظام أكثر تطوراً وتقدماً لصالحِ المجتمعِ بشكلٍ عام وليس لطبقةٍ واحدةٍ أو تبديلِ سلطة بأخرى”.
بينما الانقلاب “يأتي من خلال تغييرِ الحكومةِ القائمةِ في الدولةِ وذلك لمجردِ الاستئثارِ بالسلطة دون إحداثِ أيّ تغييرٍ جذريّ في بنيةِ النظام وغالباً ما يكون هذا التغيير لمصلحةِ مجموعةٍ صغيرةٍ أو فئةٍ معينة”. غالباً ما تكونُ الانقلاباتُ أو الضرباتُ العسكريّةُ بدعمٍ من الخارجِ وبالتحديد من القوى الرأسماليّة العالميّة التي تحاول بشتّى الوسائلِ السيطرة على مُقدراتِ الشعوبِ والمجتمعاتِ والتحكّمِ بها. أما الثورةُ بحدِّ ذاتها فهي عبارة عن عمليةِ توعيةٍ وتنظيمِ مُقدراتِ الشعبِ وتوجيهها نحو إحداثِ تغييرٍ جذريّ في خدمةِ الشعبِ نفسه، وليس في خدمةِ السلطةِ بحيث يعودُ المجتمعُ إلى طبيعته الأصليةِ التي فقدها في ظلِّ السلطةِ ومؤسساتِ الدولةِ الاستبداديّة.
الثورة الفكرية (الذهنيّة)
عندما يقول القائد والمفكر الكبير عبد الله أوجلان: “إنَّ أصعبَ شيءٍ في الدنيا هو تغييرُ ذهنيّة الإنسان” فهو يُدرك الحجم الكبير للتشويهِ الحاصلِ لعقلِ الإنسانِ على مرِّ التاريخِ، وكيف تمَّ قصفُ العقلِ البشريّ وتراكمت الأفكار البالية فوق بعضها البعضِ حتى جعلت من العقلِ متحجراً غير قابل للتفكير.
اتبعت قوى الهيمنة العالميّة وربيبتها الدولة القومويّة أشنعَ وأبشعَ الأساليبِ لتغييرِ ذهنيّة وسلوك الإنسان، لدرجة جعلت من أفعال منافية لأخلاق المجتمع الكذب والنفاق يبدوان من المسلمات في الحياة اليومية، وأضحت عبارات الرشوة والفساد من الأمثلة التي تُذكر وكأنها أصبحت من البديهيات، وذلك تماشياً مع مصلحتها. كما أنها استخدمت سائر الأساليب لتحقيق ذلك وقد نجحت في ذلك -إلى حد ما- بحيث جعلت الإنسان يعتقد أن بقائه خارج الأطر التي ترسمها له يعني نهاية حياته.
من هنا يمكننا القولُ بأنَّ الثورةَ الفكريّة تعني تحريرَ عقلِ وفكرَ الإنسانِ من التبعيةِ الذهنيّةِ للدولةِ، أي أنّها تجعلُ من الإنسانِ فرداً يعي ذاته ويُزيلُ عن نفسه ذلك الاعتقادَ الخاطئ بصيرورةِ تبعيته وخضوعه للدولةِ والسلطةِ. الثورة الذهنيّة هي عودةُ الانسجامِ بين عقلِ الإنسانِ والأخلاقِ الطبيعيّةِ، هذا الانسجامُ الضروريّ والمهم جداً من أجل إعادةِ بناءِ العقلِ المجتمعيّ ومؤسساتِ المجتمعِ التي أصبحت عُقداً مستعصيةً على الحلِّ.
 لذا من المستحيلِ على أيّةِ ثورةٍ مجتمعيّةٍ أن تستمرَّ بالحياةِ وتكونَ راسخةً وقادرةً على الدفاعِ عن نفسها ما لم تعش ثورةً ذهنيّةً. (التجربةُ السوفيتيّةُ ما زالت ماثلة أمامنا). الثورةُ المجتمعيّةُ هي ثورةٌ جذريّةٌ شاملةٌ، ثورةُ المعنى، ثورةُ اللغة، ثورةُ المرأةِ، ثورةُ الشبابِ، يقومُ بها المجتمعُ لخدمةِ نفسه من حيث إعادةِ إحياءِ قيمه وثقافته المجتمعيّةِ والتي تستندُ على مبادئِ الحريّةِ والعدالةِ الاجتماعيّةِ والديمقراطيّةِ بعيدةً كلَّ البُعدِ عن القوالبِ والأصنامِ، تتخذُ من حريّةِ المرأةِ أساساً لها في الوصولِ إلى مجتمعٍ ديمقراطيّ بيئيّ حرٍّ تسودُه العدالةُ الاجتماعيّة.
أهميّةُ الحربِ الشعبيّةِ الثوريّةِ
الحركات السياسيّة والعسكريّة التي قامت بها الشعوب وبرزت في مراحلَ مختلفةٍ من التاريخ كانت في أساسها عبارة عن حروبٍ شعبيّةٍ ثوريّةٍ في مواجهة الطغاة ومنطقة الشرق الأوسط تزخر بالأمثلة على هذه التجارب التي خاضتها الشعوب في مواجهةِ السلطة وأنظمة الحكم القمعيّة والمستبدة، وما حركة الخوارج (الوجه الآخر للخوارج) التي رأت أنَّ الإسلامَ خرج عن كينونته الديمقراطيّة وأصبح سلطةً ومن بعدها حركة القرامطة وثورة الزنوج وإخوان الصفا إلا تجاربٌ خاضتها الشعوب في مواجهة نظام الدولة والحكم الاستبداديّ، ومن ثم تكمن أهمية هذه الحركات السياسيّة والعسكريّة في فضحها للنظم القائمة على الظلم والاضطهاد وصولاً إلى الطغيان.
لذا كان التوجه نحو الثوراتِ الشعبيّةِ الثوريّةِ هو الحلُّ الأنسبُ والأمثلُ لتطلعاتِ الشعوبِ في الوصولِ إلى مجتمعاتٍ ديمقراطيّةٍ تسودُ فيها حياة سياسية العدالة والمساواة والأخلاق أهم ركائزها.
الدفاع المشروع وأسسه
تحتاج الكائناتُ الحيّةُ إلى ثلاثة أسسٍ لتستمر في الحياة وهي: التغذية والتكاثر والحماية. إذاً، الحماية مبدأ أساسيّ ورئيسيّ في بقاء البشريّةِ واستمراريتها. وهذا المبدأ يعتمد في جوهره على الدفاع المشروع، فالكائنات الحيّة ومن ضمنها الإنسان بطبيعته.
والدفاع المشروع أو الحماية الذاتيّة هو دفاعٌ واجبٌ أخلاقيّ مقدس لكلِّ فردٍ كان أو مجتمع ومن خلاله يحافظ على وجوده، فكلُّ شخصٍ أو مجتمعٍ أو أمةٍ لديها من الثقافةِ والقيمِ والأخلاقِ إلى جانبِ اللغةِ والأرضِ والانتماءِ والتاريخ الذي من خلاله تُثبتُ وجودها، إنّ الدفاعَ عن هذه الأشياء كلها هو واجبٌ مقدّسٌ وحقٌّ مشروعٌ، ومن دون هذا الحق فإنَّ حياتها ستكونُ في تهديدٍ جدّي في مواجهةِ الغزاة الطامعين والمحتلين الذين ينهبون ثروات الشعوب ويحرقون الأخضر واليابس وصولاً إلى إبادة الهوية الثقافيّة وإنكار حقيقة وجود هذه الشعوب.
يبيّن المفكرُ والقائدُ أوجلان كيفيةَ ظهورِ خطِ الدفاعِ المشروعِ في كتابه (الدفاع عن شعب) بالقول: “.. في مجتمعٍ ما، إذا كان الشعبُ يتعرّض للهجماتِ الخارجيةِ الهادفةِ للاحتلالِ والتسلّطِ عليها، والإدارةِ الحاكمةِ في تلك البلادِ بقيت صامتةً مقابلَ كافة متطلباتِ الشعبِ الديمقراطيّة وانتفاضاتهم، وأكثر من ذلك إذا كانت تحاولُ قمعَ هذه المظاهراتِ بهجماتٍ حادّةٍ، فإنَّ الدفاعَ المُسلّحَ يكون موضوعَ النقاشِ في مثل هذه الحالات، هذه الحربُ واجبٌ إجباريٌّ وأخلاقيّ، فبإمكانِ المجتمعِ إظهارُ قوته المسلّحةِ المشروعةِ حينها، لأنّها على الحقِّ من أجلِ حياةٍ حرّةٍ بعيدةٍ عن الظلمِ والقمعِ والعنفِ والإنكارِ. أما المجتمعاتُ التي لم تتجرأ على حمايةِ نفسها ضدَّ مثل هذا النوعِ من الهجماتِ والمخاطرِ، تكونُ مجتمعاتٍ ضعيفةً وغارقةً في العبوديّةِ، وهذا هو الضياع الطبيعيّ في جوهره”.
تتوضحُ لنا بشكلٍ جلي أهميةُ حربِ الشعبِ الثوريّةِ والتي شرحتها منظومةُ المجتمعِ الكردستانيّ من خلال طرحها لمفهومِ الدفاعِ المشروعِ للشعبِ الكرديّ في سائرِ أجزاءِ الوطنِ المقسّمِ ضدَّ الإبادةِ الممنهجةِ التي ترتكبها الأنظمةُ الحاكمةُ والمحتلةُ لكردستان بحيث تتجسدُ في ثلاثةِ ركائز وأسسٍ متينةٍ ألا وهي: الدفاعُ النظريّ الفكريّ الذي يستندُ إلى نظريةٍ ثوريّةٍ والتنظيمِ الجيدِ والمتمكن بين الشعبِ والدفاعِ السياسيّ الديمقراطيّ عن الشعبِ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.